هناك قاعدة في علم الاجتماع تقول بأن طبيعة المعطيات والظروف المحيطة بالكائن الإنساني, تملي عليه نوع مواقفه وسلوكياته. وتبعا لذلك فإن هذه المواقف والسلوكيات يمكن أن تتغير من فترة إلى فترة, وذلك مع احتمال تغير تلك المعطيات والظروف . هذه المقدمة القصيرة, لها علاقة بمقالة عمران سلمان المنشورة في يوم الثامن من مارس 1999 تحت عنوان (مشاريع ظلمت يوم ظلمت) , حيث تناول الكاتب ظاهرة هامة تتعلق بظهور وانحسار العديد من الشعارات التي شهدتها المنطقة العربية منذ فترة الخمسينات وحتى اليوم. يقول الكاتب: شهدت فترة الخمسينات والستينات وما بعدها, فورة حماس جماهيرية لشعارات الوحدة والثورة والاشتراكية وذلك في معظم أرجاء الوطن العربي, ثم ما لبث الذين عاشوا في تلك الفترة أن رأوا بأنفسهم اخفاق وتراجع تلك الشعارات التي ملأت أسماعهم واستولت على أفئدتهم فترة طويلة. وأنا من جانبي أضيف إلى ما ذهب إليه الأستاذ عمران ــ وهو صحيح ــ ان الأمر لم يقف عند اخفاق أو تراجع تلك الشعارات فحسب, بل ترافق ذلك مع مشاعر هي مزيج من الاحباط وخيبة الأمل وتبخيس الذات, بل واليأس عند الكثيرين من العرب. الأمر الذي ولد حالة من الاحساس بالنقص لدى المقارنة بين ما يدور في الواقع العربي المأزوم, والانجازات وأنواع الأداء الايجابي في مجتمعات وأمم شتى في كثير من أنحاء العالم. وقد كانت النتيجة التي تمخضت عن ذلك كله, فيضا من المرارة والحيرة والتساؤلات التي يحمل معظمها طابع الاستغراب والاستنكار. مثل: ما الذي ينقص العرب كي يكونوا أمة ذات شأن في عالمنا المعاصر؟ ولماذا هم يخسرون في الوقت الذي يجب أن يكون النجاح حليفهم؟ لقد انطلقت دعوات كثيرة, وكتب الكثير في الفترة التي أشار إليها الكاتب, عن ضرورة انتهاج حرب التحرير الشعبية بالنسبة لفلسطين, كما قيل وكتب الكثير عن مبررات الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي والسوق العربية المشتركة, وتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك, والاستثمار على المستوى القومي من خلال المشاريع المشتركة, إلى جانب الدعوة إلى تحرير المرأة واقامة مجتمع العدالة والأخذ بالتكنولوجيا الحديثة والاعتماد على النفس في توفير الغذاء وغير ذلك... لكن ذلك كله لم يتحقق إلا على نطاقات محدودة, والسبب هو ان تلك الشعارات والأهداف التي طرحت في تلك الفترة, كانت أكبر بكثير من المعطيات والامكانيات المتاحة على أرض الواقع العربي. هذا إذا لم نأخذ بالاعتبار الأوضاع الدولية والاقليمية المعقدة التي كانت تتجاذب الأقطار العربية. وهكذا بدلا من تحرير فلسطين ضاع ما تبقى منها في الضفة الغربية وقطاع غزة, اضافة إلى احتلال أجزاء هامة أخرى من الأرض العربية. ولا حاجة إلى الحديث عما آلت إليه شعارات الوحدة العربية والاشتراكية والدفاع المشترك والسوق العربية المشتركة والتقدم التكنولوجي وغير ذلك من طموحات نبيلة, فصورة الواقع العربي في الفترة الراهنة تغني عن كل شرح. فورة شعار الديمقراطية يشير عمران سلمان في مقالته الآنفة الذكر, إلى انه بعد اخفاق الشعارات والمشاريع العربية التي شهدتها حقبة الخمسينات والستينات وما بعدهما, بتنا نشهد اليوم فورة حماس عربي من نوع آخر, هي فورة الديمقراطية هذه المرة. حيث يتم عرضها على أساس انها حلالة المشاكل, والسبيل إلى القضاء على عيوب المجتمع كافة. وهي الطريق إلى التقدم واللحاق بركب الحضارة. بها يتحقق كل شيء, وبدونها لا معنى لأي شيء... إلخ. وهنا نود القول بأن الأمور مرهونة دائما