يستاءل بعض السياسيين والكتاب البريطانيين عن سبب اندفاع حكومة توني بلير وحماسها الشديد للمشاركة في العدوان الأمريكي على العراق . وفي معرض إجابتهم يعرضون لبعض الأسباب, مثل حاجة بريطانيا الى تأكيد العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة, ومثل إن بريطانيا تريد العودة الى المنطقة العربية وان كذيل لواشنطن, فهذا بالنسبة إليها افضل من لاشيء. في حين يذهب آخرون الى أن السبب قد يكون وجود صفقة بين بلير وكلينتون تقضي بان تؤيد واشنطن خطة السلام البريطانية في ايرلندا, مقابل دعم لندن للولايات المتحدة ضد العراق. وأيا تكن وجاهة هذه الأسباب, وهي تبدو في مجملها معقولة جدا, إلا أنها لا تفسر مع ذلك كل التحركات البريطانية المحمومة. فلندن لا تكتفي مثلا بتقديم دعم سياسي في مجلس الأمن لخطط الولايات المتحدة, أو تقديم بعض الطائرات وبضعة آلاف من الجنود لدعم العمليات العسكرية في المنطقة. ما تقوم به بريطانيا يندرج في خانة الشريك الفعلي والحقيقي. وفي أحيان كثيرة تتصرف كما لو كانت المالك الأكيد لملف الأزمة العراقية. ولنتمعن في التصريحات المختلفة التي يدلي بها المسؤولون البريطانيون من حين الى آخر والموجهة ضد العراق, كي نتبين ان ثمة ما هو أكثر من مجرد شراكة عادية بين لندن وواشنطن. وعلى قدم المساواة مع أعضاء الادارة الأمريكية الذين يجوبون منطقة الخليج لحشد الدعم لسياستهم, كذلك يفعل البريطانيون. ومؤخرا قام وزير الدفاع جورج روبرتسون بزيارة أربع دول خليجية لإنجاز ما فشل فيه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية مارتن انديك. وفيما كان الوزير البريطاني يصل المنطقة, كان رئيس الحكومة بلير وقبيل توجهه للاردن للمشاركة في تشييع جثمان الملك حسين, يزعم في حديث للاذاعة البريطانية بوجود تفهم أوسع في بقية دول المنطقة للعدوان الأمريكي البريطاني على العراق. ولا ننسى بان بريطانيا هي من بدأت لملمة بعض المجموعات التي تطلق عليهم لندن وواشنطن اسم المعارضة للنظام في بغداد. وقام وزير الدولة للشؤون الخارجية ديريك فاتشيت بعقد سلسلة لقاءات مع هؤلاء في مقر وزارته. واذا كان يمكن فهم طبيعة التوجهات الأمريكية الحالية تجاه العراق, انطلاقا من كون الولايات المتحدة قوة عظمى لها مصالح في المنطقة تريد حمايتها. ومن ثم فإنها تتصرف وفق استراتيجياتها الخاصة النابعة من إمكانياتها وموقعها على الخارطة الدولية. فان بريطانيا التي خرجت رسميا من منطقة الخليج مطلع السبعينات, ولم تعد منذ ذلك الوقت قوة مؤثرة, ليس فحسب على صعيد المنطقة وانما في العالم أيضا. ومن ثم لا يمكن للفرد أن يجد أي خيط معقول يمكن معه ربط السلسلة البريطانية أو معرفة بداياتها ونهاياتها. وهذا بدوره يضفي المزيد من التعقيد أمام فهم طبيعة سياسة لندن العدوانية تجاه العراق! هل يحركها الحافز المالي المرتبط بصفقات السلاح, أم الحافز السياسي المرتبط باعادة ولو قدر ضئيل من النفوذ المفقود! اعتقد شخصيا أن لتاريخ العلاقة بين العراق والاستعمار البريطاني تأثير هو الآخر في هذا الجانب.. تأثير نفسي وآخر سياسي. إننا لا يجب أن ننسى على أية حال بان خروج بريطانيا النهائي من العراق قد تم في اعقاب ثورة تموز ,1958 وهي تميزت بقدر من الحماس الثوري والدموية, وقبلها قاوم العراقيون الاستعمار البريطاني حتى النهاية. وحين ننظر الى ما يفعله أو يقوله سياسيو لندن الان ضد العراق والعراقيين, فانه لا يمكن إلا أن يشم من ذلك بعضا من روح الانتقام والثأر الاستعماريين.