يفكر الفلاسفة ويبدع الفنانون ويكتشف العلماء، ثم يأتي المخترعون فيضعون حصيلة هذا كله في بوتقة الاستخدام ــ التطبيق العملي التي يطلق عليهم اسم التقانة في قول او التكنولوجيا في اقوال اخرى كم هو بليغ حقا, ذلك المثل الصيني الذي يقول بما معناه (ليس يكفي ان تعطي الجائع المحتاج سمكة يسد بها رمقه, الافضل ان تعلمه الصيد وتعطيه صنارة يصطاد بها السمك ومن ثم يعتمد على نفسه فلا يصبح محتاجا يتكفف الناس) . ولا تنبع بلاغة هذه الحكمة الشعبية الصينية من مجرد السبك الحسن بقدر ما تنبع من الرؤية الثاقبة لاوضاع البلاد واحوال العباد ... وهي ثاقبة لانها تكاد تكون ممتدة وصادقة على مدار الحقب وعبر اختلاف الشعوب والافراد وخاصة في هذا العصر الحديث, عصر الاستدانة والمعونة والمساعدة الخارجية والاعتماد الى حد الاتكال التعيس , في كثير من الاحيان من جانب دول فقيرة او متخلفة, على ما تجود به دول اخرى اكثر ثراء وافضل في مضمار التقدم العلمي والانجاز التكنولوجي. صحيح ان هناك من المفكرين في العالم المتقدم والعالم الثالث ايضا من حاول جاهدا ان يفلسف آليات المعونات الاجنبية المقدمة, نقدا او عينا الى هذا البلد او ذاك. كما ان صحيح ايضا ان بعض هذه الفلسفات اكتسب نوعا من الصحة النسبية ولاسيما في اطار الحديث عن التعويضات التاريخية التي يتعين دفعها من جانب الدول الامبريالية - دول الاستعمار العتيق والعتيد والجديد وهي على الترتيب اسبانيا والبرتغال ثم انجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ومن بعدها الولايات المتحدة والتعابير كلها من ادبيات العلامة العربي الراحل جمال حمدان, وذلك على اساس ان ظاهرة الاستعمار كانت في التحليل الاخير عملية استغلال بل واستنزاف تاريخية لشعوب المستعمرات مما وضع هذه المستعمرات في خانة التهميش والتبعية والتخلف من جميع نواحيه, فيما وضع الدولة الامبريالية, المتبوعة في خانة الازدهار وامتلاك امكانات وموارد التقدم العلمي والتكنولوجي وهو وضع استطاع ان يلخصه المفكر الاقتصادي العربي (سمير امين) في مقولته الشهيرة عن (المركز والمحيط) . جدليات المعونة من جهة اخرى تظل المعونات ابعد ما تكون عن ايجاد الحل الناجع السليم لمشاكل التخلف وقصور الاداء على صعيد شعوب العالم الثالث - بل ان هناك ما يمكن وصفه بانه (جدل المعونة) وتلك آلية خطيرة بدورها ــ بمعنى ان امداد البلدان الفقيرة والمتخلفة او حتى الآخذة بالنمو ــ بدفق متواصل, او شبه متواصل من المعونات المالية والعينية ـ قد يؤدي في الاجل الاقصر الى تخطي بعض العقبات التي قد تصادفها تلك البلدان وقد توفر لها بعض الموارد التي لاغنى عنها لتلبية الاحتياجات الاساسية لشعوبها, لكنها ــ المعونات الخارجية او المساعدات الاجنبية لا تلبث ان تخلق ما اصبح يعرف في اوساط الاكاديميين وصناع السياسات والقرارات بتعبير بسيط وخطير وهو (إدمان المعونات) . والادمان حالة يتعارف الاختصاصيون على انها نوع من التعود الذي لا يلبث ان يفضي ــ بالتواتر والتكرار ــ الى شكل من اشكال الاتكال او في ترجمة اخرى الى نوع من انواع التبعية التي قد يعرف الضحية ــ دولة كانت او شعبا ــ انها امر جسيم وخطير .. لكن ما باليد حيلة ــ تتحول المعونة الى نوع خبيث من المورفين الذي قد يكفل مرحليا او آنيا تسكين الآلام او الى حل بعض مشاكل مرحلية او آنية بدورها لكنه على المدى الطويل يتسلل الى تلافيف الجسم وتحليق حالة من التعود ومن ثم اللزوم والاتكال او التبعية امس تحمل اسم الادمان. الحق مع الخواجه وادمان المعونات يؤدي كذلك الى حالة من الاستسهال التي تفرز بدورها سلوكيات في غاية السلبية ليس اقلها مثلا ان