نحو الخروج من نفق الاستثنائية والتفرد، المشروع الثقافي العربي بين حوار الثقافات وصراع الحضارات،بقلم:عمرو الشوبكي

لم تؤثر قضية في الواقع الثقافي العربي مثلما اثر الجدل الذي دار في الغرب حول قضية صراع الحضارات, فقد اثار الكتاب الذي اصدره الباحث الامريكي صموئيل هنجتون عن صراع الحضارات والتحدي الذي تمثله الثقافة الاسلامية والعالم الاسلامي للثقافة والحضارة الغربية ردود فعل واسعة داخل المجتمعات الغربية والعالم الاسلامي على السواء . وقد اثارت تلك الفكرة حفيظة وانتقادات قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين العرب باعتبارها تستعدي العالم الغربي على الاسلام والحضارة الاسلامية وتقسم العالم الى حضارات متناحرة لا سبيل الى الحوار بينها. صراع الحضارات على الرغم من ان كتابات هنجتون كان لها بعد ايديولوجي واضح الا ان ذلك لم يحل دون وجود بعد علمي في تلك الرؤية التي نظرت الى الخصوصيات التاريخية والثقافية للشعوب بصورة ثابتة على اعتبار ان كل ماهو خارج النسق الحضاري الغربي يمثل استثناء من القاعدة ــ اي الحضارة الغربية ــ ولا امل له في التقدم الا اذا خرج من هذه الاستثنائية وتبني قيم الحضارة الغربية. ولم تكن كتابات هنجتون هي الاولى في هذا المجال حيث سبقته معظم اعمال المستشرقين الغربيين طوال القرون الثلاثة الماضية والتي نظرت الى الشرق باعتباره استثناء من الحضارة الانسانية او قامت (بشرقنة الشرق) بتعبير العالم العربي الكبير ادوارد سعيد اي خلق صورة وهمية او مبالغ فيها عن الشرق لا علاقة لها بالواقع المعاش. وقد حدد هنجتون في مشروعه الفكري الحضارات الرئيسية في العالم: وهي الغربية والكونفوشية والاسلامية والهندوكية والسلافية والارثوذكسية ويمكن ايضا اضافة الحضارة الافريقية. وقد اعتبر ان اسباب الصراع بين هذه الحضارات يرجع اولا الى عمق الخلاف بينها بسبب اختلاف التاريخ والثقافة والعادات واهم من ذلك الدين, كما ان العالم قد انكمش بسبب ثورة الاتصالات وتحول الى قرية صغيرة جعلت التفاعل بين هذه الشعوب سهلا وجعل اكتشافها للفروقات الحضارية بينها امرا يسيرا. وقد اعتبر هنجتون ان الخلافات الثقافية في بقعة مثل الاتحاد السوفييتي السابق يصعب حلها بمعنى انه يمكن ان يصبح الشيوعي ديمقراطيا والغني فقيرا او العكس, ولكن من الصعب جدا ان يصبح الروسي ذا ثقافة اسيوية او اسلامية او يصبح الاذربيجان ارمنا والعكس. وقد ركز هنجتون بعد ذلك على دور الاسلام في المواجهة مع الغرب واعتبر ان هذه المواجهة سوف تأتي من العالم الاسلامي, كما اعتبر ان الاختلاف الحضاري هو العقبة الاساسية امام الدول غير الغربية نحو التقدم, ولكنها تختلف في درجاتها من بلد الى آخر, فهي اقل بالنسبة لامريكا اللاتينية واوروبا الشرقية ولكنها اكبر لدى البلدان الارثوذكسية ــ دول الاتحاد السوفييتي السابق ــ وسوف تظل عقبة كبيرة بالنسبة للدول الاسلامية والكونفوشية والهندوسية والبوذية. وهكذا فقد نظر هنجتون الى الاسلام والحضارة الاسلامية باعتبارهما مصدر تهديد للغرب وللحضارة الغربية, معتمدا في ذلك على قراءة علمية ذات اصول استشراقية واضحة نظرت الى