تحتشد في هذه الآونة التي يلملم القرن العشرين فيها اوراقه الجهود الداعية لاستقبال القرن المقبل بعالم بلا ديون وسوف تبلغ هذه الجهود ذروتها يومي 24 و25 يونيو القادم, بانعقاد لقاء كبير لمنظمات غير حكومية في باريس يكون موضوعه الاساسي الغاء ديون العالم الثالث . يتضمن الملف الاساسي للقضية التي سيبحثها اللقاء المزمع مجموعة مذهلة من البيانات الاولية, فقد بلغت ديون العالم الثالث, لاسيما من دول آسيا وامريكا الجنوبية 1950 مليار دولار, وذلك الى نهاية 1997 والرقم قابل للزيادة وتسدد هذه الدولة سنويا نحو 200 مليار دولار, ويراوح معدل الفائدة على هذه الديون بين 20% و50% فيما لا يصل المعدل نفسه بالنسبة لقروض الشركات متعددة الجنسيات 6%. من شأن هذه الحقائق تفاقم ازمات الدول المدينة الاجتماعية والاقتصادية الى حد يدخلها في دائرة جهنمية, لا يمكن الخلاص منها بنظر اصحاب دعوة الغاء الديون, إلا بالاستجابة لدعوتهم, فالديون وفوائدها المتراكمة, تبتلع دوريا اي منجزات اقتصادية في هذه الدول, واذا اخذنا في الحسبان معدلات النمو السكاني المرتفعة للغاية في العالم الثالث عموما لادركنا تأثير التحالف التلقائي بين هذه المعدلات من ناحية والديون من ناحية اخرى, الذي يطحن اي توجهات تنموية ويودي بها بين بطون السكان المحليين وجيوب الدائنين. يتصور المنشغلون بالقضية, ان تداعياتها السلبية لن تبقى حبيسة في رحاب المجتمعات المعوزة, بل ستطال بلظاها الدول والتنظيمات الدائنة نفسها, وذلك امر سوف تعجل به آليات الاعتماد المتبادل والتواصل الشديد على صعيد الاقتصاد العالمي, ولذلك فإنهم وان كانوا يتوسلون بالافكار والمثل الاخلاقية لاثارة تعاطف الاغنياء مع المحتاجين المدينين, نراهم في الوقت نفسه يثيرون المخاوف من هذه التداعيات وعدواها بين جوارح الاغنياء الدائنين. تعني عملية الربط هذه بين مشاكل المدينين الحاضرة واحتمالاتها السلبية على الدائنين مستقبلا, ان التكامل المطلوب مع المجموعة الاولى يراعي مصلحة المجموعة الثانية في التحليل الاخير, ومن اجل تهوين حجم المشكلة امام الاغنياء الدائنين وبيان بعض المداخل الممكنة للتعامل معها, يعتمد دعاة تصفية الديون على بعض البيانات الاضافية, منها مثلا انه (انفق في عام 1997 وحده 17 مليار دولار لاطعام حيوانات مستأنسة في اوروبا والولايات المتحدة, وينفق سنويا 50 مليار دولار على التدخين, و105 مليارات دولار على المشروبات الكحولية في اوروبا وحدها, و400 مليار دولار على المخدرات في العالم و780 مليارات على التسلح و100 مليار دولار على الاعلانات في كل عام) . والحق ان احدا من ذوي الحس الانساني الرفيع لا يملك إلا ان يتعاطف مع هذه الدعوة, ومن الحيثيات التي يستطيع المرء ان يدرجها في ملف الدعوة, ان الدول الدائنة ومجتمعاتها مسؤولة بالمعنى التاريخي الشامل عن شطر كبير من اشكالية توريط المدينين في ازمتهم اللعينة, فعمليات النهب المنظم لموارد العالم الثالث, تمت بلا رحمة في سياق العهود الاستعمارية التي سيطرت فيها تلك الدول على هذه الموارد بالقوة العارية, و ليس كثيرا والحال كذلك, ان يكون اغلاق ملف الديون واحدا من اساليب التعويض عما جرى في تلك العهود. على ان لازمة الديون جوانب شديدة