مكونات المغرب وسياساته: المغرب وبعده الاطلسي:بقلم- محمد وقيدي

اذا كنا في هذا المقال سنتابع ما بدأناه في مقالين سابقين خصصنا اولهما للحديث عن جدل المغرب واوروبا, وخصصنا ثانيهما للنظر في البعد المتوسطي للمغرب وما ينتج عنه من ضرورات سياسية, فإننا نود في مقالنا الحالي ان ننظر في جهة اخرى من جهات المغرب الجغرافية وهي حدوده الغربية . تمنح الحدود الغربية للمغرب الفرصة للتفكير في بعد آخر من ابعاد وجوده وآفاق سياساته, وهو البعد الاطلسي. فحدود المغرب من اقصى شماله الى اقصى جنوبه مرتبطة بالمحيط الاطلسي والوجود على هذا المحيط انفتاح وضرورة في الوقت ذاته, ولا غنى عن اخذه بعين الاعتبار في الاستراتيجية السياسية للبلاد. كان ينظر الى المغرب على انه اقصى من جهة الغرب, هكذا كان الامر قبل منتصف القرن التاسع عشر عند اكتشاف العالم الجديد, اي القارة الامريكية, ولكن اكتشاف القارة الامريكية, ثم الهجرات التي تمت اليها, والحضارة التي انتقلت اليها, جعلت للمغرب وهو غرب غرباً آخر اقصى منه. صار على المغرب منذ منتصف القرن الخامس عشر ان تكون له سياسة تأخذ بعين الاعتبار الغرب الذي يفصله عنه المحيط الاطلسي. للمحيط الاطلسي اهمية بالنسبة لسياسات المغرب على عدة اصعدة, فهو يمنح المغرب مدناً اخرى على الساحل تضاف الى الاخرى التي تقع على البحر الابيض المتوسط, ولهذا الامر اهمية اقتصادية اولاً من حيث امكانية اقامة موانئ على طول السواحل الموجودة على المحيط الاطلسي, وهي موانئ تفتح امكانية التواصل المباشر مع كل البلدان التي تسمح تلك الموانئ بالاتجاه نحوها: القارة الامريكية من جهة, والقارة الافريقية عبر بلدانها الغربية التي لها بدورها موانئ على المحيط الاطلسي, وهذا انفتاح لا تتوفر امكانيته لكثير من البلدان الافريقية التي توجد في وسط القارة ولعدد من البلدان الاخرى ومنها العربية, كما ان هذا المحيط يزيد من امكانية الثروات الغذائية للبلاد, بل ويمنحها فرصة تصدير جزء من هذه الثروات. ليس للمحيط الاطلسي, مع ذلك, اهمية اقتصادية فحسب بالنسبة للمغرب فهو ايضاً انفتاح على سياسة يبدو انها ضرورة استراتيجية اخرى. لقد اصبح العالم الجديد, بعد مخاض وصراعات وتحولات, موقعاً لقوة صناعية كبرى, وادى ذلك الى ازدهار اقتصادي ونمو علمي وتقني كما ان هذا العالم الجديد اصبح سوقاً تجارية كبرى اذا ما نظرنا اليه بوصفه نقطة استقبال, ومن جهة اخرى فقد غدت القارة الامريكية بفضل الهجرات اليها قادرة على تطور اسرع لان الذين هاجروا نقلوا معهم خبراتهم وطموحاتهم, فضلاً عن كونهم صارعوا من اجل ان يمنحوا هذا العالم الجديد استقلالاً حتى عن الاصول التي جاءوا منها, ومن جهة ثالثة صار العالم الجديد بالهجرات التي تمت اليه مجالاً لتمازج الاجناس التي كان عليها ان تتناسى اصولها لتواجه ضرورة التعايش بينها, فصار لذلك مجالاً لتعايش ثقافات متنوعة. العالم الجديد قوة والمغرب بلد منفتح عبر المحيط الاطلسي انفتاحاً مباشراً على هذه القوة, فلا غنى له بالتالي عن التفكير في سياسة ازاء هذا العالم الجديد, اذ نعتبر ان كل نقص في هذا الباب سيكون قصوراً في الاستراتيجية السياسية الشاملة للبلاد. لقد اصبح من الضروري التوسع في السياسة العامة لكي تشمل سياسة ازاء امريكا كقارة, كما تشمل سياسة ازاء اوروبا واخرى ازاء البحر الابيض المتوسط. حتى اذا نظرنا الى الامر من زاوية التحرر من سياسة الهيمنة التي حركت اوروبا ازاء المغرب وادت ببلدانها القوية في نهاية القرن التاسع عشر الى الصراع الظاهر او الخفي بينها حول اختلاف ارض المغرب, فإننا نقول ان الانفتاح على اكثر من قوة في عالمنا المعاصر والانفتاح على اكثر من مجموعة دولية من شأنه ان يقود المغرب كبلد الى نوع من