الخصوصية التاريخية والثقافية للشعوب باعتبارها ليست فقط قدرا حتميا يتغير ولا يتأثر بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية, انما ايضا باعتبارها استثناء وخروجا عن القاعدة الواجب الانتماء اليها وهي الحضارة الغربية. ورغم اختلافنا الشديد مع تلك الرؤية وخلاف الغالبية الساحقة من المثقفين العرب معها الا ان كثيرا منهم وقع في (استثنائية ايجابية) اخرى, اي تحمل نفس المنهجية العلمية السابقة ولكنها تنظر الى التاريخ العربي والثقافة العربية بنظرة اعتزاز وفخر مشروعة حين تقف عند هذا الحد, ولكنها تفقد هذه المشروعية حين تعتبر هذا الاعتزاز مرادفا لاستثناء العرب من المسار الانساني العام. بين الخصوصية والاستثنائية انقسم علماء السياسة والاجتماع والانثربولوجيا في العالم الى ثلاث مدارس كبرى في التعامل مع الظواهر الثقافية والحضارية المختلفة, فهناك مدرسة الاستشراق التقليدية التي يعتبر ادوارد سعيد افضل من نقدها في كتابه (الاستشراق) , هذه المدرسة التي يعتبر هنجتون امتدادا عصريا لها وكثير من المفكرين والباحثين الغربيين بشكل عام والامريكيين بشكل خاص. وهناك مدرسة اخرى نحت العامل الثقافي جانبا ونظرت الى تطور المجتمعات من خلال نظرة اقتصادية متأثرة غالبا بالماركسية, واعتبرت ان الثقافة ما هي الا منتج طبقي يعبر عن علاقات الانتاج السائدة داخل المجتمع وبتغير هذه العلاقات يتغير المنتج الثقافي. واخيرا هناك مدرسة ثالثة اعتبرت ان هناك خصوصية ثقافية للمجتمعات البشرية والبقع الحضارية المختلفة وان هذه الخصوصية ليست نتاجا ميكانيكيا لعلاقات الانتاج الاقتصادية انما هي نتاج لتراكم تاريخي وحضاري صنعته العادات والتقاليد والقيم والاعراف, هذه القيم الثقافية وعلى خلاف نظرة المدرسة الاولى لا تتحرك بشكل مستقل ومنعزل عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة, اي ان هناك علاقة تأثير وتأثر بين العاملين الثقافي والاجتماعي وان لا مكان لحالة ثقافية نقية عابرة للزمن لا تتأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة. ورغم ان المدرسة الثالثة هي الرائجة في معظم المجتمعات الاوروبية وخاصة في فرنسا, وهي المجتمعات ذات التاريخ العريق الذي يتقاطع مع المجتمعات العربية على الاقل من زاوية ثرائه وتنوعه, ومع ذلك فقد ظل كثير من الكتابات العربية ينظر الى الثقافة العربية بالمعنى السكوني الاول دون ان تدري انه يضعها مع (تجليات) المدرسة الاستشراقية في سلة واحدة. فقد تحدث كثير من مثقفينا العرب عن الخصوصية العربية باعتبارها استثناء من مسار البشرية فالتاريخ العربي ليس فقط تاريخا مختلفا عن الآخرين انما هو ايضا او اساسا تاريخ يبدو وكأنه لا ينتمي الى تاريخ الانسانية, وان تفرده يجعله اقرب لتاريخ (كائنات وتعيش على كواكب اخرى. ومن هنا فقد اصبح هناك (رصيد حضاري) ومبرر ثقافي لغياب الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في الوطن العربي, وذلك لان لنا خصوصية ثقافية تجعل لنا فهما خاصا واستثنائيا للديمقراطية, بل انه اصبح لدينا تراث من الاستبداد لم نستطع ان نقترب منه او ننفذه لان لنا خصوصية تاريخية