تختل صورة الوطن في عيون ابنائه ــ وكيف لا تختل فيما يستقر الوجدان الوطني عند نفسية الترقب ــ الملهوف في بعض الاحيان ــ لما قد تجود به ايادي المحسنين ولان اليد العليا خير من اليد السفلى. وهكذا تعلمنا من حكمة التراث, فان الامر لا يلبث ان ينجم عنه وضع يتسم بعلاقة الشعب السيد لانه مانح والشعب المسود لانه ممنوح او لانه متلق او مستفيد كما تصفه مصطلحات الامم المتحدة . وكم جهدت فنون التعابير الدبلوماسية, من اجل تخفيف او تنميق توصيف تلك العلاقة من المنح والاخذ .. لكنها لم تفلح في تخفيف ولا تزويق الندوب التي اصابت الوجدان الوطني عند كثير من شعوب العالم الثالث التي كادت ذهنيتها تستقر عند مقولة ان الترياق يأتي من خارج الحدود, وان الحلول المستوردة والمعلبة هي الانجع والاقدر في مواجهة مشاكل الوطن وان تسليم المفتاح على الجاهز هو الافضل من معاناة الانتاج والكد وبذل الجهد والعرق, بعيدا عن وجع الدماغ, وان الخواجه ــ الاجنبي يعرف اكثر ويعرف افضل ... وما عليك الا ان تتكيف مع ما قد يقدمه او يجود به .. وان العلم الوطني ومن ثم المنتوجات المحلية امور لاسبيل للركون اليها .. الخ. كيف اذن يتحقق الابداع مادام المعونات ـ المخدرات وما دام ادمان المساعدات الخارجية ومادامت عقلية التلقي السلبي على الجاهز ومادام التسليم بتفوق الصنف الاجنبي وبتسيد صنف الخواجات ــ مادام هذا كله قد نفذ الى البناء الفكري والسلوكي للوطن كله؟ المعونات سابقة التجهيز وكيف يتسنى تكريم العمل البشري وتكريس قيمة الجهد الانساني ــ اليدوي والذهني والابتكاري بعد ان اصبحت المعونات المقولبة والسابقة التجهيز تعد, بنظر الكثيرين هي البلسم الشافي او العصى السحرية لحل مشكلات الوطن ومعالجة ما قد يلم به من ادواء؟ ثم هناك ايضا ــ ضمن جدل جدليات المعونة ــ ما اصبح يسمى بدوره فساد او افساد المعونات الخارجية ـ وتلك ظاهرة ظلت في حالة استشراء مدار الربع الاخير من هذا القرن وخلقت معها فئة من المستفيدين من المعونات الاجنبية او جمعيات المنتفعين بالمساعدات الخارجية وهي فئات ــ حتى لا نقول طبقات ــ تضم في صفوفها ساسة كبار في بلادهم وتشمل ايضا مجموعات الاكاديميين والاعلاميين والدبلوماسيين واهل الرأى والقلم والمشورة .. ومنهم من وجد نفسه ومصالحه الذاتية او الفئوية مربوطا, بشكل او بآخر, بواقع تدفق المعونات الاجنبية .. ولانهم في جوهرهم مثقفون واكاديميون ومتعلمون على اعلى المستويات, فقد وجد الفساد ارضية واسعة وخصبة بين صفوفهم ... بحكم قدرتهم النوعية على التبرير او التذرع او التكيف او التخريج. حذار من الترزيه ان بلادنا قد عرفت عبر حقب سياسية وادارية شتى من يوصفون بانهم (ترزية القوانين) وقوامهم جهابذة في فن التشريع ومستشارون لهم باع طويلة في خدمة صياغة اللوائح وتقنين القواعد وصبها في قوالب ترضى اهل السلطة في نهاية المطاف. ورغم انهم قلة نعرفهم بآثارهم ضمن المؤسسة الفقهية القانونية البالغة الجلال والتوقير في وطن امتنا ـ الا ان هؤلاء الترزية شقوا مسالك وتخلفت عنهم اعراف وتقاليد افضت بدورها الى وجود ترزية المعونات تماما كما شهدت بلادنا في الآونة الاخيرة نبتا جديدا شكلته فئة حاذقة يمكن ان توصف بانها (ترزية التطبيع) هؤلاء وهؤلاء يستخدمون مهاراتهم ويستغلون ماتعلموه وما تمرسوا به من اجل تسويغ ما لايمكن ان يستساغ ومن اجل تبليغ ما لا قد يتحشر في الزور ومن اجل تمرير ما لابد ان يقف الناس عنده يقلبون فيه النظر ويعملون فيه الفكر ويميزون فيه الغث من السمين. وفي ضوء ماقد اسفرت عنه المعونات الخارجية من ظواهر ادمان المعونة, او فساد المعونة او تسويفات المعونة ـ بدأت