في العاصمة أبوظبي يعقد أصحاب المعالي وزراء التربية والتعليم والمعارف للدول الأعضاء بمكتب التربية العربي لدول الخليج العربي اجتماعات الدورة العادية الخامسة عشرة لمؤتمرهم العام وذلك في الفترة من 6 ــ 8 ابريل 1999م, وبهذه المناسبة المهمة لنا كتربويين كان هذا المقال ترحيبا بالوفود المشاركة في بلدهم الامارات , وفي نفس الوقت وقفات تستحق الحوار الجانبي بين الوفود المشاركين ومع علمي بازدحام جدول أعمال المؤتمر ولكن في تصوري أن أوقات الراحة مجال خصب للتخاطر حول قضايا التربية والتعليم في دول الخليج. ان الدارس للتربية والتعليم في المنطقة يعتز بالقفزة الحضارية التي شهدتها دولنا فيما يرتبط بالتعليم ومحدودية المساحة تجعلني عاجزا عن الكتابة في هذا الميدان, ولكني اسعى الى الوقوف مع التربية والتعليم ست وقفات مهمة هي: أولا: التعليم أصالة ومعاصرة: الدارس لتطوير التعليم يجد سؤالا طالما لم يجيد الاجابة المناسبة في واقع العملية التعليمية هل الأصالة ترتبط بالقديم؟ وبلغة اخرى هل مفهوم الاصالة عندنا يعني مدارس قديمة, معلم ملقن, كتاب عاجز عن ملاحقة الانفجار المعرفي؟ وفي مقابل ذلك هل كلمة المعاصرة تعني الابتعاد عن مبادىء وقيم هذا المنطقة! هل المعاصرة مرتبطة بالابتعاد عن اللغة العربية الى الاجنبية! وغير ذلك من المظاهر. ان التعليم الذي نريد هو الذي يتماشى مع المستويات العالمية من ناحية الجودة وفي نفس الوقت مرتبط بجذور هذه الامة لكي لانكون زرعاً يسهل اجتذاذه. ثانيا: المعلم الممتهن: عندما نعطي خبازا كمية من المواد الاولية لصناعة الخبز ــ كالدقيق والملح والماء وغير ذلك ــ نتوقع منه ان يعطينا خبزا شهيا, لان مهنته كذلك, والذي يميز خبازا ناجحا هو مهارته في الصنعة والأمر نفسه على المهندس والمحامي والطبيب فكلهم اصحاب مهنة والامر كذلك عند المعلم, فصاحب المهنة تشغله طوال يومه لأنه ينال من ورائها الأجر الجزيل والذي من أجله يضحى الانسان بأمور كثيرة, فمتى سيمتهن المعلمون وظيفتهم, إذا استثنيا بعض دول الخليج كالمملكة العربية السعودية التي نجحت في جعل التدريس المهنة الثانية التي يقبل عليها خريج الثانوية العامة وهذا يشاهده زملائنا عمداء كليات التربية في المملكة, نجد عكس ذلك في العديد من الدول حيث لايتوجه الى هذا التخصص الا من ضاقت عليه السبل فهل حان الوقت لدراسة هذا الموضوع بصورة أكثر واقعية! وهل نحن بحاجة الى برامج جديدة لاعداد معلم المستقبل في الخليج بدلا من البرامج التقليدية. ثالثا: مناهج المستقبل: عندما نتكلم عن المنهاج فنحن لا نقصد المقررات الدراسية فهو يشمل بالاضافة الى ذلك طرق التعليم والتعلم والتقويم والمراجع والوسائل الاخرى, بالاضافة الى الاهداف المراد تحقيقها. ولعلي أصنع هنا الرؤيا الجديدة للمنهاج والتي نحتاجها في دول الخليج. 1 ــ هوية محددة نحن كتربويين عرب ينصب اهتمامنا على تربية اجيال الامة على القيم والاخلاق الفاضلة بما يحفظ لهذه الاجيال هويتها الثقافية ووجودها المميز كأمة عريقة لها تاريخها المجيد في الاسهام بالحضارة العالمية في ظل عواصف واعاصير الاقوياء الذين يريدون ان يصبغوا العالم بصبغتهم ومعتقداتهم فيما يسمى بالعالم الجديد. وبإمكاننا الاستفادة من شعار اليابانيين في استيعاب التقدم العلمي والتقني وهو (علوم الغرب وثقافة اليابان) (Western Science and Japanese Culture). 