يتزايد في الصراعات المسلحة الداخلية والخارجية هذه الايام استهداف فئات غير متحاربة واشتراك النشطاء غير الحكوميين واتساع الفجوة بين المبدأ والقواعد والقوانين الانسانية ومراعاتها . وأسفر أسلوب الحرب هذا عن زيادة تعرض الفئات المدنية وخصوصا النساء والاطفال والمسنين والمعوقين والمرضى للانتهاكات والاعتداءات والقتل والتشريد. ومن الواضح ان هؤلاء هم اكثر الفئات ضعفا. كما ان الموظفين في مجالات المساعدة الانسانية, ممن يرسلون لتقديم هذه المساعدة الى الذين يحتاجونها, اهداف مماثلة. تبين الاحصاءات ان العقد الاخير شهد خسائر في صفوف المدنيين اكثر من الخسائر التي وقعت في كل الصراعات التقليدية التي نشبت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في سنة 1945. ولعل ما يبعث على السخرية ان تلك الخسائر وقعت في الفترة التالية للحرب الباردة, وهي فترة اعتقد كثيرون بأنها تبشر بقدوم حقبة من الهدوء في شتى بقاع العالم. وقل أو انعدم في بعض الحالات التمييز بين المحاربين وغير المحاربين, وكذلك بين المحاربين, من ناحية, والعاملين في المجال الانساني وحفظة السلم, من ناحية اخرى وتتميز الصراعات اليوم بأنها لم تعد تنشب ــ كما كانت تنشب في القرون المنصرمة ــ في ميادين القتال حيث تواجه الجيوش بعضها بعضا. ان الصراعات المعاصرة ــ بسبب طابعها المدمر وسرعة انتشارها الفائقة وبسبب طابعها الفوضوي والمعقد ــ لا تنحصر في منطقة محددة تماما. وهي تنشب داخل المدن والبيوت وتمس السكان المدنيين. وذكرت مفوضية الامم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ان تسعين في المئة من ضحايا الصراعات المسلحة من المدنيين. ويمكن ان ندرك جسامة اصابة المدنيين اذا عرفنا ان نسبة المدنيين من الضحايا خلال الحرب العالمية الاولى بلغت حوالي 5 في المئة. ويشهد المجتمع الدولي حالة قاتمة تتمثل في حدوث ما لا يقل عن عشرين صراعا مسلحا مستمرا في مختلف بقاع العالم, وخصوصا افريقيا التي تدفع ثمنا باهظا بسبب الصراعات المسلحة الكثيرة الناشبة في اجزاء مختلفة منها. ان المعاناة البشرية والخلل في النظام المدني يمكن ان يكونا نتيجة للصراع وسببا له. ويؤدي بعض هذه الصراعات الى التطهير العرقي والمجاعة الفتاكة والامراض المهلكة. وورد في تقرير برنامج الامم المتحدة الانمائي ــ عن التنمية البشرية سنة 1998 ان الصراعات المسلحة لا تزال تدمر البنية الاساسية الاجتماعية والمؤسسات الحكومية العاملة, وتضعف التضامن على مستوى المجتمع المحلي والتماسك الاجتماعي, وتحول دون تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وقد أحدثت الاسلحة ذات الآثار العشوائية, مثل الألغام المضادة للأفراد, اضرارا جسيمة بالمدنيين وخسائر فادحة في صفوفهم. ويتحدى استخدام هذه الألغام أبسط المبادىء الانسانية. وتجب معالجة مشاكل الالغام الارضية المضادة للافراد ومشاكل انتشار الاسلحة الصغيرة والخفيفة, لأسباب مختلفة من اهمها انها تعيق عودة اللاجئين والمشردين وتعرض للخطر الانتعاش الاقتصادي وتوزيع المساعدة الانسانية وتسهم في عودة العنف. ويجب ان ينفذ حظر نقل الاسلحة حتى يمكن ايقاف تدفقات الاسلحة غير المشروعة الى مناطق الصراع. ومن