تقارير المنظمات الطبية والصحفية في العالم تؤكد ان اكثر ضحايا امراض ضغط الدم هم الصحفيون بلا استثناء, وهم كذلك اكثر ضحايا ضغوط السلطة والمجتمع ايضا . الضغوط المجتمعية هي التي تدفعهم للمجازفة والكتابة, والبحث عن حقائق الامور, وفي خضم التفاصيل ومغامرة البحث تبدو ضغوط اكثر واخطر قادرة على وضع نهاية لحياة الصحفي أو لمستقبله المهني على الأقل. لاحظت في الآونة الاخيرة, ومن خلال احتكاكي المباشر بالمجتمع ان هناك فئة من وجوه المجتمع لديها شبه قناعة ان الصحف تأسست لأجل تتبع اخبارهم ونشاطاتهم, وعلى ذلك فهم يعتقدون بأن لهم مطلق الحق في ان يكون لهم ملحق صحفي يمثل انشطتهم (العملاقة) في كل صحيفة في البلد, والويل كل الويل للصحيفة التي ترتكب حماقة التغافل أو الإهمال في حق اعمالهم الخالدة. هذا الاعتقاد وما يترتب عليه من تصرفات يشكل تطاولا وتحديا مزعجا لمهنة الصحفي الذي اقتنع منذ دهر, وتعلم طويلا, وجاء إلى بلاط صاحبة الجلالة متيقنا بانه صوت السلطة الرابعة الحر, وليس صوت الجماعة الفلانية والنادي الفلاني والمؤسسة العلانية, فإذ به يفاجأ بأن صحافتنا العربية وبدل ان تكرس مفهوم حرية الصحافة وعدم تابعية الصحفيين فانها تفعل العكس لأسباب معروفة ولكنها غير مقبولة. اذن فحينما تتصل شخصية (مثقفة) لتكيل الشتائم للصحفي ولصحيفته التي توانت في تغطية حدث (هام) في مؤسسته, وحين يتصل احدهم مهددا بوقف اشتراكه في الصحيفة واشتراك زملائه لان هذه الصحيفة لم تنشر خبرا يخص جماعة فكرية ينتمي اليها متباهيا بانه المثقف الفلاني وبأنه من جماعة امين معلوف وادونيس وغيرهما, حينما يصل الامر بالمثقفين إلى تهديد الصحافة في عقر دارها وإلى شن حرب ارهاب ضد الصحفيين, فلا نستغرب ما نسمعه عن مطاردة عصابات المافيا والمخدرات للصحفيين في انحاء العالم وتهديدهم بالقتل. ولكن للقضية دائما وجها آخر, فكما يستخدم البعض سلاطة لسانه وشعور العظمة الوهمي الذي يملؤه ليملي على الصحافة شروطه, فان هناك ــ وللأسف ــ عددا من الصحفيين يحولون انفسهم مع سبق الاصرار والترصد إلى صائدي منافع وهدايا واموال في بعض البرك الآسنة, وكما اعلن احد المخرجين منذ فترة بأن بعض الصحفيين يطلب اموالا لقاء بعض الحوارات أو الاخبار أو وضع صور بعض الفنانين على اغلفة المجلات, فان بعض الفنانين لا يمانع في الدفع لقاء ان تظهر صوره على غلاف المجلة نفسها اسبوعيا. الصحافة سلطة رابعة, وبلاط واسع النفوذ ومتعدد القنوات وشبكات العلاقات فيه معقدة بشكل لا يمكن تصوره, لكن ذلك لا يعني السوء أو الانحراف, وان كان هناك من هو سيىء, ففي احيان كثيرة يأتي السوء من الخارج ومن حيث لا نتوقع.