2 ــ مهارات التفكير كما يتعلم الانسان مهارة الحديث لانه ليس من الامور الموروثة كما نعلم فالاستعداد للنطق موجود لدى كل انسان والبيئة هي التي تعلم الانسان الكلمات والجمل والحروف, ومن ثم تتكون لديه مهارة الحديث, كذلك التفكير فالاستعداد موجود لدى كل انسان ولكن ذلك لا يؤهله للتفكير. يحتاج كل انسان لأن تتطور لديه مهارات التفكير التي تساعده في رؤية وجهة نظر الطرف الآخر, وتحديد الاولويات, والاهداف, والبدائل, والتبعات, وحل التناقضات, وابتكار الخطط, وتقييمها. 3 ــ معلومات مكتسبة في زمن تتبدل المعلومات فيه مع عقارب الساعة اصبح لزاما علينا تدريب المتعلمين على فنون التعامل مع المعلومات وذلك بتدريبهم على البحث عن المعلومة الأصح وليس الصحيحة. 4 ــ التواصل مع الآخرين من الامور التي نعاني منها في المجتمع العربي العيش في جزر متباعدة في بحيرة الحياة فيعيش الناس متقاربين في اجسادهم متباعدين في أرواحهم, وان حاول الانسان كسر جمود الصمت قد لايمتلك الكلمات المناسبة فينطق دونما فكر وتفكير فتكون الكلمة شرارة تحرق قلب المستمع. ولكن اين سنتعلم ذلك مع معلم يعتبر أن السؤال هو تحد لشخصه الكريم؟ واذا بادر بالسؤال فالهدف هو إفحام المتعلم وبيان عجزه وقصوره. 5 ــ فهم البيئة البشرية كثيرة هي الدول التي تربي التلاميذ على مفهوم المواطن الصالح, تلك التربية التي قادت الانسان للصلاح في اطار البعد الجغرافي الذي يعيش فيه, فنجد كثيرا من البشر تتبدل اخلاقهم بمغادرتهم ارض وطنهم, ومن هنا تسعى الدول اليوم الى اعداد الانسان الصالح صاحب القيم الثابتة نسبيا على الاقل. وفي هذا الميدان كذلك تبرز قضية مهمة في فهم البيئة البشرية الا وهي مادورنا نحن في بناء الانسان العالمي, وفي قضية الانفتاح الثقافي والاقتصادي. 6 ــ قدرات اخرى بعد حصول المتعلم على شهادة الثانوية العامة, دعونا نستوقفه ونسأله ماهي القدرات العامة التي يتقنها بعد صعوده أكثر من 12 سنة من درجات التعلم, لنضع بعض الحروف تحت النقاط, هل بإمكان خريج الثانوية العامة القراءة الناقدة؟ وهل يستطيع التعبير بطلاقة عن افكاره مشافهة أو كتابة؟ ما هي قدراته على التعامل مع الحاسب الآلي؟ وهل زودناه بمهارة تخطيط الزمن أو تنظيم الوقت؟ هل يعرف كيف يكسب الاصدقاء ويتعامل معهم؟ رابعا: التعليم والمجتمع عندما ننظر الى التربية والتعليم على أنها خدمة تقدمها الدول الى الافراد نتجاوز هاهنا دور المجتمع في تحديد ماهية التعليم فمن هو في أعلى السلم يفكر ويخطط وما على المتعلم سوى التلقي, ربما كانت هذه الصورة مقبولة في دول الخليج عند ندرة الاسر المتعلمة ولكننا اليوم بحاجة ماسة الى ان تفتح التربية أبوابها للناس لكي يشتركوا في صناعة القرار التربوي لجيل المستقبل فلم يعد مقبولا اليوم أن يكون صاحب القرار واحد مهما أتى من علم وتخصص بل