الباعث على الأسى ان تجنيد الاطفال ــ وهي ظاهرة تتزايد شيوعا ــ يتناسب الى حد كبير مع انتشار الاسلحة الصغيرة والخفيفة. ومسألة الامن البشري مسألة عالمية الطابع وشاملة النطاق. واستهداف المدنيين والعاملين في مجال المساعدة الانسانية يضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي برمته حيال تحد معقد يجب التصدي له على بضعة صعد. لقد اسهمت منظمات دولية مثل مكتب مفوضية الامم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ولجنة الصليب الأحمر الدولية ومنظمة الهلال الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة اسهامات هامة طيلة سنين في مساعدة وحماية المدنيين في حالات الصراع وما بعد الصراع. وعقد مجلس الامن التابع للامم المتحدة جلسات في شهر فبراير 1999 مخصصة لمناقشة موضوع حماية المدنيين في حالات الصراع المسلح, مما يدل على الاهمية التي توليها الامم المتحدة لهذه المسألة. ويجب ان تكون السياسة الحكومية اشد حساسية ووعيا بمشكلة حماية السكان المدنيين. ان عدم الامتثال للمعايير الدولية في الصراعات المسلحة يلقي على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية خاصة عن التعبئة لمكافحة تزايد عدد الضحايا في صفوف المدنيين. ورفاهة الافراد ومجتمعاتهم ينبغي ان تكون اطارا مرجعيا في الجهود الدولية الرامية الى منع الصراعات وحلها. ان جميع المدنيين يحتاجون حماية المجتمع المحلي والمجتمع الدولي ويستحقونها غير ان الاطفال يستحقون اهتماما خاصا. وكما ورد في الوصف الذي قدمه اولارا اوتونو الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة في الجلسة التي عقدها مجلس الامن في 12 فبراير ,1999 وفي تقرير برنامج الامم المتحدة الانمائي عن التنمية البشرية سنة 1998 فانه في العقد الماضي وحده تسببت الصراعات المسلحة في قتل اكثر من مليوني طفل وتيتم اكثر من مليون طفل واصابة اكثر من ستة ملايين طفل باصابات دائمة او خطيرة. وورد ايضا انه اصبح اثنا عشر مليون شخص دون مأوى ويقدر ان عشرة ملايين شخص يعانون من ندوب وازمات نفسية وعاطفية خطيرة. ومن القضايا الجسيمة الاثر التي ينبغي التصدي لها تجنيد الاطفال. وتتفاقم هذه الظاهرة في افريقيا. لقد ورد في بيان اوتونو المذكور اعلاه انه شارك اكثر من 300 الف طفل من الاولاد والبنات بصفتهم محاربين في حوالي ثلاثين حالة صراع. واختطف قسم منهم. والجنود الاطفال يقضون سنين من شبابهم وهم يحملون السلاح في ميدان المعركة. وعند بلوغهم يكونون قد مروا بتجارب الحروب. في هذه الظروف تخسر اجيال من الجنس البشري فرصا ذهبية للتعلم وللاستعداد لمستقبلها الذي يكتنفه الغموض وعند انتهاء الحرب يجدون انفسهم غير حائزين للمهارات التي تكتسب بالتعليم والتدريب والتي تمكنهم من المنافسة في سوق العمل وبذلك يصبحون ضحية للفقر وعالة على المجتمع. وبسبب المشكلات الاقتصادية فإن السكان الذين اصبحوا من اللاجئين والمشردين يعانون من الصعوبات المقترنة باعادة الاندماج فضلا عن عذاب العطش والجوع والانفصال. ويجب ان تتاح لموظفي المساعدة الانسانية الدولية مواصلة عملهم دون تهديد او اعاقة ومعاقبة الذين يعوقون على نحو متعمد عمل اولئك الموظفين.