المطلع على وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي التي اعدتها لجنة من الخبراء باشراف مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية, يجد ان التعليم في دول الخليج يعاني من اعراض الوهن ذاتها , فهناك تراجع في (اسهام مخرجات نظم التعليم عن المستوى المأمول في عملية التنمية) كما ان النظم التعليمية في دول الخليج العربية ترنو الى نفس الآمال مثل (زيادة الاهتمام بالتربية في مرحلة ما قبل المدرسة) وتطمح في (اعادة هيكلة التعليم الاساسي بما يؤدي الى اكتساب المتعلمين معرفة ومهارات.. تمكنهم من الاستمرار في التعلم الذاتي) وتأمل في تطوير التعليم الثانوي.. ليصبح اعلى جودة) و(القضاء على الامية) و(الخروج من قالب التعليم التقليدي المعتمد على التلقين واستظهار المعلومات واسترجاعها) وتعمل النظم التعليمية في دول الخليج العربية على (رفع الكفاءة بمهنة المعلم لاستيعاب المستجدات التربوية والتقنية) و(تعزيز مكانة المدرسة) و(ترشيد تمويل التعليم) , وما تمنت نظمنا التعليمية هذه الآمال الا لانها غير موجودة على ارض الواقع وهذا ما يؤكد على حالة التعليم المتراجعة. ما اوردت من جمل بين الاقواس عبارة عن مقتطفات مما ورد في وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي التي نعتبرها جهدا خليجيا مشتركا ومباركا نتمنى ان يستمر ويتطور لمصلحة الدول الاعضاء, والوثيقة يمكن ان تكون منطلقا لاي خطة استراتيجية مفصلة لأي دولة عضو في المكتب وقد جاء في الفصل الاول انها (تطرح خيارات مناسبة امام الدول الاعضاء لتطوير نظمها التعليمية) , وقد تضمنت الوثيقة مجموعة من الوسائل والاجراءات المبتكرة لتحقيق اهداف تربوية عامة اشارت اليها الوثيقة وهي بمثابة افكار جديدة قابلة للتطبيق ويمكن الاستئناس بها عند صياغة خطط تربوية مستقبلية. في هذه السطور سيتم التعقيب على امرين اراهما مهمين وردا في الوثيقة, وهما تدريب المعلمين وتمويل التعليم. اما الامر الاول فيتعلق عموما بتدريب المعلمين وعلى وجه الخصوص مدربين المعلمين او الجهات التي تؤهل المعلمين, معلوم ان المعلم هو رأس الحربة في العملية التربوية وارقى منهاج تربوي لن يحقق اهدافه اذا لم ينفذه معلم مؤهل, وقد اوردت الوثيقة ان اسلوب التعليم السائد في دول الخليج تقليدي, فالحفظ يستخدم كأداة على حساب الفهم والتقليد على حساب الابداع والتعلم النظري على حساب التعلم العملي.. الخ, واسباب استمرار هذا الاسلوب التقليدي في تقديري تكمن في امرين: شخصية المعلم ونوعية تأهيله, والامران ملقان على عاتق مؤسسات اعداد وتأهيل المعلم فمعلوم ان مهنة المعلم, تحتاج الى سمات شخصية معينة اذا لم تتوفر في الشخص فإنه لايصلح لمهنة التعليم. وعليه اقترح عند فتح باب القبول للالتحاق بكليات التربية يجب التأكد من شخصية المرشح من خلال مقابلته لمعرفة سماته الشخصية فيما اذا كانت ملائمة للعمل كمعلم ام لا. فشخصية المعلم كما هو معلوم تلعب دورا محوريا في عمليتي التعليم والتعلم اللتين تحدثان في غرفة الصف, كما ان المعلم الذي لا يتحلى بأخلاقيات المربين القدوة, لا يصلح ان يكون مربيا فالسلوك لا يتعلمه الطالب نظريا ولكن يراه يطبق امامه من خلال معلمه المربي. قد يقول قائل ان الفرز ليس أمرا يسيرا وهذا صحيح ولكنه يساعد الى حد كبير على تخفيف المشاكل الناتجة من شخصية المعلم. واعتقد ان شرح طبيعة مهمة التعليم كارشاد مهني للطالب قبل دخول كلية التربية سيؤدي الى تراجع بعض المرشحين الذين يرغبون في الالتحاق بالكلية. اما طرق التدريس التقليدية التي اشبعت نقدا وقدحا لم يأت بها المعلم من بيته وانما هي مهارات تعلمها واكتسبها في المؤسسة التي تخرج منها, فاذا لم نغير نمط التأهيل الاساسي للمعلم فان التدريب أثناء الخدمة لا يساعد كثيرا على جعل المعلم يطبق بكفاءة اساليب تدريب حديثة مثل التعليم