لأن الثورة فكر وضعي وفعل إنساني وليس تنزيلا سماويا, لذلك نادرا ما تسلم مسيرتها من أخطاء التجربة والممارسة, ولأن الثورة نقلة نوعية وكيفية تستهدف تغيير السائد من أوضاع المجتمع وعلاقاته وسياساته, لذلك غالبا ما يحدث الصدام المروع بين قوى الثورة وغيرها من قوى الثورة المضادة التي ترى مصالحها في بقاء الأوضاع مستقرة على ما هي عليه . وقد تسفر معركة الصدام بين الحديث والقديم عن مآس شتى على نحو ما تشهد به وقائع الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي أو الصين, ونادرا ما تسلم الثورة من مغبة تصفية خصومها جسديا ومحاكم التفتيش التي تفتقر إلى أبسط شروط العدالة كما حدث في ثورة 23 يوليو 1952 البيضاء, حيث تم انجاز مهام التغيير تدريجيا وبطريقة سليمة خلت من سفك الدماء, انسجاما مع طبيعة الشعب المصري وموروثاته الروحية في التسامح, ولعل خروج الملك فاروق من مصر سالما شاهد على ذلك, وما مظاهر المحاكمات العلانية التي نصبتها الثورة لخصومها, سوى كونها الاسلوب السياسي الفاعل والآلية القانونية الملائمة, لتعرية رموز العهد الملكي الاقطاعي البائد من المصداقية السياسية والأدبية, حتى يطلع الشعب على جوانب فساده واخفاقاته في ارساء قواعد العدالة الاجتماعية والمتاجرة بقضاياه الاساسية, وهي كانت المقدمة الافتتاحية التي فرضت نفسها على الثورة, وأدت بشكل غير مباشر إلى الالتفاف الجماهيري العارم حول ما تصير إليه من أهداف والايمان بحتمياتها والدفاع عن مكتسباتها! وهكذا عندما عارض عدلي لملوم تنفيذ قانون الاصلاح الزراعي بقوة السلاح, كان لا مفر من الحفاظ على هيبة الثورة وبسط سلطتها المركزية عبر محاكمته وسط تفاتيشه الزراعية التي انتزعت معظمها لصالح الفلاحين المعدمين, وردع غيره من الاقطاعيين المتربصين بالثورة! ورغم ان ثورة يوليو اضطرت إلى حل الأحزاب وقطع الطريق على الديمقراطية الليبرالية, اثر خسارتها الرهان على موافقة حزب الوفد ـ صاحب الأغلبية الشعبية ابان العهد البائد ــ على قانون الاصلاح الزراعي, بينما استثنت جماعة الاخوان المسلمين من الحل, بشرط تفرغها للتربية الدينية فحسب وحظرت عليها العمل السياسي, الا ان الثورة كانت في موقف رد الفعل من محاولة التنظيم السري للجماعة اغتيال جمال عبدالناصر عام 1954, بعد استباحة دمه اثر توقيعه اتفاقية الجلاء عن مصر والسودان مع الانجليز, بدعوى انها تسمح بعودتهم الى قاعدة قناة السويس في حالة تعرض تركيا واي من دول الشرق الاوسط للعدوان السوفييتي, فيما كان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مبررا لالغاء الاتفاقية من جانبها. لم تكن الثورة قد بلغت انذاك من العمر سوى عامين فقط, ولا كان لها تنظيم سياسي يحميها ويؤمن الجبهة الداخلية, ومن ثم كان رد فعلها عشوائيا تجاه اعلان الاخوان العداء لها, حين لجأت الى الاساليب التعسفية كاجراء وقائي في مواجهة الارهاب من جانب الجماعة, سواء عبر اعتقال معظم اعضائها المعروفين دون تمييز, او محاكمة قادتها امام محاكم عسكرية فاجزة وليس امام قاضيهم الطبيعي, باعتبار ان البادىء بالعدوان اظلم واتساقا مع معادلة (المضطر يركب الصعب) كون الضرورات تبيح المحظورات! ايا كانت اخطاء الثورة وخطاياها, الا ان حكم التاريخ المنصف لها او عليها, يتعين عليه النظر بعين الاعتبار الى تلك التجاوزات موصوله باسبابها ودوافعها, في اطار الفترة الزمنية التي حدثت فيها, ووفق المعايير السياسية السائدة انذاك, والظروف التي احاطت بها محليا واقليميا وعربيا, وفي كل الاحوال يتوجب مقارنة حجم سلبيات الثورة بحجم ايجابياتها على صعيد النهوض والبناء والتغيير الى الافضل! على انه برحيل قائد الثورة جمال عبدالناصر عام 1970, وبداية عهد الرده عن ثوابتها الوطنية والقومية, انفتحت شهية قوى الثورة المضادة على مصراعيها, وراحت تكيل لثورة يوليو ضربات الثأر والانتقام تباعا عبر منابر الدعاية والاعلام والسياسة في