التوازن في سياسته. لكن, عندما نقول بأنه ينبغي ان تكون هناك سياسة اطلسية للمغرب, فإننا نقصد بذلك سياسة تنفتح على كل السعة التي يسمح بها وجود المحيط الاطلسي على الحدود الغربية لهذه البلاد. نقصد بذلك اولا ان السياسة الاطلسية للمغرب لا ينبغي ان تكون انفتاحا على قوة واحدة في القارة الامريكية, بل على كل بلدان هذه القارة بشمالها وجنوبها, لان في هذا التوسع تعاملات مع واقع اكثر غنى على كل الاصعدة الاقتصادية والثقافية والحضارية. ينبغي سن سياسة تتعامل مع كل لوينات القارة الامريكية, اذ سيكون في ذلك مظهر غنى للاستراتيجية السياسية للمغرب. ستمكن هذه السياسة التي تعم كل القارة الامريكية اقتصاد المغرب بفتح اسواق جديدة لانتاجه من جهة وباستفادته مما تنتجه هذه البلدان من جهة اخرى. وهناك من جهة اخرى مكانة لمنح التواصل الثقافي للمغرب تواصلا اوسع. لن ينسينا هنا تركيزنا على انفتاح المغرب بفضل المحيط الاطلسي على القارة الامريكية بصورة مباشرة, ان نسجل ان هذا المحيط. وكما كان الشأن بالنسبة للبحر الابيض المتوسط, فإن امكان التواصل مع اوروبا عن هذا الطريق قد كان مصدر سلم وحرب في الوقت ذاته. فكثيرا ما تعرض المغرب لغزوات اوروبية من جهة حدوده الغربية على مدنه المطلة على المحيط الاطلسي, وهذا لان هذا الطريق كان يسهل على الغازين النفاذ الى عمق البلاد دون عناء المرور من شماله الى جنوبه. لكن كثيرا ما كانت هذه الحدود ايضا مصدرا لتوسع تجاري واقتصادي وثقافي الى جنوبه. لكن كثيرا ما كانت هذه الحدود ايضا مصدرا لتوسع تجاري واقتصادي وثقافي مع اوروبا, بل واكثر من ذلك مصدرا لتفاعل بشري تظهر اثاره في تكوين المغرب والبلدان الاوروبية الجارة في الوقت ذاته. لقد كانت سياسة المغرب الدفاعية والاقتصادية على السواء تأخذ بعين الاعتبار هذا الانفتاح الذي لا اختيار فيه من جهة الغرب على اوروبا. من جهة اخرى فإن المحيط الاطلسي لا يحد المغرب وحده من الغرب بل هو حدود غربية لعدد من البلدان الافريقية ولذلك فإن هذه الجهة من حدود المغرب تحدد جوانب من السياسة الافريقية له. ذلك ان التواصل مع غرب افريقيا على عدة اصعدة اهمها الاقتصادي يمكن ان تكون من جهة المحيط الاطلسي بوصفه حدودا مشتركة. وهذا ما نلاحظه بالفعل عند متابعتنا لتاريخ علاقة المغرب ببلدان الغرب الافريقي والتي كان تواصل المغرب مع بعضها مستمرا لانه لعب دورا في نشر الاسلام بها وفي نشر الثقافة العربية الاسلامية. كما ان عددا من مواطنيه هاجروا الى هذه البلاد لاغراض تجارية, في الغالب او علمية في بعض الاحوال واستقر المقام بهم هناك فأصبحوا مع تعاقب الاجيال من مكونات البلدان التي هاجروا اليها, وبقي الاصل المغربي بالنسبة للبعض منهم قيمة تاريخية. لكن, اذا اثبتنا ان غرب المغرب كان في التاريخ مصدرا لبعض من سياسته الافريقية, فإن ذلك لن يثنينا عن القول أن المزيد من التركيز في هذا المجال مطلوب ضمن الاستراتيجية السياسية لهذا البلد, والتي نراها تنسيقا بين سياسات على مستويات مختلفة. لا غنى للمغرب عن تقوية سياسته في الغرب الافريقي حتى تكون هذه السياسة صلة بما كان له من دور قديم في هذه القارة, ولكن ايضا تجديدا لهذا الدور بما يتلاءم والشروط الجديدة المحيطة بالمغرب بصفة خاصة وبالقارة الافريقية بصفة عامة. نرى ان هذه السياسة تلتقي في جزء منها مع السياسة الاسلامية للمغرب والتي سنتحدث عنها في مقال مقبل, كما تلتقي مع السياسة العربية, ومع السياسة الافريقية بصفة عامة ازاء القارتين الاوروبية والامريكية. هكذا نرى ان المغرب مدعو الى دعم سياسته العربية بسياسات اخرى تتقاطع معها دون تطابق, وينبغي لكل ناظر في استراتيجية المغرب السياسية ان يأخذها بعين الاعتبار.

طباعة Email