تثير فضائح الرشاوى والصفقات السرية التي تتكشف في العديد من الدول الأوروبية التساؤل عن الفروق الجوهرية بين الأنظمة المسماة ديمقراطية وانظمة الحكم في العالم الثالث. خصوصا وانها لم توفر ايا من الأحزاب اشتراكية كانت أم محافظة, مثلما طالت الكثير من الشركات الكبرى والمجموعات المالية, القديمة والناشئة, والشخصيات السياسية ذات البريق. والخطورة في هذا الفساد الأوروبي تتجلى في تضليل الحياة السياسية والاقتصادية وفي الارتباط الوطيد, ولكن غير القانوني, بين السياسة والمال, والذي يتخذ عنوانا مخزيا هو: الرشوة . لقد كانت قضايا الفساد سببا في خسارة الاشتراكيين اليونانيين في انتخابات يونيو 1989 بعد ان أمضوا ثماني سنوات في السلطة, وعرفت أسبانيا وايطاليا فضائح يصعب حصرها لا سيما بالنسبة لايطاليا التي عادة ما يرتبط اسمها بالمافيا, وفي شمال القارة الأوروبية, كان لانعكاسات قضية الفساد التي عرفتها بلجيكا صدى واسع, حيث أرغم النائب الأول لرئيس الوزراء غي كومي على الاستقالة بعد اتهامه بتلقي رشوة من شركة أوغستا الايطالية لصناعة المروحيات, كما اضطر مسؤولان اشتراكيان آخران على الاستقالة. وفي بريطانيا اعترف المسؤول المالي لحزب المحافظين ببعض ما جاء في اتهامات العمال من ان حزبه تلقى مبالغ مالية طائلة من الملياردير اليوناني جون لاتسيس ومن لي كاشينج أحد كبار أثرياء هونج كونج, وأفادت تقارير لجنة التحقيق في الحسابات العامة التابعة للبرلمان بأن ممارسات الهدر والتزوير والفساد تسود مختلف الوزارات والخدمات العامة والخاصة. أما في فرنسا, البلد الذي لا يكف عن الافتخار بالديمقراطية والعدالة, فإن الفساد طال جل الأحزاب السياسية, لا سيما الحزب الاشتراكي الذي يعيش حاليا على ايقاع فضيحة أحد أبرز رموزه: رولان دوما, وقد بدأ المجتمع الفرنسي الانتباه إلى هذه الظاهرة والتفكير فيها, أمام ممارسات الاختلاس والرشوة في الأوساط السياسية الفرنسية. مرض العصر والواضح ان وباء الرشوة والارتشاء آخذ في الانتشار في الكثير من الدول, دون ان يوفر حتى الدول الديقراطية, وتنقل بعض الأخبار من حين لآخر, أحداثا عن ممارسات غير مقبولة من الناحيتين القانونية والأخلاقية على مجموعة من المستويات , لكن السمة الأساسية التي صارت تميز الفضائح التي تمس بشكل خاص الطبقات العليا من المجتمعات والدول ذات أساس مادي ومالي كالاختلاس من المال العام للحصول على امتيازات معينة, ويعني ذلك الرشوة والارتشاء, وهذه الفضائح التي توصف أحيانا بالسياسة واحيانا أخرى بالأخلاقية كثيرا ما تكون وراء سقوط قادة سياسيين وانظمة سياسية. فإذا كانت الدول المتخلفة أو الدول النامية والحديثة العهد بالاستقلال تعرف نوعا من التصرفات التي تجعل الطبقة السياسية تستغل موقعها في السلطة, للقيام بانحرافات تتعلق بتحويل المال العام والتأثير في مسطرة الحصول على الصفقات, فإن مناطق أخرى من العالم كالاتحاد السوفييتي سابقا باتت تعرف وضعا كارثيا فيما يخص استشراء الاغتناء غير المشروع عن طريق الرشوة والفساد المالي, غير ان المفارقة تبرز فيما يخص البلدان