اخيرا قطع عزمي بشارة, زعيم التجمع الوطني الديمقراطي, وعضو الكنيست الاسرائيلي, الشك باليقين واعلن ترشيحه لرئاسة الحكومة الاسرائيلية, في تحد صارخ لكل البديهيات التي وطن عليها الكيان الصهيوني ذاته , منذ نصف قرن, باعتباره دولة يهودية. وقد قرر بشارة ترشيح نفسه بعد ان اثبت استطلاع للرأي انه سيحصل على 55 في المائة من اصوات العرب, مقابل 25 بالمائة لزعيم حزب العمل ايهود باراك و7 في المائة لزعيم الوسط اسحق موردخاي و3 في المائة لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو, وخطوة عزمي بشارة غير المسبوقة هذه, بالنسبة للنشاط السياسي للعرب في اسرائيل, الذين لم يتمكنوا من ايصال وزير واحد الى الحكومة, برغم انهم يشكلون 20% من سكان اسرائيل, تأتي في ظروف اسرائيلية معقدة, فالمعركة على غاية من الاهمية بالنسبة لمستقبل كل حزب, خاصة بالنسبة للحزبين الرئيسيين (العمل والليكود), وبالنسبة للتيار الديني, فهذه القوى تخوض الانتخابات, هذه المرة, على اساس انها ستحدد هوية اسرائيل وستقرر رسم حدودها البشرية والجغرافية, بدفع من المتغيرات الدولية والاقليمية, وبتأثير من مسارات العولمة وعملية التسوية, بانعكاساتهما السياسية والاقتصادية والثقافية. في هذه الظروف يأتي ترشيح بشارة ليساهم في تعزيز طرح سؤال الهوية على المجتمع الاسرائيلي, ويضع اسرائيل مجددا امام احد تناقضاتها بين كونها دولة يهودية, وبين كونها دولة ديمقراطية, ويفضح الطابع العنصري للدولة العربية, التي ما زالت تصنف المواطنين العرب فيها على انهم مجرد اقليات او طوائف دينية, وليس على اعتبارهم مجموعة قومية لها حقوق مدنية وسياسية! مع اتخاذ هذه الخطوة الجريئة, اكد عزمي بشارة انه في دولة بهذه الطبيعة, من المستحيل على عربي ان يحلم بالفوز بمنصب رئاسة الحكومة, ولكنه اكد بالمقابل على اهمية التنافس على هذا المنصب لطرح مطالب الاقلية العربية في اسرائيل, لوضعها في موقع التكافؤ مع اطراف الموزاييك الذي يتشكل منه المجتمع الاسرائيلي, ولطالما اكد بشارة ان العرب كأقلية قومية في اسرائيل, يجب ان يقولوا لقادة الاحزاب الاسرائيلية اننا لسنا في جيب احد. من الواضح ان خطوة ترشيح عربي لرئاسة الحكومة, تحمل توظيفات سياسية وتعبوية, بالنسبة للوسط العربي في اسرائيل, لجهة تفعيل مشاركة الجماهير العربية في المعركة السياسية الانتخابية, ولجهة فك الارتباط بالاحزاب الصهيونية, لصالح تبلور قوة انتخابية وسياسية عربية, كذلك فان هذه الخطوة تفتح ملف الاحزاب العربية الناشطة في الوسط العربي في اسرائيل, ببنيتها البطركية, كما تفتح ملف الافق السياسي لهذه الاحزاب, التي ظلت, على الارجح, اسيرة القيودات الاسرائيلية المباشرة وغير المباشرة, والتي اكتفت بطرح المطالب العربية باعتبارها قضايا ميزانيات ومصالح مناطقية, وفي احسن الاحوال تبنت شعار السلام والمساواة بأفقه المحدود. في اطار هذه التداعيات يمكن فهم الهجمة التي تعرض لها بشارة من قبل بعض الاحزاب والشخصيات الصهيونية والعربية, فبالنسبة للاحزاب الصهيونية, خرق بشارة قدس الاقداس للدولة العبرية اكثر من مرة, وشكك في شرعيتها التاريخية والاخلاقية وبديمقراطيتها, وبجدوى وجودها كدولة يهودية, وهو بخطوته يدخل (الاغيار) الى قلب المعادلات السياسية الاسرائيلية, ويربك الحسابات الانتخابية. اما بالنسبة للاحزاب العربية, فمن المؤسف انها وقفت ضد خطوة بشارة, بحجة انه لم يستشرها, وبحجة انه خرق الاجماع الوطني, فهذه القوى في الواقع ترسم سياساتها بناء على رؤى سياسية ومصلحية ضيقة, ومن الطبيعي ان