الساحة الفكرية تشهد طروحات قد تبدأ بالتسليم باهمية الا تترك الشعوب الفقيرة او الدول والاقطار المتخلفة فريسة لميراث الفقر او التخلف تتصدى له وحدها وهي المهيضة الجناح, العسرة الموارد, والفقيرة حقا من حيث الكوادر والمعارف . مستوى الميكرو ــ اقتصاد بيد ان هذه الطروحات ترفع شعارا ايجابيا تلخصه عبارة بسيطة تقول: فلنساعد الناس على ان يساعدوا انفسهم, وهو شعار يصدق بالذات على الاقتصادات الجزئية (ميكرو) المحلية او الفئوية وضمن هذا الاطار .. جرى استحداث مشاريع من قبيل: المساعدة الذاتية او تمويل الانشطة المدرة للدخل ونقصد بداهة الى امداد الطبقات والفئات الفقيرة بالموارد المالية وايضا بالمشورة الفنية او التقنية التي تكفل ان ينهض الناس في همة وارادة متحفزة, يستنفرون ويستثمرون ما اودعه الخالق تبارك وتعالى من قدرات في كيان البشر ويضعون هذا كله في خدمة انشطة ايجابية بناءة تدر عليهم دخلا يقيمون به الاود وقد تصلح منه فضلة يدخرونها لاعادة الاستثمار ــ او اعادة تدوير انشطتهم التي يعكفون عليها, وهي في آن آخر تعود بفوائد جمة على الجماعة المحلية والمجتمع العريض الاوسع الذي ينتمي اليه هؤلاء الفقراء العاملون: انهم اولا يصونون انفسهم وكرامتهم عن ذل السؤال. وهم بهذا انما يحتفظون بصورة ايجابية وكريمة للذات, هي صورة العمل بدل القعود وهي صورة اليد المشغولة بالجهد بدل اليد المحدودة المنتظرة لعطاء الخيرين. بل انهم يكرسون بهذا انبل القيم البشرية وهي قيمة العمل التي كرمتها بدورها رسالات السماء وعقائد البشر فالمسلم مثلا يطالع في تراثه الطيب المأثور نظرة نبي الاسلام صلوات الله عليه الى يد خشنة لفرد مؤمن عامل حيث وصفها بانها يد يحبها الله ورسوله .. والمسلم يعرف قبل ان يعرف غيره كيف ان خيركم من كان يأكل من عمل يده, يصدق هذا على غمار الناس واواسط الناس واعيان الناس .. وعلى الانبياء الذين اصطفاهم ربهم برسالات الى الناس وقد كان منهم ــ كما هو معروف, الرعاة والحدادون والنجارون والسقاة والمعلمون والاداريون ومن اليهم. ثم انهم يحولون المجتمع الى خلية, عمل قبل ان يكون تكية قعود ورشة نشاط قبل ان يكون ملجأ للعاجزين عن الارادة والفعل والابداع وفي ضوء هذا كله .. يحفل الناس بتجارب لها قيمتها ومطلوب تعميمها بعد وعي دروسها المستفادة ــ وفي مقدمتها مثلا بنوك الفقراء ( غرامين) التي استحدثها احمد يونس في بنجلاديش وشجعها اسماعيل سراج الدين المصري ــ العربي اذ كان نائبا لرئيس البنك الدولي. حكاية التمكين وفي ضوئه ايضا دخل الى ادبيات الانشطة الدولية تعبير جديد نراه غاية في الاهمية وهو: التمكين: وهو الترجمة العربية للمعنى الوارد في لغات الغرب الكبرى مشيرا الى الامداد بسبل القدرة وقد بات يصدق حاليا سواء على تمكين المرأة انصافا لها وصونا لحقها كمواطن وشريك مع الرجل وانسان ـ او تمكين الفئات المستضعفة سواء بالفقر او التهميش الاجتماعي او التمييز العرقي او بعجز الاعاقة ـ تمكين هؤلاء واولئك, بتزويدهم باسباب القدرة ــ حسب مايسعهم من طاقة استيعاب وطبقا لما تؤهلهم له قدراتهم وملكاتهم التي خلقهم الله عليها ـ كما يشقوا طريقهم في الحياة وبين دروب المجتمع معتمدين قدر الامكان على انفسهم مخففين, قدر الطاقة من الاعتماد على الآخرين. ولان الحاجة ــ كما يقولون ــ هي ام الاختراع وربما هي ابوه ايضا ـ فان الاحتياجات في رأينا انما تخلق الابداعات .. والضرورات هي الموئل الطبيعي للابتكارات واذا كان الفلاسفة يرتضون الفكر في المطلق ويحلقون بالافكار الى حيث يجاوزون الواقع في مراوحة ــ لا تليق الا بالسادة المتفلسفين بين الماضي والحاضر والمستقبل ــ فان