لم يستوقفني اعلان الاتحاد الاوروبي الذي صدر عن قمة برلين وتناول العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية, بقدر ما استوقفتني ردود الفعل العربية والاعلامية عليه, فوصفته بالتاريخي ورحبت به وهللت له وكأنه فتح مبين لاسابقة له ولا مثيل . ثم عدت لقراءة هذا الاعلان بعد ان تأكدت من ترجمته عن النص الفرنسي الذي اعتمدته القمة رسميا, ومع ذلك لم استوعب اسباب هذه الفرحة العربية والزغاريد الفلسطينية. يتضمن الاعلان ست فقرات ليس من بينها مايستحق التوقف والتأمل سوى واحدة هي الخامسة في ترتيبه وجاء فيها مانصه: (يؤكد المؤتمر مجددا حق الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في تقرير المصير بما في ذلك خيار دولة ويتمنى تحقيق هذا الحق بسرعة ويدعو الاطراف الى السعي بحسن نية الى حل تفاوضي على اساس الاتفاقات الحالية من دون الاساءة الى هذا الحق الذي يجب الا يكون موضع فيتو, ويعرب عن اقتناعه بأن اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مسالمة قادرة على الاستمرار على قاعدة الاتفاقات الحالية وعبر المفاوضات ستكون الضمان الافضل لامن اسرائيل ولقبول اسرائيل كشريك مساو في المنطقة ويعرب عن استعداده لدرس الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب مع المبادىء الاساسية التي سبق ذكرها (انتهى نص الفقرة) . قبل تناول هذه الفقرة بالتشريح وكشف مافيها من ثغرات وعورات, لابد من الاشارة الى انه قد صدر عن المجتمع الدولي وبخاصة عن الجمعية العامة للامم المتحدة وحتى من مجلس الامن ماهو اقوى من هذا النص واكثر عدالة واقرب الى حقوقنا ونكتفي بالتذكير بالقرار رقم 3260 وعمره ربع قرن الذي اكد حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف وحددها بحق العودة الى تقرير المصير وحق الاستقلال الوطني. حتى على المستوى الاوروبي المحض, فإن ما صدر من قمة البندقية التي انعقدت سنة 1980 اي قبل قرابة عشرين عاما كان في نصوصه اكثر صراحة وشمولا وعدلا من نص قمة برلين الذي يصفق له البعض ويهلل, ففي اعلان البندقية ثلاث فقرات لابد من ايراد نصوصها لكي تتحدث عن نفسها بنفسها. تقول الفقرة السادسة من اعلان البندقية (ان المشكلة الفلسطينية التي ليست مجرد مشكلة لاجئين يجب ان تجد اخيرا حلا عادلا, وان الشعب الفلسطيني الذي يؤمن بوجوده كشعب يجب تمكينه من ممارسة حقه في تقرير المصير بصورة كاملة عن طريق عمل ملائم يرد في اطار سلام شامل. وتقول الفقرة الثامنة: ان البلدان التسعة تعترف بالدور الهام جدا الذي تكتسبه مسألة القدس بالنسبة لكل الاطراف المعنية, في هذا الصدد فإن بلدان المجموعة تؤكد انها لاتقبل اية مبادرة تتخذ من جانب واحب تهدف الى تغيير وضع القدس, وان كل اتفاق حول وضع المدينة يجب ان يضمن حرية الدخول الى كل الاماكن المقدسة. وتقول الفقرة التاسعة (تؤكد المجموعة ضرورة وضع اسرائيل حدا لاحتلالها الاراضي منذ نزاع 1967 مثلما فعلت بالنسبة لجزء من سيناء وهي تعبر عن يقينها الراسخ ان مستعمرات الاستيطان الاسرائيلية تمثل عقبة خطيرة امام مسيرة السلام في الشرق الاوسط وتعتبر البلدان التسعة ان المستوطنات والتغييرات الديموجرافية في الاراضي العربية المحتلة غير شرعية في نظر القانون الدولي. بعد ايراد هذه النصوص ومقارنتها بالنص الذي صدر مؤخرا في برلين ينكشف لنا مدى المسافة التي تراجع عنها الاتحاد الاوروبي سواء بالنسبة للمضامين السياسية او للغة التي صيغت بها هذه المضامين وتسهيلا للقارىء الذي يتعرض لموجات متتابعة من الخداع والتضليل بهدف تكريس مقولة الصهيوني العنصري موشيه ديان عنه بأن (العربي لايقرأ. واذا قرأ لايفهم) فإننا نورد الملاحظات التالية: اولا: اغفال نص برلين لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي هي احد اهم ابعاد قضية فلسطين, على عكس نص البندقية الذي قال بوجوب حلها حلا عادلا واوردها قبل كل الفقرات. ثانيا: اغفال نص برلين لاية اشارة عن القدس التي لاينفك نتانياهو عن التذكير بها يوميا, قولا وممارسة, بأنها العاصمة الابدية لاسرائيل, بينما نص البندقية يؤكد رفض الدول الاوروبية لاية مبادرة تهدف الى تغيير وضعها. ثالثا: اغفال نص برلين لاية مطالبة اوروبية من اسرائيل لوضع حد لانتهاء احتلالها للاراضي العربية المحتلة منذ عام 1967 بل ان كلمة (الاحتلال) لم ترد على الاطلاق وكأنها لاترمز لمشكلة المشاكل كلها. نأتي بعد ذلك الى لغة الاعلان البرليني والصياغة التي تم بها قول ما أراد الاوروبيون قوله وما فسره بعض العرب المتخصصين بلملمة الفتات مما ترمي به الينا الدبلوماسية الغربية بقصد الايغال في مسيرة التسوية وفق القراءة الاستعمارية الصهيونية. ولا بأس من أخذ الفقرة سطرا سطرا: 1ــ (يؤكد المؤتمر مجددا حق الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في تقرير المصير بما في ذلك خيار الدولة) . لا جديد في التأكيد على الحق في تقرير المصير, فلقد سبقت الاشارة اليه في اعلان البندقية اللهم الا اضافة (بما في ذلك خيار الدولة) . ان هذه الاضافة من نوع لزوم ما لا يلزم اذا كان شعب فلسطين سيمنح فعلا حق تقرير المصير. وكان من الممكن اعتبار ذلك اشارة ايجابية لافتة لو ألحقت كلمة (مستقلة) في وصف هذه الدولة. 2ــ (ويتمنى المؤتمر تحقيق هذا الحق بسرعة, ويدعو الاطراف الى السعي بحسن نية الى حل تفاوضي على أساس الاتفاقات الحالية من دون الاساءة الى هذا الحق الذي يجب ألا يكون موضع فيتو) . أريد من القارىء ان يلاحظ اختيار النص لكلمة (يتمنى) وهي الأضعف بين المصطلحات المعتمدة في اللغة الدبلوماسية. ويلي ذلك (دعوة الأطراف... الخ) , أي ان المؤتمر يساوي بين الموقفين الاسرائيلي والفلسطيني, أي بين الظالم والمظلوم وبين المعتدي والمعتدى عليه. ان المؤتمرين يعرفون الفارق بين موقف كل من الاثنين ولكنهم لا يجرؤون على توجيه لومهم على من يتحمل المسؤولية, أي اسرائيل. 3ــ (ويعرب المؤتمر عن اقتناعه بأن اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مسالمة قادرة على الاستمرار على قاعدة الاتفاقات الحالية وعبر المفاوضات ستكون الضمان الأفضل لأمن اسرائيل ولقبول اسرائيل كشريك متساو في المنطقة) . يلاحظ هنا ان النص ضمن لاسرائيل, مقابل سماحها لقيام دولة عبر المفاوضات (وهذا يعني اسقاط كل الخيارات النضالية الاخرى) بأن تصبح شريكا متساويا في المنطقة, ووعدها بتطبيع علاقاتها مع كل العرب. 4ــ (ويعرب المؤتمر عن استعداده لدرس الاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت المناسب مع المبادىء الأساسية التي سبق ذكرها. ايضا لابد من ملاحظة مصطلح (يعرب) ومدى موقعه من مصطلح (يلتزم) مثلا. مع ذلك ورغم ضعف المصطلح فإن ما وعد به الاتحاد ليس استعدادا للاعتراف بالدولة, وإنما استعداد (لدراسة) الاعتراف بها. والفرق بيّـن وواضح. اذا كان القصد من ذلك محاولة التغطية على القيادة الفلسطينية وتراجعها عن عزمها على اعلان الدولة في يوم الرابع من مايو, فلقد أدى العرس واجبه ووفى. أما ان يقال على لسان أحد بلابل السلطة الشادي في جامعة الدول العربية بأن (أوروبا بهذا القرار التاريخي تؤكد انتصارها الدائم لمبادئها وأخلاقها..) , فمسألة لا تصدر عن مرجع يتمتع بأي حس تاريخي, وأعني به الحس التاريخي القريب الذي يعود بنا الى طفولتنا في عهود استعمار الغرب الاوروبي لبلادنا من الجزائر حتى الخليج, وبالتالي فهو لا يتمتع بالاخلاق والمبادىء التي عشناها وناضلنا من أجلها. ولو يا هذا.. إن لم يكن رفقا بالاحياء فرحمة بملايين الشهداء من ضحايا تلك الاخلاق والمبادىء الأوروبية!!