تبرر وجوده, واخيرا اصبح تجاهل التخلف وتدني مستوى معيشة الغالبية العظمى من ابناء الوطن العربي بسبب دفاع بعضنا عن وجود معايير قيمية خاصة بثقافتنا تغلب الجوانب الروحية على الجوانب المادية. وهكذا فرغم ان كثيرا من المثقفين العرب قد قدموا قراءة (ايجابية) للتاريخ والحضارة العربية الا ان النظر الى هذه الحضارة باعتبارها مكتسبا ثابتا ــ حتى لو كان ايجابيا وعظيما ــ لا يتغير ولا يتأثر بالمتغيرات الاجتماعية قد ساهم في تكريس كثير من الجوانب السلبية في الواقع العربي. على نفس ارضية تلك القراءة الثقافية الساكنة للحضارات المختلفة جاءت قراءة هنجتون للحضارة العربية الاسلامية حيث اعتبرها ليست فقط شرا مطلقا انما ايضا مصدر التهديد الاساسي للحضارة الغربية. ومن هنا فان الحضارة الاسلامية هي شيء ثابت لا يتغير وان المسلمين هم جميعا اصوليون او (مشاريع) ارهابيين, وهم في كل الاحوال لايختلفون في الطباع والعادات تبعا لطبيعة كل مجتمع والبيئة الحضارية الخاصة ــ التي وجدت قبل الاسلام ــ والمتغيرات الاجتماعية المحيطة, انما هم شيء واحد, وهكذا يصبح المسلمون وفق هذه الرؤية الموجودون في ظل نظام عثماني في تركيا او في ظل نظام اسلامي في ايران او السعودية او الذين يعيشون في ظل اوضاع اقتصادية واجتماعية وتاريخية مختلفة كمصر والمغرب ودول آسيا الاسلامية مثلا, كل هؤلاء لا توجد اي فروقات بينهم وهم جميعا يمثلون تهديدا للثقافة الغربية لمجرد انتمائهم للحضارة الاسلامية. ومن هنا فإن هناك مخاطر حقيقية (لخطاب الخصوصية) السائد على الساحة العربية حيث ان عبارات الثناء التي يضفيها البعض على الثقافة العربية والتاريخ العربي من اجل نزع مساره عن مسار التطور البشري العام من شأنها تكرس كثيرا من الجوانب السلبية الموجودة في الواقع العربي ولاتساهم في تطوره. هذا الفهم لا يعني ان الحضارة والثقافة العربية لاتمتلك تراثا خصبا وثريا وايضا ليس لديها خصوصية حضارية ومنظومة قيم وعادات تميزها عن باقي الشعوب, انما يعني ان هذه الخصوصية تتغير اشكالها وتتنوع تبعا للعصر الذي تعيش فيه والبيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بها. ومن هنا فليس هناك ثقافة لا تقبل من داخلها قيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان, او هناك ثقافة ترفض لاسباب هيكلية التقدم والعصرنة والتحديث ولكن لكل ثقافة طرقها واساليبها الخاصة للوصول الى تلك القيم اي التقدم والنهضة. بهذا المعنى المنهجية التي اعتبرت ان التخلف العربي هو بسبب الثقافة الاسلامية هي نفسها التي اعتبرت ان (التقدم العربي) سيكون بفضل الثقافة الاسلامية والتاريخ الاسلامي وحدهما دون امتلاك الوسائل العلمية والاقتصادية والسياسية لتحقيق نهضتهم. فالعرب بلاشك يمتلكون تاريخا عظيما وثريا ولديهم مكونات امة كبرى, ولكن نهضتهم لن تتحقق الا اذا دمجوا الثقافي والتاريخي بالاجتماعي والاقتصادي, وايضا بتجاوزهم الحديث عن خصوصيتهم بمعنى التفرد والاستثنائية من تاريخ العالم, فهم جزء من تاريخ البشرية وبقعة هامة من بقاع العالم الحضارية وايضا امة عظيمة وكبرى مثل غيرهم من الامم. باحث مصري

طباعة Email