ترى في ترشيح بشارة كسرا لاحتكارها الهيمنة على الوسط العربي, كما رأت في ديناميته وفي طروحاته الفكرية والسياسية الاستراتيجية تهديدا لمكانتها وتقويضا لصورتها السياسية. ومشكلة عزمي بشارة هي مشكلة الصراع بين القديم والجديد, بين قوى التغير والقوى المحافظة, بين القوى التي تدمج بين الرؤية الاستراتيجية والعملية وبين القوى التي تغلب المصالح المباشرة, وهي مشكلة السياسة في الساحة الفلسطينية والساحة العربية عموما, فقد استطاع هذا الشاب اللامع, الذي يتمتع بميزات المفكر والسياسي, وبفترة زمنية قصيرة ان يحظى بشعبية واسعة في الوسط العربي في اسرائيل, زعزعت مكانة القوى والشخصيات التقليدية, وكشفت ضيق افق اطروحاتها السياسية والمطلبية, وقد امتدت شعبية عزمي بشارة, الى الساحة العربية, وعقد صداقات متميزة مع نخبة من المثقفين والقادة العرب, باعتباره مفكرا فلسطينيا وعربيا, كما ان نفوذه الفكري شمل اوساطا واسعة من المثقفين اليهود في اسرائيل, وبات خصومه يحسبون له الف حساب. في هذا الاطار من المفيد الاطلاع على بعض الافكار التي يطرحها عزمي بشارة والتي يعبر فيها عن العربي ــ الاسرائيلي الجديد الذي اعاد صلته مع شعبه ومع امته, والذي اكد حضوره وهويته برغم محاولات الاسرلة والتغييب والتذويب, والذي يرفض الحداثة الاسرائيلية المشوهة والمدجنة, لصالح المشروع التحرري العربي والانساني, ففي مقابلة مطولة (نشرتها هآرتس في 29/5/98) قال الصحفي الاسرائيلي آري شافيط في تقديمه لعزمي بشارة: من المشكوك جدا فيه ان كان بالوسع اليوم العثور في مجلس النواب الاسرائيلي على اربعة أو خمسة اعضاء كنيست ذوي رؤية مرتبة وفكر فصيح اكثر من عزمي بشارة, فالفيلسوف السياسي الذي بلور بشكل لا بأس به السجال العام في اسرائيل عندما ابتكر عبارة (دولة كل مواطنيها) والزعيم العربي ـ الاسرائيلي الذي طالب بالاعتراف بالفلسطينيين مواطني دولة اسرائيل كأقلية قومية تستحق حكما ذاتيا ثقافيا خاصا, هو صاحب قدرة تحليلية نكاد لا نجدها اليوم في الحلبة السياسية الاسرائيلية, وبشكل دؤوب ومتواصل, وبمنهجية واهلية كبيرتين ينهمك بشارة منذ اكثر من عقد من الزمان في الكشف الانتقادي للتناقضات الكامنة من وجهة نظره في اساس وجود دولة اسرائيل, وفي تفكيك الايديولوجية الصهيونية إلى عوامل, وباستخدام ترسانة غنية من ادوات الحرب المفهومية ينجح في تعزيز خطوتين متوازيتين سياسيتين ــ ثقافيتين بعيدتي المدى: الخطوة المعدة لهدم القومية اليهودية القديمة ــ الصهيونية ــ والخطوة المعدة لاعادة تركيب نوع جديد, حديث, من القومية العربية, وفي حينه احدثت هذه المقابلة دويا كبيرا في اسرائيل بالنظر للافكار الجريئة والواضحة التي تضمنتها, فعضو الكنيست يقدم نفسه على انه وطني فلسطيني وكقومي عربي, وهو يحتفظ بذكريات عن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر, بل انه يحتفظ بصورة مكبرة له في الغرفة المخصصة له في الكنيست الاسرائيلي, وهو يرفض اضفاء شرعية تاريخية بمفعول رجعي على اسرائيل, وهو يضع على حائط الغرفة ذاتها خارطة لفلسطين, تتضمن علامات على مواقع القرى الاربعمائة التي محتها اسرائيل عن وجه الارض, لالغاء التاريخ والذاكرة الفلسطينيتين, لم لا وهو يعتبر ان فلسطين كلها محتلة, وقد سأل الصحفي شافيط بشارة عن رأيه بعملية التسوية, وعن ذلك قال بشارة: انا اعتقد ان ما يحسم الامور هنا هو المسألة السياسية, وهذه المسألة تتطلب حلا سلميا وعادلا يقوم على التسوية التاريخية, ومثل هذه التسوية يجب ان تشمل ليس فقط الاعتراف الرسمي بالاجحاف