الآسيوية, التي حققت مستوى تنمويا متقدما, أدى إلى تحسين الوضع المعيشي والوضع الاقتصادي فيها وتخفيض مستوى الفقر, الشيء الذي ساهم في اخفاء ما يدور داخل المواقع الخلفية لعلاقات غامضة تربط بين بيروقراطية الادارة والطبقة السياسية ورجال المال والمستثمرين المحليين والأجانب. والواقع ان التاريخ المعاصر سجل سقوط العديد من الأسماء, منهم من تمت المطالبة بمحاكمتهم والبحث أو التحقيق في مصدر ثروتهم, واملاك عائلاتهم, وفي هذا السياق يبرز مثال سوهارتو في اندونيسيا, وهناك من أدت بهم الفضائح المالية المرتبطة بالرشوة إلى الابتعاد عن مجال السياسة كما حدث لبعض القادة السياسيين في اسبانيا وايطاليا وبلجيكا, ومنهم من وقف , ولو غيابيا, أمام المحاكم الوطنية لتورطهم إما في أعمال الارتشاء أو في غالب الأحيان, في تحويل أو اختلاس المال العام , كما حدث في اليابان, وفي هذا البلد, تتبادر إلى الذهن المخلفات السياسية لقضية لوكهيد التي وقعت في 1976 والتي أدت إلى القاء القبض على الوزير الأول الياباني انذاك كاكيو تناكا, لكن رغم ذلك تتوالى الفضائح بوتيرة سريعة بين الطبقة السياسية ومسيري الادارة وكذا رؤساء المقاولات. وقد تنامى في السنين الأخيرة جيش من متطوعي المجتمعات المدنية للمساهمة في كشف فساد الحكام والتجمعات المالية, كمنظمة الشفافية الدولية (Transparency) والتي ان كان عمرها لا يزيد على ستة أعوام (برلين 1993) باعتبارها منظمة من أبرز المنظمات غير الحكومية لمكافحة الرشاوى, فان لها أكثر من 70 فرعا محلياً في مختلف انحاء العالم, كما أصبحت منظمات حقوقية عديدة تنظر بصورة متزايدة إلى العمل المضاد للرشاوى على انه عمل حقوقي بامتياز. كما اتخذت مواضيع الفساد المالي ابعادا كبيرة على المستوى العالمي مع عمليات تبييض الاموال, وبالتالي فالجهود الرامية الى كبح طغيان تبييض الاموال يمكن ان تساعد في الحد من الفساد, والارتباط واضح بينهما, اذ الذين يتلقون الرشاوي لابد لهم من ان يجدوا قنوات مالية دولية آمنة يمكنهم من خلالها ايداع مكاسبهم غير الشرعية في البنوك, مثلما يستطيع الذين قدموا الرشاوي لمتلقيها في اقامة قنوات مالية آمنة لتبييض اموالهم. ومن الصعب تحديد حجم تبييض الاموال, غير ان كامديسو المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي, قدم في فبراير 1998 ايضاحا ذكر فيه ان (تقديرات الحجم الحالي لعمليات غسيل الاموال تفوق الخيال, اذ تبلغ 2 الى 5 في المئة من الانتاج المحلي الاجمالي العالمي) . يعتبر هذا الواقع الجنائزي الذي يتخذ صورا تجارية خلاصة ابحاث وتحقيقات قام بها صندوق النقد الدولي ومنظمات متخصصة اخرى, اهمها دراسة فرانك فوجل رئيس مجلس ادارة شركة (فوجل كومينوكيشن) بواشنطن, ونائب رئيس منظمة الشفافية الدولية, ويقول فوجل بأنه في الوقت الحالي, تقوم تنظيمات عدة بمساعدة الحكومات في كبح جماح الفساد, وبناء مؤسسات اكثر شفافية, وتجرى محاولات لمقاضاة الافراد الفاسدين والشركات الفاسدة, كما تبذل الجهود لانشاء مكاتب فعالة لمراقبي حسابات عامين, ومكاتب تحصيل ايرادات امينة