من المفترض أن يتخذ مجلس الأمن قراراً بتعليق العقوبات على ليبيا, حال تسليم المتهمين بقضية لوكيربي لمثولهما أمام القاضي الاسكتلندي في هولندا, ليسدل بذلك الستار على قضية استغرقت سنوات, بين شد وجذب , وخلافات وتصعيد وعقوبات, بين ليبيا وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا, أو على الأقل ليسدل الستار على جزء رئيسي منها, فلا يتبقى إلا القليل بعد ان مضى الكثير. الكثير هذا دفعته ليبيا من جيبها بتعرضها للحصار وعقوبات مفروضة من دون وجه حق, ولمجرد شبهات حامت حول اثنين من مواطنيها, لا يعلم أحد, باستثناء المخابرات الأمريكية والبريطانية, وربما الليبية, إن كانا فعلاً قد تسببا في تفجير طائرة الـ (بان أمريكان) عام 88 فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية, ليقتل فيها ضحايا أغلبهم أمريكيون وآخرون على الارض من مواطني اسكتلندا. وبما أن اصراراً أمريكياً وبريطانياً, بعد سلسلة تحقيقات مزعومة واغراءات للارشاد الى المشتبهين, ظل يطارد ليبيا لسنوات لتسليم مواطنيها المتهمين من قبل أمريكا بتفجير الطائرة, وانتهى بأسوأ النتائج منها العقوبات, فان اصراراً ليبياً مماثلاً على رفض التسليم, ظل قائما في مواجهة المحاولات الأمريكية والبريطانية, دفاعاً, لا عن حق المواطنين الليبيين في محاكمة عادلة فحسب, بل عن الشرعية الدولية أيضاً, التي لا تبيح لأمريكا ولا لغيرها من دول, مهما كانت قوية, محاكمة مواطن دولة اخرى على الشبهة, ما لم تثبت عليه التهمة فعلاً, ويصبح في حكم المجرمين, فيجوز عندها التسليم. هكذا مثلاً دافعت ليبيا عن مواطنيها دفاعاً مستميتاً, حفاظاً على كرامتهما وعلى كرامتها أيضاً, حتى لو كان الثمن معاقبة الشعب كله, حصاراً وحظراً لسنوات, لولا أن امريكا خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وتفردها بالقوة والهيمنة في الساحة الدولية, أصرت على معالجة ما تعتقد أنه من حقها بالطريقة التي تراها مناسبة لها, لا للأطراف الأخرى المعنية أيضا, ما أطال أمد قضية بمثل هذا العناد المتبادل كل هذه السنوات. الآن وقد انتهى تسليم المتهمين منذ أمس, ليمثلا طوعاً (حسب التسمية الليبية) أمام المحاكمة, وحسب الاتفاق المبرم بين ليبيا والأمم المتحدة بوساطة دول كالسعودية وجنوب افريقيا, وبضمانات وتعهدات بمحاكمة عادلة, مع رفع العقوبات, فان نصراً ليبياً يكون قد تحقق في مقابل نصر أمريكي أيضاً, لأن ليبيا لم تخضع تماماً لارادة أمريكا, وأمريكا نفسها لم تنجح في تسليم المتهمين لها أو لبريطانيا لمحاكمتهما كمجرمين. وبطبيعة الحال فان نصف نصر هنا ونصف نصر هناك, هو ما يصنع الحلول السياسية للمشكلات القائمة بين الدول أياً ما تكون هذه المشكلات, لأن النصر الكامل في الحرب وفي السلام معاً, لا وجود له في عالم اليوم, فاللقاء منتصف الطريق هو الممكن الوحيد. ونختم بأن محاكمة الليبيين المتهمين بتفجير طائرة لوكيربي التي من المتوقع ان تبدأ اعتباراً من اليوم, قد تتكشف عن مفاجآت ومفارقات, في حال ثبتت ادانتهما وتوفرت الأدلة على ذلك, وهو أمر صعب عملياً مع اصرار المتهمين على الرفض وانكار أية صلة لهما بالحادث, أما قمة المفاجآت الممكنة وغير المستحيلة, فهو اظهار براءتهما التامة, بالمحاكمة العادلة كما هو مفترض, فنعرف أن أمريكا جرت طوال هذه السنوات وراء سراب, بإصرارها على إدانتهما قبل محاكمتهما, وأن ليبيا أيضاً كانت تدافع عن سراب بإصرارها على تبرئتهما قبل محاكمتهما, فلا يبقى لهما (أمريكا وليبيا) سوى الندم, لولا أن ليبيا خشيت باستمرار عدم توفر العدالة في محاكمة مواطنيها, ما يجعلها أحق في الدفاع عن هذا السراب.