لابد من وجود اللجان الاختصاصية لصناعة القرار وهذه يشرك فيها افراد المجتمع من اولياء امور أو ارباب المهن فهكذا تتقدم الامم لأن مصائر الأجيال لا تربط بمناصب الرجال. خامسا: الرسم في الهواء كثيرة هي الدراسات العلمية الموثقة والدقيقة التي كتبت حول التعليم في الخليج وزيارة واحدة لإخواننا في مكتب التربية العربي لدول الخليج تسر الناظرين, بل ان دواوين الوزارة المتخصصة في دولنا مليئة بالعشرات من هذه المشاريع التي لا تزال الاقلام تصر بها, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائما اين التطبيق؟ والجواب ذو شجون ــ كما يقال السبب ــ في تصوري يكمن في عدم وضوح الرؤية المستقبلية للتربية, بلغة اخرى ماذا تريد من المتعلم بعد 12 سنة من التمدرس؟ وبسب هذه الضبابية في التفكير تحولت المشاريع البحثية الى اوراق لا يراها الميدان, بلغة اخرى لايحس الميدان بأثرها, لذلك حكمنا عليها بالسجن في خزائن الزمن, إنها دعوة للعودة من جديد الى الانطلاقة السليمة ألا وهي الميدان لكي لا نرسم في الهواء, فبمقدار مشاركة اهل الميدان في البحث والقرار يكون له الصدى المناسب عند التنفيذ. سادسا: مفتاح المشروع في العقود التي تجريها بعض الدوائر عندنا في الدول وبالذات في المشاريع البنائية هناك المشاريع التي تتولاها شركات كبيرة تسلم الجهة المستفيدة في نهاية المطاف مفتاح المشروع كناية عن قيامهم بكل شيء في هذا الأمر حتى نهايته فهل هذه الصورة مقبولة في التربية والتعليم بلغة اخرى هل بالامكان التعاقد مع خبراء غير منتمين لهذه الأمة من أجل تسليمنا المشروع جاهزا؟ والجواب بكل صراحة يأتي بالنفي لأن التعليم وفلسفته وأهدافه بل وحتى محتوياته مرتبطة بالبيئة المحلية, وعليه فمتى ستستفيد دول الخليج بعضها من بعض عبر جهاز تربوي ترصد فيه الطاقات المحلية ويكون هذا المركز هو اول من يخاطب عند حاجة إحدى الدول الى خبير في التربية. لعلنا نشكر في هذا الموقع مكتب التربية العربي والامانة العامة على جهودهم المخلصة في هذا الشأن, ولكننا لازلنا نسمع أن من تستقطبه دول الخليج لا ينتمي لهذه الدول, بالطبع لسنا ضد وجود الطاقات المتخصصة من دول العالم ولكن لا ينبغي ان تكون هذه الرؤوس هي صاحبة القرار بل لابد من ربطهم بأهل التخصص المحلي لكي يتعلموا منهم أولا ومن ثم يعيدوا توجيه المسار بما يتناسب مع مجتمعاتنا, فلنا خصوصية لا تسمح بتسليم المشروع النهائى للتربية, وكذلك لكي يتابع الخبير المواطن الجوانب التنفيذية من المشروع, فمن اسباب فشل المشاريع ان وجود الخبراء الاجانب مؤقتا بما لايسمح بالمتابعة. لقد تعلمت كثيرا عندما دعاني معالي وزير المعارف في المملكة العربية السعودية للإطلاع على تجربة المملكة والأمر كذلك عندما زرت دولة البحرين ومن هنا وجدت أنه في دول الخليج خبراء بالامكان الاعتماد عليهم. كانت هذه وقفات خطها قلم للتربية أراد أن يشكر خلالها الوفود المشاركة في هذا المؤتمر التربوي المهم وفي نفس الوقت هي نقاط للحوار مع زملاء الدرب والهدف هو ما فيه خير هذه الأوطان. وكيل كلية التربية E-Mail: K.Suwaidi@uaeu.ac.ae