وخاضعة للمساءلة وعمليات مشتريات عامة اكثر انفتاحا. جهود قاصرة لكن بالرغم من كل ذلك ــ والكلام لفوجل ــ فإن هذه المبادرات ينقصها التوازن, فأغلب الحملات المتحمسة لمكافحة الفساد تتجه فقط نحو الموظفين العموميين الذين يتلقون الرشاوى, والى النظم الفاسدة في البلدان النامية التي تمر بمراحل انتقالية, ذلك ان الواقع من منظور العرض وليس الطلب يؤكد على ان الرشاوى التي يتم دفعها في سياق التجارة الدولية تنشأ في مؤسسات تقع مقراتها الاساسية في البلدان الصناعية نفسها التي تدعو حكوماتها الآن الى شن حملات جديدة لمكافحة الفساد في البلدان النامية, فالمانيا مثلا التي لا تملك اية قوانين بشأن دفاتر المحاسبة, تحظر على مشاريعها دفع الرشاوى في الخارج وتسمح قوانينها باقتطاعها من الضرائب على ارباح الشركات الالمانية. واذا كانت الولايات المتحدة الامريكية لديها قانون يجرم قيام شركة بدفع رشاوى في الخارج, فإن هناك دولا اخرى تسمح لشركاتها الدولية بأن تقتطع رشاواها الخارجية من الضرائب كما سلف في المانيا, كما ان رؤساء شركات عديدة يعترفون سرا بأن شركاتهم تدفع رشاوى, وان كلا من حكوماتهم والمنظمات الدولية تعرف هذا. ويرى صندوق النقد الدولي بأن فضائح الفساد المالي تزيد بصورة حادة الوعي العام بالقضايا الرئيسية, كما تساعد الفضائح محرري الصحف والمجلات ومنتجي البرامج التلفزيونية في البلدان الصناعية على النظر الى ما وراء حدودهم القومية لاستقصاء الفساد في مختلف انحاء الكرة الارضية. وعلى سبيل المثال ساهمت فضيحة ووتر جيت في اقرار قانون ممارسات الفساد في الخارج في سنة 1987 الذي يجرم دفع الشركات الامريكية لرشاوى خارجية, كما انه في 17 ديسمبر 1997 تم التوقيع على اتفاقية خاصة بمكافحة رشوة الموظفين العموميين الاجانب في صفقات الاعمال الدولية من طرف ممثلي 29 حكومة من الحكومات الاعضاء في منظمة التنمية والتعاون في الميدان الاقتصادي, وتدعو هذه الاتفاقية البلدان الى سن قوانين لمحاربة الرشوة وتجريمها. وبالرغم من ذلك اعترف مسؤولون كبار من بلدان كثيرة شاركوا في اعداد مشروع الاتفاقية بأن المعاهدة الرسمية ليست افضل اداة للتصدي لكل المسائل المتعلقة بالحد من الانشطة الدولية لدافعي الرشاوى. ان ما تعقد عليه الآمال حقيقة هو ما تقوم به منظمة الشفافية الدولية في اطار ما تسميه (برنامج جزر النزاهة) الذي يتعلق بالعقود المستقلة لمشتريات عامة رئيسية من السلع والخدمات في اطار (ميثاق النزاهة) الذي يمكن لحكومة قومية ان تنشأ من خلال جزيرة واحدة او العديد من جزر النزاهة عبر العهد العلني في العقد او العقود المعنية الشفافية الكاملة من جانب موظفي الطرفين في عمليات تقديم العطاءات وارسال العقود, كما ان من المحتمل ان تمول المشتريات هيئات تنموية ثنائية. فهل تستطيع التقنيات التي اعلنت عنها منظمة الشفافية الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية ايقاف زحف المال الاسود؟ لاشك ان ايديولوجيا حرية السوق قد انتصرت, واصبح يهيمن على الاقتصادات الوطنية والمجتمعات الانسانية الوسط النقدي والمالي, الذي تنامى مع تكاثر عمليات الصرف وتضخم الانشطة المالية وانشطة البورصات والمضاربات المستمرة والتحكم الذي يزداد دقة بمعدلات الفائدة والصرف, وكذلك الرهان على المستقبليات والتفاضليات والخيارات. ان هذا الوسط النقدي والمالي يدرك بشكل مشهود الاتجاه المعاصر نحو الشمولية, وهو يشكل مجالا مثاليا لانشطة المضاربين الدوليين, والفئات المتنفذة والدكتاتوريين الذين اثروا على حساب بلدانهم, واصحاب المال المنتمين الى مختلف انواع المافيا والذين يمارسون مختلف ضروب المتاجرة غير الشرعية. عولمة الفساد وفي عصر عولمة الاسواق ليس ثمة معلومات عن دور الجريمة المنظمة في السوق الاقتصادية, نظرا للتداخل بين الادوار السياسية والاقتصادية, اضافة الى تأثير المنظمات الاجرامية الدولية غير المعروفة او البادية للعيان, فالجريمة المنظمة اصبحت داخل النظام الاقتصادي ذات تأثير كبير في سير النشاط الاقتصادي والمالي والصناعي, ومع نهاية الدولة الحامية, و عمليات الخصخصة وتحرير النشاط المالي والتجاري على المستوى الدولي, تمت النشاطات السرية وتم تدويل اقتصاد اجرامي تنافسي. وحسب الامم المتحدة, فان المداخيل العالية السنوية للمنظمات الاجرامية تصل الى 1000 مليار دولار, والمبلغ يوازي الناتج الوطني الخام لمجموعة بلدان ذات مدخول ضعيف يبلغ عدد سكانها 3 مليارات نسمة, اضافة الى مداخيل استثمارات هذه الاموال غير المشروعة في استثمارات مشروعة والسيطرة التي تمارسها على وسائل الانتاج في العديد من قطاعات الاقتصاد القانوني. وقد نتج عن هذا الوضع ظهور عمليات تبييض الاموال المهربة والاموال الناتجة عن الفساد المالي للطبقات السياسية والمسؤولين السياسيين, وبروز (جنات ضريبية) تستقطب تلك الاموال للاستفادة منها في عمليات بنكية وتجارية عبر مؤسسات مصرفية مختصة في (الاموال المتسخة) , وساعدت التقنيات البنكية الحالية وتقنيات الاتصال في تسهيل عمليات انتقال واخفاء ارباح العمليات التجارية غير المشروعة. وتوجد حاليا 55 منطقة في العالم تعرف كجنات ضريبية, ووحدها جزر كايمانسا تشكل خامس مركز بنكي عالمي حيث يتواجد فيها من البنوك والشركات المسجلة اكثر من السكان, وتمثل المبالغ الخاصة التي يتم تدبيرها في تلك المناطق قرابة 15 في المئة من الناتج الخام العالمي, وتمثل سويسرا 40 في المئة من مجموع الحسابات ذات الارقام السرية وكذلك الامر في موناكو, جبل طارق, مالطا ودبلن. ان التحولات العالمية والتداخلات الاقتصادية الناجمة عن عولمة وتنافسية صارمة, ادت الى نوع من الفرز بين (المال النظيف) و(المال المتسخ) لذلك يرى الكثير من الخبراء والمهتمين ان تقوية الخدمات المتعلقة باحترام القوانين وتكريس مدونة حسن السلوك في الميدان السياسي والاقتصادي, على المستوى الدولي, يبقى محدود الفعالية اذا لم يقترن بتقدم مواز في التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وتدعيم اسس الديمقراطية والانتخابات النزيهة, التي تمكن من افراز نخبة جديدة لعالم جديد, حيث التنمية والديمقراطية تشكلان قيما مضادة للفساد المالي. * باحث من المغرب