الذي الحق بالشعب الفلسطيني, بل ايضا التعهد بالقيام بالحد الادنى الضروري لازالته, ينبغي لاسرائيل ان تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والتسليم بوجود الدولة الفلسطينية على جزء من ارض فلسطين التاريخية, اما على المستوى الثاني فيجب ان توافق على حل مشكلة اللاجئين, عليها ان تعترف بالظلم الذي لحق باللاجئين, وان تقوم بالحد الادنى من اجل اصلاحه على اساس الاعتراف بالارتباط بين اللاجئين وقراهم, يجب التمييز هنا بين الحل الوسط التاريخي وبين التسوية, فالتسوية يمكن ابرامها حتى من دون حل وسط تاريخي, وهذا ليس امرا عصيا, فهناك تسويات في العالم, لكن التسوية امر محدود بمداه الزمني ويعوزه الجانبان الخلقي والتاريخي, التسوية تقوم على اساس ميزان القوى, وعندما سأل شافيط عن رأى بشارة بالنسبة للعلم والنشيد الاسرائيليين, اجاب بشارة: انظر موقف من هذا العلم وهذا النشيد القومي سلبي, فهما لا يمثلاني, وانما يمثلان شيئا يرفضني, لكن اذا ما تغير مضمون الدولة فأنا مستعد لان اتعايش مع بعض الرموز التي تعني شيئا مهما للاغلبية, وذلك على امل ان تتغير هذه الامور ايضا مع مرور الزمن لكني لا ابدأ مطالبي من دولة اسرائيل بأن تغير علمها, الصهيونية, في الاساس, لم تكن حركة تحرير قومي وانما حركة وضعت لنفسها هدف اقامة دولة باغلبية يهودية في بلد فيه اغلبية عربية, لقد كانت حركة ارادت ان تحول اليهود إلى امة من خلال اقامة دولة يهودية, ولهذا الغرض فقد اعتمدت ممارسات كولونيالية, وكانت جزءا من المشروع الكولونيالي (الاستعماري) في الشرق الاوسط, انا لا اعترف بوجود شعب يهودي واحد في كل العالم, واعتقد ان اليهودية دين لا قومية, وليس للجمهور اليهودي في العالم اي مكانة قومية, ولا اعتقد ان لهذا الجمهور الحق في تقرير المصير, لكن ما اعترف به, فعلا, هو ذاك الشعب اليهودي ـ الاسرائيلي الذي اوجدته الصهيونية هنا, وانا لا اقبل التاريخ الصهيوني, لكني ملزم بالاعتراف بثماره, فلا مفر, لقد ولدت هنا اجيال, ونشأت لغة وادب وثقافة, وعلى الرغم من ان الطفل القومي الاسرائيلي ولد بصورة غير مشروعة, فانه لا يسعني ان اقول عنه انه غير موجود, وان لا حقوق له, وانا اصر الا تجد حقوقه تعبيرها بشكل عدواني, لا يوجد هنا حقان على قطعة الارض ذاتها, لا اوافق على ادعاء اليسار الصهيوني هذا, لانه وقع هنا صراع استعماري, لقد هاجرت إلى البلد هنا مجموعات من المهاجرين من البلاد المتعددة, ووضعت ايديها على قطعة ارض كانت تعود إلى شعب اخر حتى ولو كانت القومية اليهودية ــ الاسرائيلية اليوم غير اشكالية, كما انني اعتقد ان الوقت حان كي يتحرر اليهود انفسهم من قصة الصهيونية الغربية هذه, وانا لا اقول هذا فقط لان تجسيد الصهيونية جرى على حسابنا, ولما سأل الصحفي شافيط عضو الكنيست بشارة عن التناقض الذي يعيشه في موقعه هذا, أجاب: (هذا هو تناقض العرب في اسرائيل. هذا هو تناقض عزمي بشارة في دولة اسرائيل. وإذا قال لك عزمي بشارة انه لا يوجد هنا تناقض فقل له: انت كاذب, إذ لا يمكن القول أنا عربي فخور واسرائيلي مخلص في الوقت ذاته. هذا هراء يوجد تناقض هنا وهو ليس تناقضا عقليا, وإنما تناقضا يفرضه الواقع مع ذلك فأنا أعتقد ان دورنا هو تحويل هذا التناقض إلى دافع بناء. يتعين علينا أن نتناول هذا التناقض وأن نجعله قاطرة, قوة دينامية قوية جدا تغير وجه الواقع, السير حتى النهاية في القضية الفلسطينية من جهة, والسير حتى النهاية في القضية المدنية الاسرائيلية من الجهة الأخرى. علينا أن ندفع إلى الأمام قضيتنا والقضية