ظل حماية الرئيس انور السادات ومباركته وتشجيعه, في الوقت الذي دخلت رموز ثورة يوليو زنازين الحريات الديمقراطية الجديدة اثر احداث 15 مايو. والشاهد انه على مدى يزيد عن ربع قرن, ظلت قوى ثورة يوليو في موقف الدفاع عنها في مواجهة قوى الردة, سواء الذين شاركوا في تجربتها الناصرية, وغيرهم من الاجيال الجديدة المؤمنة بمبادئها, والحقيقة ان المعركة بين الجانبين لم تكن متكافئة, اذ ان حجم التمويل المادي لقوى الردة تجاوز كل التقديرات المالية التي رصدها المراقبون بمليارات الدولارات, في شكل دعايات مغرضة وحرب نفسية مسمومة, لم تكن بأيه حال لوجه الله والوطن والحقيقة عبر اصرار العديد من الصحف في الداخل والخارج والكتب والنشرات والمؤتمرات والافلام والمسلسلات التلفزيونية ومراكز الدراسات, ولم يكن لهذه الابواق الدعائية دور وهدف سوى كيل الاتهامات للثورة وتلويث سمعة وشرف قادتها وفقا للاسلوب الذي درجت عليه المخابرات الامريكية على ممارسته بهدف اغتيال شخصية الخصوم والاعداء, وتشكيك الجماهير في مصداقيتهم السياسية واستقامة سلوكهم الشخصي, وليس صدفة ان تلصق المخابرات الامريكية تهمة (زير النساء) بزعامات حركة عدم الانحياز وبينهم تيتو ونهرو وسوكارنو, وعندما استعصت التهمة على عبدالناصر كان المجال متاحا لغيرها من الاتهامات المزيفة, وعلينا ان نتوقف طويلا عند مقولة مدير المخابرات الامريكية الشهيرة فور رحيله لن نسمح بعد اليوم بظهور ناصر كبيرا أو صغيرا في العالم الثالث) . من هنا انبرى التيار الناصري للدفاع عن تجربة ثورة يوليو بالحق وبالباطل, حتى بدا وكأنها مبرأة من الاخطاء والخطايا, او انها تملك وحدها الحقيقة امس واليوم وغدا, وهو ما حجب عنه حقائق الصراع الاتي ومستجداته, وبدا كأن الناصريين صنعوا لأنفسهم سدا منيعا حال دون الاعتراف بغيرها من التيارات والأحزاب والقوى السياسية الوطنية التي فرضت نفسها على الساحة حتى وان اقتصر نشاطها السياسي وباعها الفكري على مجرد اصدار صحيفة يومية أو أسبوعية أو دورية, بينما غاب عن ادراك التيار الناصري ضرورات نقد تجربة ثورة يوليو في شجاعة وموضوعية, أولا لأن الناصريين أولى من غيرهم وأقدر على انجاز تلك المهمة الحيوية, وثانيا باعتبارها خطوة ضرورية لابديل عنها للاعتراف المتبادل بينهم وغيرهم من القوى النشطة على الساحة السياسية, وثالثا حتى تتواءم التجربة الناصرة ـ بعد نقدها ـ مع المتغيرات الجديدة التي تراكمت على مدى ربع قرن, وان تجديد خطابها الوطني والقوى بات مؤهلا لمواكبة مستجدات العصر, خاصة إذا أعملنا نظرية التطور الديليكتيكي التي لا تزال تؤكد على ان أي فكرة تحمل في ثناياها بذور فنائها. ونحسب لذلك ان تلكؤ الناصريين عن القيام بواجبهم في نقد تجربة ثورة يوليو, أدى كذلك إلى افراز ظاهرة الانقسام الفكري والسياسي في صفوفهم وبين أجيالهم, الأمر الذي تداركته مؤخرا فكرة قيام (منتدى الفكر القومي) التي عقدت باكورة ندواتها الأسبوع الماضي بالقاهرة تحت شعار (نقد التجربة الناصرية من الداخل) , وضمت زهاء 300 مشارك يمثلون مختلف ألوان الطيف الناصري وعدد من ممثلي الأحزاب المصرية والمفكرين والمتخصصين المستقلين, ولعل أقوى دليل على جدية وجدوى هذا الاستهلال الفكري من جانب الناصريين يكمن في تواصل النقاش والمداخلات الصريحة والشجاعة منذ الصباح الباكر وحتى العاشرة مساء دون انقطاع حول الأبحاث المتميزة المقدمة للندوة وهي الناصرية في اطار الحركة الوطنية المصرية, الصدام بين ثورة يوليو وحزب الوفد, ثورة يوليو والمجتمع المدني, ثورة يوليو ونظام التعليم, ثورة يوليو والماركسيون المصريون, قراءة في الرؤية الناصرية للتاريخ المصري الحديث, ثورة يوليو والاخوان المسلمون (نظرة إلى الخلف.. خطوتان إلى الأمام) وفي انتظار توالي ندوات نقد التجربة الناصرية, يحتاج الأمر إلى سعة الصدر والمزيد من الحوار الديمقراطي وعدم المصادرة على المطلوب.. وأول الغيث قطرة.