التعاوني والتعلم الذاتي والتفكير الابداعي ومهارات البحث العلمي والاستنباط والاستقراء واستخدام تقنيات التعليم الحديثة وغيرها, ومن الصعوبة بمكان تحقيق افضل معدلات تأهيل المعلمين بدون تأهيل مدربين أكفاء لتدريب المعلمين قبل البدء في التدريس وأثناء الخدمة, وهذا لا يتم بدون التنسيق الدقيق بين الجهات التي تؤهل المعلمين ووزارات التربية. الامر الثاني الذي أود الاشارة اليه هو قضية تمويل التعليم, معلوم ان الاوضاع الاقتصادية لدول الخليج لم تعد كسابق عهدها والعجز المالي في الميزانيات السنوية بدأ في الظهور الامر الذي ينذر بتقليل الصرف على الخدمات بما فيها التعليم تحت مظلة ترشيد الانفاق. والدراسات تشير الى زيادة متوقعة في الطلب على التعليم في دول المجلس وبالتالي فان مخصصات التعليم في المستقبل لن توجه غالبا في ظل العجز المتوقع نحو مشاريع التطوير والتحسين التربوي وانما نحو التشغيل مما يعني وضع ملفات المشاريع التطويرية في الادراج الامر الذي سيؤثر حتما على مخرجات التعليم وبالتالي مسيرة التنمية, وقد أدرك معدو وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي المعوقات المالية التي ستعترض مسيرة التعليم ولذلك اقترحوا حزمة اجراءات يمكن ان تستعين بها وزارات التربية لرفد ميزانيات التعليم. وتضمنت الحزمة افكارا متعددة متعلقة بتقليل الهدر كمعالجة الرسوب والتسرب وتوظيف التكنولوجيا لتقليل الكلفة وتقليل اعداد الحصص الاقل ضرورة, كما اقترحت الوثيقة تشجيع القطاع الخاص للمساهمة في التعليم من خلال فتح مدارس خاصة تحت اشراف وزارات التربية. وقد اشارت الوثيقة الى اهمية الدعم الخيري كمورد من موارد تمويل التعليم. ومن خلال خبرتي المتواضعة في المجالين الخيري والتربوي استطيع ان اجزم بأن هناك اموالا كثيرة يمكن أن يوجهها أهل الخير والاحسان لخدمة التعليم في بلادهم والدليل على ذلك ما ينفقه المحسنون الخليجيون على التعليم في أنحاء العالم ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى. وقاعدة (الأقربون أولى بالمعروف) يعلمها المحسنون لكنهم بحاجة إلى تشجيع وتيسير العمل الخيري لهم من خلال صناديق خيرية منظمة ومتخصصة. واقترح في حالة تنفيذ فكرة الصناديق الخيرية البدء في الأوقاف قبل تمويل المشاريع التربوية بصورة مباشرة تفاديا لمشكلة عدم انتظام التبرعات, فقليل دائم خير من كثير منقطع. وفي دولة الامارات تجربة تستحق الدراسة في مجال تمويل التعليم المطور وهي تجربة المدارس النموذجية. والمدارس النموذجية عبارة عن مدارس حكومية تقدم خدمات وأنشطة تربوية اضافية للطالب. ويعمل فيها اداريون ومعلمون يتبعون وزارة التربية ويمول أولياء الأمور مصاريف الخدمات الاضافية المقدمة لأبنائهم. وهذا نموذج يمثل مشاركة الحكومة مع أولياء الأمور الراغبين في تقديم خدمة تربوية متميزة لأبنائهم. ولا يفوتني أن أذكر ان أغلب الجامعات المشهورة في العالم ليست حكومية وليست خاصة تهدف إلى الربح وإنما مؤسسات غير ذات ربحية organization non - profit فهي تفرض رسوما على خدماتها بهدف التشغيل والتطوير وليس بهدف الربح. وتاريخنا العربي والإسلامي حافل بنماذج ناجحة للمدارس والجامعات التي كانت تسير بعائدات أموال أوقفت لهذا الغرض النبيل. وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي من الوثائق التربوية المهمة التي يمكن أن يستعين بها المخطط التربوي كنقطة انطلاق لوضع رؤية مستقبلية للتعليم في أي دولة من الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية. المتصفح للوثيقة سيجد ان هناك أمورا مهمة وردت فيها. لكنني أرى, من واقع التعليم في دول الخليج, أن تأهيل المعلم وتمويل التعليم هما العنصران الأكثر حيوية في أي خطة للتطوير الشامل في الحقل التربوي. مدير منطقة أبوظبي التعليمية السابق eissa uae @ hotrnail. com