الليبرالية ـ الديمقراطية في الوقت نفسه. لكن من جهة أخرى فإن اغترابي هائل, وهو أساسي تماما, ذلك بأن كل شيء هنا غارق في هذه الرمزية اليهودية التي تنبذني خارجها: آيات من التوراة, والأحاديث عن القدس, وصورة هيرتسل. وأحيانا, في الجلسات الاحتفالية بالذات, أجد نفسي مضطرا إلى أن أتمسك بالطاولة كي لا أنفجر وأصرخ, وإلى أن أتمالك رباطة جأشي. أنا لا أحب من يفسد الاحتفالات. فهذا لا يخلف سوى طعم مر, ولا يغير في الأمر شيئا, لكن هذا صعب علي. أنت لا تتصور كم هو صعب. أما يوم الاستقلال فإنه يوم الخراب لشعبي. وأنا لا أجلس غارقا في حزن الحداد لاني لا أؤمن بالحداد. لكن من الواضح أن هذا لا يشكل بالنسبة إلي يوم عيد, كما اني أعتقد ان كل عربي يحتفل به هو شخص مشوه خلقيا ونفسيا, شخص انفصل عن تاريخه, انفصل عن ثقافته, انفصل عما جرى لشعبه, شخص فقد عموده الفقري القومي والإنساني. وإذا كنت أريد أن أناضل في سبيل أن تكون هنا دولة مواطنين وأن نحظى بالاعتراف كأقلية قومية, فيجب أن أدفع هذا الثمن. ولما سأله الصحفي الاسرائيلي عن عبدالناصر قال بشارة: (على حين غرة ظهر هذا الصوت من الخارج, والذي أنصت إليه الناس, يدوي من المذياع الصغير في قراهم التي لم تصل إليها الكهرباء, في كل أرجاء العالم العربي. وقد قال هذا الصوت اننا جزء من أمة قوية وعظيمة من المحيط إلى الخليج. وكان هذا الصوت ذاته قويا ومدهشا. وفجأة شعرنا بأننا لسنا ذلك الطفل المسكين بل ان لدينا أخا كبيرا يمكن الاعتماد عليه, أخا كبيرا تخافه اسرائيل نفسها خوفا شديدا, ولعله هو الذي سيعلمها الدرس أخيرا. وهكذا فقد تماثلت جدا مع شخصية عبدالناصر وأقواله. وعندما كان عبدالناصر يخطب كان بيتنا, الذي كان فيه التلفار الوحيد في الحي, يبدو كالسينما. ما كانت أمي لتستطيع الاستماع إليه من دون أن تذرف الدموع. وربما مثل من ناحية, نوعا من صلاح الدين بالنسبة إلينا. سايكس ــ بيكو لكن ثمة محاولة اسرائيلية ثابتة تجدها سواء في اليسار أو اليمين لتجاهل وجود أمة عربية واحدة. فأمة عربية واحدة بالنسبة إلى الاسرائيليين, هي الخيار الأخطر. انهم يخافونها ولا يحبونها. بالنسبة لي قبل كل شيء أنا إنساني. من ناحيتي الكل ينبثق من انسانيتي. وأنا ديمقراطي, ليبرالي. وعندما أتحدث عن دولة مواطنين فهذا ليس مجرد وسيلة لمماحكة اسرائيل. أنا أريد, في الواقع, أن تكون الدول العربية دول مواطنين. لكن نعم, أنا أتخذ لنفسي الأوصاف كلها التي ذكرتها. أنا مؤمن بأن الايديولوجيا القومية والهوية القومية والانتماء إلى الهوية القومية شروط ضرورية كي يمر المجتمع بالحداثة. أنا لا أجد أي تناقض بين هذه الأوصاف وبين ليبراليتي وهكذا أنا قومي عربي. نعم, أنا لا أخجل من ذلك. وحين أحاضر في المدارس العربية فهذا ما أقوله للطلاب: لا تخجلوا من كونكم عربا, ولا تحسبوا ان الحداثة هي الاسرائيلية. ذلك بأن هناك حداثة عربية, وهي مثار للفخر والاعتزاز) . هذا هو عزمي بشارة كما بدا وهو يحاول التحدث عن نفسه وعن تصوراته كمثقف مسؤول, ومناضل يسعى من أجل تعميم قيم الحرية والعدالة. أخيرا, وبغض النظر عن اشكاليات الترشيح وملابساته, يمكن القول ان هذه المبادرة السياسية الجريئة هي الخطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي البناء عليها مستقبلا لتعزيز وضع الأقلية العربية في اسرائيل, وفي مجال تحويل هذه الدولة إلى دولة لمواطنيها, وباتجاه تجديد الحياة السياسية للعرب في اسرائيل, في اطار السياق العام للتحولات المطلوبة لتجديد الحياة السياسية على الساحتين الفلسطينية والعربية.