اقامة مخيم للاجئين اسهل واسرع من تشييد مركز صحي أو مدرسة مثلا, والمخيم سرعان ما يتحول بدوره إلى قرية حقيقية بسكان وخدمات ولو كانت متواضعة, واذا طال الأمد فالقرية تصبح مدينة, لأن الخيمة تصبح من اسمنت وحديد, ومراكز الخدمات تتطور مع تطور حاجات المقيمين مع السنين, ثم يصبح للمدينة اسم ثابت به تعرف واليه ينتسب سكانها . هكذا مثلا رأينا سرعة قيام مخيمات اللاجئين الحاليين من اقليم كوسوفو على الحدود مع مقدونيا, حيث ارتفعت عن الارض الخيام البيض في مشهد يعيد للذاكرة ملايين اللاجئين في التاريخ الحديث, لعل ابرزهم اخواننا الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم بطرق متشابهة مع تهجير البان كوسوفو, حيث العنف والقهر والتطهير, وعبر مراحل مختلفة, ليستقر اليوم اغلبهم في مخيمات داخل وخارج بلدهم الاصلي, بعضها بمثابة مدن حقيقية. غير اننا نبقى مع لاجئي كوسوفو, الذين بدأت تتدفق عليهم حملات الاغاثة والانقاذ على شكل مساعدات عينية ودوائية ولوجستية, من دول العالم المختلفة ومن منظمات الاغاثة الدولية والاقليمية, فنزوح هؤلاء كثيف وهروبهم من حملات الابادة والتطهير على الارض أبلغ تعبير عن عمق مأساتهم, ما يجعل من حملات الاغاثة الانسانية لهم الممكن الوحيد حاليا, اذ لا يمكن ان يترك هؤلاء يموتون رعبا وجوعا وعطشا في قلب اوروبا. وبما ان حملات الناتو الجوية على يوغسلافيا لم تنجح في ان تمنع تهجير سكان كوسوفو, حيث استمرت اعمال القمع الوحشية على الارض, وعمليات التطهير والتهجير, فان هناك من يشكك في امكانية نجاح هذه الحملات في ردع القيادة اليوغسلافية وحملها على ايقاف اضطهاد سكان الاقليم والرضوخ لخطط السلام البلقانية, مع اصوات اخرى, ذهبت إلى ابعد من ذلك, في تحميل هذه الضربات الجوية الاطلسية مسؤولية هذا التهجير الجماعي الكثيف, لان بسببها ازدادت اعمال العنف في الاقليم. ويمكن ان يكون الكلام السابق صحيحا, كله أو جزء منه, كما يمكن ان يكون من نوع الحق يراد به باطل, لان اعمال العنف في الاقليم واضطهاد سكانه ومحاولات تفريغه سابقة على الحملات الجوية الاطلسية, وهذه جاءت بعد نفاد صبر الغرب على تجاهل نداءات السلام من قبل ميلوسيفيتش وعصاباته المجرمة, حيث لم يبق امام الاطلسي من خيار اخر سوى استخدام القوة, يذكر باستخدام القوة كل مرة ضد النظام العراقي, حين تستنفد الامم المتحدة معه كل الخيارات الاخرى الممكنة لتجنب الاعمال العسكرية. غير ان هناك احتجاجا حقيقيا على حملات الاطلسي, والتي ازدادت خلال اليومين الماضيين لتحطيم القوة العسكرية الصربية بالكامل ومحاصرتها وقطع خطوط الامداد عنها, يعتمد على ان الحملات امريكية وغربية اكثر منها دولية, حيث انها تتم من دون تفويض من الامم المتحدة, مع ان المحتجين يعرفون تماما استحالة الحصول على تفويض مع وجود الفيتو الروسي مثلا, والمعبر عن موقف موسكو المؤيد ليوغسلافيا. ويبقى هذا الاحتجاج من حيث صحته سليما تماما, ومطلوبا ايضا لكي لا يعتبر التدخل في كوسوفو مدخلا للتدخل في اماكن اخرى من العالم من دون الحصول على تفويض دولي, غير ان ما يشغل بال كثير من المراقبين ليس شيئا مما سبق كله, بل حملات الاغاثة الغربية للاجئين الكوسوفيين, خاصة منها ما يتعلق بنقل هؤلاء إلى دول غربية وايوائهم هناك في معسكرات ربما تمهد لضمهم نهائيا اليها, فيكون الناتو نفسه قد نفذ خطة تفريغ الاقليم من سكانه الاصليين بأسرع وافضل مما فعل ميلوسيفيتش, فيكون اعادة السكان إلى اقليمهم باسرع ما يمكن هو الهدف الذي ينبغي على الامم المتحدة والناتو العمل من اجله الان, والا فإن وراء الأكمة ما وراءها.