تعيد الازمة الاخيرة بصدد المياه بين الاردن واسرائيل موضوع المياه في شرق المتوسط الى صدارة الاهتمام المحلي والاقليمي, وهي بهذا المعنى تجعل موضوع المياه الموضوع الاكثر حيوية واهمية بالنسبة للدول وللشعوب في آن معا, ذلك ان دول المنطقة وشعوبها التي استطاعت ان تعيش في ظل الفقر والتخلف وفي ظل الحروب والعداوات التي كانت أساسها سياسة اسرائيل, لا يمكن ان تعيش وتستمر في ظل أزمة خانقة للمياه, تسيطر على دول المنطقة, وتهدد وجودها. وازمة المياه بين الاردن واسرائيل تعود الى اخلال اسرائيل بالتزاماتها بتزويد الاردن بكمية من المياه استنادا الى اتفاقية وادي عربة الاردنية ـ الاسرائيلية الموقعة في العام 1994 واعلان اسرائيل اعتزامها خفض حصة الاردن الى ستين بالمائة بسبب نقص المياه وظروف الجفاف الذي مرت به المنطقة في الموسم الحالي, وقد استدعى الموقف الاسرائيلي ردا اردنيا على اعلى المستويات, تم خلاله التأكيد على رفض الموقف الاسرائيلي, واعتبار موضوع المياه خطا احمر لا يجوز تجاوزه, ويبدو امرا كهذا واضحا ومفهوما بالنسبة الى بلد مثل الاردن تكاد موارده المائية تقترب من الصفر, اذا استثنينا موارده من نهر الاردن, والذي هو تحت اليد الاسرائيلية تقريبا بعد ان استطاعت اسرائيل ان توظف معظم مياهه لصالحها. وازمة المياه بين الاردن واسرائيل, تبدو مجرد حالة لها ما يماثلها من مشاكل تحيط بموضوع المياه في شرق المتوسط, واحدى الحالات الاخرى, يعبر عنها واقع المياه في جنوب لبنان, والذي تجهد اسرائيل منذ اواسط السبعينات في البحث عن اساليب وطرائق تكفل لها الاستيلاء على مياه الجنوب اللبناني وتحويلها لصالح الاستيطان الاسرائيلي في مناطق الجليل, ولدعم مشاريعها المائية, وقد استطاعت اسرائيل ان تقيم بنى تحتية ومنها قنوات لاستجرار مياه الجنوب, ويغطي واقع استمرار الاحتلال الاسرائيلي لمنطقة الجنوب على كشف الابعاد الكاملة لما قامت به اسرائيل في سرقة المياه. ورغم ان هناك مشاكل اخرى تحيط بموضوع المياه بين دول المنطقة, فان اغلب تلك المشاكل, يمكن اعتبارها تحت اليد وممكنة الحل وذلك من طراز مشاكل اقتسام المياه بين سوريا ولبنان وبين الاردن وسوريا, وبين سوريا والعراق, خاصة وان هذه المشاكل غير خطرة وجوهرية, وهي تتصل بموارد محدودة من جهة, وباطار من التعاون المقبول بين الدول العربية. غير انه وخلافا للاطار السابق, فان هناك مشكلة تبدو الاخطر في موضوع المياه في شرق المتوسط, وهي مشكلة المياه في المثلث التركي ـ السوري ـ العراقي, واساسها مشكلة مياه نهري دجلة والفرات اللذان ينبعان من شرق جنوب تركيا, ليعبر دجلة على تماس الحدود السورية ـ العراقية الى العراق, بينما يمر نهر الفرات عبر سوريا الى العراق ليتحد مع دجلة, ويشكلان معا شط العرب الذي يصب في الخليج. والاساس في مشكلة المياة بين تركيا وكل من سوريا والعراق هو اعتبار تركيا ان مياه دجلة والفرات هي مياه تركية, لامياه دولية كما يقول القانون الدولي في الحالات المماثلة, ويترتب على الموقف التركي اعتبار ان من (حق) تركيا ان تتحكم بتدفق المياه الى سوريا والعراق, مما جعلها تتجه الى بناء مشروعات مائية هي الاهم بين المشروعات في العالم, وهو توجه يترافق مع توجه تركي آخر الى تسليع المياه, بمعنى جعل المياه سلعة في علاقات تركيا مع الدول الاخرى بما فيها سوريا والعراق. لقد ساهمت عوامل محلية واقليمية في تصعيد مشكلة المياه بين تركيا وسوريا والعراق, وكان بين تلك العوامل الدخول الاسرائيلي القوي والفاعل في السياسة التركية عبر اتفاقات التعاون العسكرية - الامنية التي افرزت تأثيراتها في مختلف جوانب السياسة التركية ازاء الجوار الاقليمي وبخاصة نحو سوريا والعراق. وكان بين عوامل تصعيد مشكلة المياه تمردات اكراد شرق وجنوب تركيا الذين طالما اتهمت تركيا سوريا بدعمهم وايواء زعاماتهم, في الوقت الذي تعتبر تركيا ان شمال العراق هو بمثابة قاعدة اسناد لوجستي للمتمردين من اكراد تركيا, مما جعل قضية المياه في احد جوانبها قوة ضغط سياسي على سوريا والعراق, اللتين لديهما نفس الرغبة في اتفاق مائي ثابت وسلمي مع تركيا. واذا دققنا في القواسم المشتركة لمشاكل المياه في المنطقة, لامكن القول ان الاهم في هذه المشاكل ان طرفيها اسرائيل وتركيا, وان الاثنتين تتعاملان مع هذه المشاكل انطلاقا من سياسة الامر الواقع, واعتمادا على القوة باشكالها المتعددة, ومما يدعم هذه التوجهات كون اسرائيل العدو الاول للعرب, وكون تركيا في موقع الاختلاف مع سوريا والعراق من جهة, وفي موقع التحالف مع اسرائيل من جهة ثانية. ومما يفاقم مشاكل المياه ان منطقة شرق المتوسط منطقة محدودة الامطار, يغلب عليها مناخ المناطق الجافة, وقد تفاقم الجفاف في السنوات الاخيرة, مما قلل امكانيات تجديد المياه الجوفية, وتزداد مشكلة المياه تفاقما في ظل امرين اثنين اولهما الزيادات السنوية الكبيرة في سكان بلدان المنطقة, والتي تصل فيها الزيادات السنوية الى اكثر من ثلاثة بالاف, مما يعني زيادة سنوية في الاحتياجات المائية. والامر الثاني الزيادات المتواصلة في الاحتياجات المائية الناجمة عن خطط التنمية الزراعية والصناعية, وبسبب التزايد في معدلات الاستهلاك الشخصي لسكان دول المنطقة بفعل تطور الحياة الاستهلاكية لما يزيد عن مائة وعشرين مليونا من السكان. خلاصة الامر في ان منطقة شرق المتوسط وكياناتها امام ازمة مياه خانقة, وان اهم قوتين فاعلتين في الازمة هما اسرائيل وتركيا, وان عدم معالجة مشاكل المياه سوف يدفع المنطقة ودولها الى الانفجار والدخول في حروب لاحدود لها, لان الصراع هذه المرة صراع حياة او موت.