الالتباس, بعضها يفتح ثغرات واسعة لاستنزاف حجج دعوة الالغاء والنسخ بضربة واحدة, ثغرات يمكن ان تنفذ منها رياح العاملين على رد هذه الدعوة وتفريغها من بعض مضامينها المادية والاخلاقية. يقول المشككون في جدوى الغاء الديون بأن الاغنياء الدائنين ليسوا هم المسؤولين وحدهم عن تفاقم الازمة فشعوب العالم الثالث عرضة لعمليات نهب واسعة النطاق من قوى محلية تعيش بين ظهرانيهم في قطاعات السياسة والاقتصاد والادارة, ومؤدى هذه العمليات, التي منها تهريب الاموال الى الخارج, والاستهلاك الترفي الباذخ وعدم رشادة التخطيط الاقتصادي والاستثمار, والانفاق على مشتروات السلاح لاستخدامها في حروب غير ذات معنى, الابقاء على الوضع الراهن. بعبارات اخرى يرى هؤلاء ان الغاء ديون العالم الثالث سيفيد في خاتمة المطاف دوائر الفساد ويمثل تمويلا غير مباشر للقائمين على هذه الدوائر, عملية الالغاء بهذا المعنى قد تعالج سطح الازمة ولا تنساب الى جذورها ولن تكون مجدية في استئصال العوامل البنيوية المغذية لها. ومثما يدفع دعاة الالغاء بمؤشرات ذات دلالة على وجاهة اطروحاتهم تتوفر للمشككين مساحة يتحركون عليها للدحض والرد ومن ذلك البيانات الخاصة بعمليات تهريب الاموال من دول تنوء بالديون الى مصارف الدول الدائنة بالذات ففي ظل هذه البيانات تبدو الدول ذات المديونية الخارجية الكبيرة هي الدول ذاتها صاحبة المعدلات الاعلى في تهريب الاموال الامر الذي يفاقم ازمة الديون باضعاف قدرة المدينين على سداد اقساط الديون وتخريب اقصاداتهم عموما. المثير في اطار هذه المرافعة انه بالحسابات الجافة لحجم الاموال المهربة مقارنة بحجم الديون الخارجية الطويلة والمتوسطة الاجل تظهر بعض دول العالم الثالث على انها دائنة وليس العكس, وفي حالات اخرى تبدو نسبة الاموال المهربة الى اجمالي الديون عالية, الى حد يدعو للدهشة.. اذ تصل هذه النسبة تقريبا الى 60% في فنزويلا وفي اندونيسيا و43 % في نيجيريا و35% في الهند وتراوح حول نسب مشابهة في حالات بعض الدول العربية. وليس بعيدا عن هذا التحليل ما يقال من ان الحديث عن الغاء الديون بلا معاينة تفصيلية لما يتفاعل داخل دول العالم الثالث على صعيد الاقتصاد يعد مسألة معيبة من الناحية العلمية ففي حالة الاستجابة لهذا الحديث, دون العناية بالتفصيلات سيكون المستفيد الاول تلك القطاعات الثرية التي عاثت في اقتصادات هذه الدول فسادا, واثقلت كاهل بلادها بالديون بدون مبررات معقولة, وبلا عوائد حقيقية على سواد الناس. ولعل هذه الملاحظة تفسر اسباب احجام كثير من النخب الاقتصادية والسياسية المميزة في دول العالم الثالث عن الحماس لمبدأ الغاء الديون. فهي من جهة مستفيدة من استمرار آلية تغطي بها عجزها الداخلي وهي لا تريد من جهة اخرى فتح ملف يحدد موقفها ويشير الى مسؤوليتها عن الازمة. الدعوة الى الغاء الديون تمثل نداء نبيل القصد وسيكون ملتقى باريس المقبل بشأنها مناسبا لطرح التساؤلات عن كيفية التعامل معها, وحبذا لو انتهى المؤتمرون الى حل يستأصل الديون والاعراض الجذرية المؤدية اليها معا.. والهدف الاول اسهل منالا بكثير من الثاني الذي بدون تحقيقه تبدو الازمة قابلة للتجدد كأي داء خبيث تم علاجه سطحيا. كاتب وباحث فلسطيني القاهرة