بأوقاتها, فمثلا خلال الخمسينات والستينات التي شهدت التحرر الوطني من الاستعمار, وشهدت العديد من المؤشرات على ان الجماهير العربية تستطيع الضغط من أجل قيام وحدة عربية, وبالتالي قيام مجتمعات عربية متقدمة وعادلة, كان من الطبيعي ان ترفع الشعارات وان تطرح المشاريع المختلفة انسجاما مع اشكال الحماس الجماهيري في تلك المرحلة, اما لماذا لم تترجم تلك الشعارات الى حقائق ملموسة, ولماذا لم تنجح المشاريع القومية, فقد المحنا الى الاسباب انفا. واليوم في ظل الحقائق الجديدة التي برزت بعد انتهاء الحرب الباردة, وفي ظل انتصار الديمقراطية الغربية التي بات الجميع يسعى الى الاخذ بها, فان من الطبيعي ان تتفاعل الاقطار العربية مع شعار الديمقراطية المطروح حاليا على الساحة العالمية, علما بأنه يجب التعامل مع هذا الشعار بعقلانية وتبصر... فالحماس وحده لا يكفي.. ولكن الطموح الى الديمقراطية هو امر مشروع. ويتابع الكاتب قائلا: واذا اطال الله في اعمار مريدي الديمقراطية فقد يشهدون اخفاقات المشروع الديمقراطي على الارض العربية, طالما ان طريقة التعامل معها, هي الطريقة عينها التي عوملت بها مشاريع الوحدة والاشتراكية.. الخ. والواقع ان المرء يتفهم اسباب تحفظ الكاتب علي فورة الحماس العربي للديمقراطية.. فهذا الحماس اذا لم يترافق مع توفير المناخ اللازم لقيام الديمقراطية ونموها, فان هذا الشعار سوف يلحق بغيره من الشعارات التي كانت اقرب ما تكون الى الاحلام, ومن الشروط او العوامل التي تساعد المجتمع العربي على اقامة الديمقراطية, تحرك هذا المجتمع نحو الأخذ بأسباب النهوض الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي, ووضع الضوابط التي تحكم انماط السلوك والممارسات على كافة المستويات. اضافة الى ان مصطلح الديمقراطية لا يشبه حبة الدواء التي ما ان يأخذها المريض حتى يشفى, بل ان عملية اشاعة الديمقراطية في المجتمعات العربية يجب ان تتم شيئا فشيئا, الى ان يشعر الجميع بأنها ضرورة لا يمكن التخلي عنها.. وعلى الذين يبالغون في قدرات الديمقراطية (السحرية) على حل جميع مشاكل الفرد والمجتمع, ان يخففوا من مقالاتهم, فالديمقراطية حتى تظهر, لابد ان تمر بمخاض عسير وطويل, مع ضرورة الاشارة الى ان بعض القوى الدولية ترى في قيام أية ديمقراطية في العالم النامي خطرا على مصالحها.. وعلى هذا فإنه ليس من المستبعد ان تعمد تلك القوى الى تشويه ديمقراطيات العالم النامي وتحويلها الى نقمة بدلا من ان تكون نعمة, اذا لم تكن محصنة بالوعي والارادة. لقد وضع عمران يده على حقيقة هامة, حين ذكر ان الانسان في النهاية لا يستطيع ان يحيا دون هدف أو غاية تحرك سلوكه وتوجهه, لكن المشكلة تنشأ حين يغلب الحلم أو رغبة الخلاص على الامكانيات الواقعية لأي مشروع, حينها تتحول الأشياء الى نقائضها, وتتبدد الغايات النبيلة من حولها, ليحل محلها السعي الى الغلبة والاستئثار والحصول على المنافع الشخصية والغنائم. إن ما قاله الكاتب لا يحتاج الى براهين للدلالة على صحته. ولكن بالرغم من كل شيء, فإن التفاؤل بمستقبل عربي واعد لا يعد أمرا دون أساس. وذلك في ضوء المتغيرات الدولية والاقليمية المتسارعة في كافة الاتجاهات, وفي ضوء توقع رد فعل عربي مناسب, على التحديات التي تهدد حاضرهم ومستقبلهم واستقلالهم وحرية قراراتهم, تلك التحديات التي باتت تتصاعد بوضوح وضوح الشمس. نشكر الكاتب عمران سلمان على ما جاء في مقالته من توصيف حي لما يختلج في النفس العربي. وشكرا لجريدة (البيان) . كاتب سوري