منذ سنة وفي ربيع عام 1998 أنشأت مجموعة من مثقفي دولة قطر لجنة قطر لمناصرة مسلمي كوسوفو واقترحوا لرئاستها فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ حفظه الله ــ وشرعت اللجنة في عملها بنشر ملف اعلامي دسم من تحرير نخبة من المتخصصين والمؤرخين والخبراء حول قضية شعب كوسوفو المسلم وجذورها التاريخية وتداعياتها الدولية وامتداداتها الاستراتيجية, وكانت تلك اللجنة تجتمع اسبوعيا وتخطط للتعريف بمأساة شعب مسلم يتعرض للتهجير والابادة, ولم نكن نعلم بالضبط طبيعة سير الاحداث وتسلسل الفواجع وإنما كنا موقنين من امرين اثنين: الأول بأن كوسوفو ملف عادل مطروح أمام ضمائر الأمة الاسلامية والأمة في الواقع لا تعرف عنه شيئا. لقد حطم الاستعمار الغربي والدب الشيوعي خلال كامل القرن العشرين كل جسور التقارب والتعارف بين الشعوب المسلمة ولم يكن أحد من العرب أو المسلمين ــ حتى من أصحاب السلطة ــ يعرف حتى اسم كوسوفو وموقعها من التاريخ والجغرافيا الا بعض المتخصصين في البلقان والدراسات العثمانية. وان هذا الجهل الاسلامي الفادح بقضية خطيرة ومتفجرة مثل كوسوفو ستكون عواقبه وخيمة. أما الامر الثاني الذي كنا متأكدين منه في اللجنة فهو ان تلك القضية ستخرج من أيدي المسلمين لتعالجها القوى العظمى ــ أمريكا وأوروبا ــ بميزان مصالحها الحيوية وحاجياتها الامنية والتزاماتها الدولية. وهذا ما وقع بالفعل, وبالتداعيات والنتائج التي نعرفها اليوم, أي تشريد نصف سكان كوسوفو وتهجيرهم في العراء في حدود ألبانيا ومقدونيا والجبل الاسود, واخلاء كوسوفو من سكانها الاصليين المسلمين وحرق وثائقهم وقتل من يشتبه في مقاومتهم. وهذه الفواجع تفاقمت مع عمليات قصف الدفاعات الصربية الى حين معالجتها إما بالتدخل الاطلسي البري وإما بالعودة لطاولة المفاوضات. وتجدر الملاحظة اننا كعرب وكمسلمين نقف اليوم حيارى متذبذبين متفرقي الكلمة بعد اسبوعين من انطلاق طائرات حلف الناتو وصواريخه, كأننا لا نملك موقفا عربيا أو اسلاميا موحدا, ونحن بالفعل كذلك, فلا موقف ما عدا بعض التحركات للعمل الانساني الاغاثي الضروري لكن بدون بصيرة استراتيجية وسياسية كأن الذي يجري في يوغسلافيا السابقة لا يعنينا, بل كأنه سبب اضافي لشتاتنا السياسي وفرقتنا القديمة, فالمواقف العربية يمكن تصنيفها الى ثلاثة أنواع: دول تعادي امريكا والحلف الاطلسي وتساند صربيا النازية جهارا وتنادي بما تسميه (احترام سيادة بلجراد) ودول تنادي بحل قضية كوسوفو بالمفاوضات السلمية! ودول لا تفهم بياناتها وتصريحات مسؤوليها مهما بذلت من الجهد الذهني وتحليت بالصبر والنظر الثاقب, فهي في الحقيقة لا موقف لها ولكنها لا تريد ان تسكت فتصدر كلمة أو فقرة يحار فيها حتى كبار النطاسيين السياسيين من نوع: (نحن نؤيد حق شعب كوسوفو في تقرير مصيره وندعو حلف الناتو لايقاف القصف الذي يستهدف دولة ذات سيادة وندعو جميع الاطراف للتفاوض السلمي في كنف الوحدة اليوغسلافية) !! أربعة سطور تدعو للشيء ونقيضه وتدافع عن المظلوم والظالم وتناصر الجلاد والضحية.. آية من آيات الزوغان والروغان (من زاغ يزوغ وراغ يروغ) لا تفيد شيئا ولا تحل مشكلا ولا تفصح عن موقف. المهم الآن ألا يقف العرب والمسلمون وقفة العجز والشلل وان يتحركوا فرادى وجماعات لانجاز الأمرين المستعجلين: 1ــ تنسق عمليات الاغاثة لأبناء ديننا الموحدين المشردين تحت أكياس البلاستيك والفاقدين لأبسط الضروريات من غذاء ودواء وغطاء. نصف مليون من الحريم والعيال والشيوخ وجرحى القمع الصربي في العراء في حدود ثلاث دول يحتاجون الى دعم العرب والمسلمين وبصورة استعجالية. 2ــ تنسيق المواقف السياسية لأن الامة الاسلامية تضم في منظمتها أكثر من خمسين دولة الى كتلة اذا ما تضامنت ووحّدت كلمتها وضغطت بتأثيرها سيكون لها شأن, فهي كلها حاليا غائبة, وقد أحسن من قال في احدى الصحف بأن صرخة وآمعتصماه ستصبح لدى المسلمين وآأطلساه! خلاصة القول ان الوقت يجري والخارطة الجغراسياسية بصدد التشكل في قاعات الحرب الأطلسية استعدادا للقرن المقبل الذي يبدو اننا سندخله قسرا وبلا ارادة.. فاتعظوا يا أولي الأبصار.