المخترعين ــ اغلب المخترعين لايملكون مثل هذا الترف الفلسفي . انهم ببساطة يعمدون الى وضع انجازات العلم في خدمة تطبيقات التكنولوجيا . بالمناسبة فالكلمة واحدة في اللغة الانجليزية ــ ابليكيشن عند الحديث عند الاستخدامات او التطبيقات في اشارة موحية الى ان المسألة هي وضع انجازات العلم ومكتشفات المعارف النظرية موضع التطبيق التقني العملي. فكر الفلاسفة وتطبيقات المخترعين بمعنى آخر ــ وبعبارات اشد بساطة فاننا نستطيع ان نلخص حال التقدم البشري كما يلي: يفكر الفلاسفة .. ويبدع الفنانون ويكتشف العلماء ثم يأتي المحترعون فيضعون حصيلة هذا كله من تكرار وابداع ومن كشف ومعارف في بوتقة الاستخدام ــ التطبيق العملي ــ بوتقة يمكن ان يطلق عليها اسم التقانة في قول, او التكنولوجيا في اقوال اخرى. والحاصل ان تمكين الناس, ومن ثم صون كرامتهم عن انتظار العون يأتي من خارج صفوفهم سواء على مستوى الماكرو ـ اقتصاد وهو المستوى القومي او على صعيد المايكرو ــ اقتصاد وهو الاقتصاد الجزئي ــ الفئوي او المحلي هذا التمكين يضع الناس امام المشكلة مباشرة ــ وهو مايمكن ان يفجر في داخل الافراد المؤهلين طاقات الابداع ومبادرات حل المشاكل بفضل الابتكار او هو الكسب او الجهد الانساني المبذول لم تعد المسألة بهذا حكاية معونات يتم منحها او رفضها او ارتقابها ناهيك عن ادمانها والتعرض لما قد تنطوي عليه من مخاتلة او شروط او افساد المسألة ان توضع المجتمعات ضمن اطر صحية حقا ــ وليس اصح من اطر الاجتهاد وشحذ الاذهان ــ اشرف من شحذ الاموال واستثمار الموارد المحلية والكوادر الوطنية ومن ثم تعظيم هذا الاستثمار وكلها عوامل تعزز الانتماء الحقيقي للوطن, اي وطن وتحول هذا التعزيز الى شعور عميق واصيل بالاعزاز حيث يصبح الوطن ساحة للانجاز مهما كان محدودا, لكنه انجازنا وميداننا للاجتهاد حتى لو كان ساذجا وبسيطا ولكنه اجتهادنا في كل حال. النمو والتنمية ولهذا فالقوم يميزون بين النمو من حيث كونه تراكم بالكم اساسا في الامكانات المادية وخاصة من حيث حجم رؤوس الاموال, وبين التنمية من حيث كونها عملية لها دينامياتها وآلياتها المتواصلة ــ ومن حيث انها عملية شاملة لا تقتصر على جوانب الكم وتتعداها الى جوانب الكيف ... ولاتقف عند حدود المادة ورؤوس الاموال المادية المودعة في خزائن المصارف ولكن تتعدى هذا كله كي تشمل شتى مجالات الكسب والابداع والاجتهاد الانساني ـ اقتصادية كانت او تعليمية او ثقافية او تكنولوجية حيث يكون رأس المال البشري هو الاكثر نفعا ونفاسة والاقدر على كفالة الاستمرار والارتقاء ولهذا لم تعد مقاييس الدخل القومي او الناتج القومي الاجمالي للفرد صالحة للحكم على مدى تقدم المجتمع او صحته او قدرته على الازدهار او حتى الانتعاش ورحم الله الاستاذ محبوب الحق العالم الباكستاني المسلم الذي اودع البشرية ــ قبل رحيله مؤخرا الى عالم الخلود مقياسه الحكيم البليغ للحكم على احوال المجتمعات المعاصرة ولتشخيص ادوائها وهو ما اطلق عليه البروفيسور الراحل اسم (مؤشر التنمية البشرية) الذي يمثل حزمة متكاملة من العوامل والمقاييس التي تتعدى الدخل والناتج المادي كي تشمل احوال التعليم والثقافة والخدمات الاساسية مادية وغير مادية. كأنما كان محبوب الحق يعلم الناس ان الانسان قيمة في حد ذاته قبل ان يكون مجرد مستهلك للسلع او مستعمل للخدمات. ومطلوب بالحاح ان يتم تكريس هذه القيمة وصون كرامتها ... وهو امر يرتبط بما سبق والمحنا اليه من عوامل التمكين ودعم المساعدة الذاتية وصون الناس, افرادا او شعوبا عن ادمان المعونات او الاتكال على سؤال الآخرين ــ اعطوهم او منعوهم. * كاتب سياسي مصري