احدى المشاكل الاساسية في الحياة السياسية العربية انها تعيش في الماضي بأكثر مما تعيش في المستقبل, وأنها تهتم بأخذ الثأر اكثر من اهتمامها بشق الطريق الى استعادة القوة المفتقدة والرؤية الصحيحة . وربما كانت التغييرات الهائلة والمتلاصقة سببا في مضاعفة حروب القبائل هذه في الحياة السياسية العربية. فخلال نصف القرن الاخير شهد العالم العربي ما لم تشهده دول اخرى في مئات السنين. وفي بلد مثل مصر ــ بكل تأثيراتها على المنطقة ــ انتقلت مصر من حكم اسمه محمد علي الى ثورة يوليو بكل اطوارها من الناصرية الى الساداتية الى الموقف الحالي الذي يتجاوز فيه الجميع ولا يتحاورون, وتشتعل حرب تصفية الحساب وأخذ الثأر على مدى سنوات لتلتهم ما تبقى من الحيوية في الحياة السياسية. والطرف الاساسي في هذه الحرب السياسية هو التجربة الناصرية, والتي شهدت بعد رحيل عبدالناصر اعنف هجوم من أجل تصفية كل آثارها وتشويه كل منجزاتها. ووسط الحملة الشرسة التي قادتها امريكا في هذا الاتجاه والتي كانت تستهدف ضرب الفكرة القومية من أساسها, وتمهيد الطريق لعزل مصر عن محيطها العربي وفرض السياسات الامريكية على المنطقة, ووسط الصراع بين السادات بتوجهاته الجديدة والقوى القومية واليسارية في مصر والعالم العربي, كان لابد من اطلاق العنان لأبشع حملة لتشويه يوليو, وكان طبيعيا استثمار القوى التي اصطدمت بعبدالناصر وفتح المجال امامها لتشارك في الحملة الهائلة. وهكذا بدأت حرب تصفية الحسابات من جانب فلول حزب الوفد, ومن جانب الاخوان المسلمين, ومن جانب بعض الشيوعيين وان كانت ظروف الصراع في مصر ــ الوطن العربي قد قللت من هذا التوجه عند الاخيرين, بل ان هذه الظروف فرضت على جميع القوى القومية واليسارية ان تتغلب على خلافاتها لتواجه الهجمة الامريكية الشرسة, وتعارض التوجهات الجديدة, وتشارك في مقاومة السياسات الجديدة للسلطة الساداتية في السبعينات, وتعارض كامب ديفيد وتتمسك بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت في ظل ثورة يوليو. في ظل هذا المناخ كان صعبا ان تمارس القوى الناصرية النقد الذاتي الا في حدود ضيقة, وكان الدفاع عن ثورة يوليو ومنجزاتها مهمة قومية ضرورية في وجه الحملة الشرسة والمشبوهة عليها. وكانت ابواب الحوار مغلقة بين تيارات سياسية موجودة وفاعلة على الساحة في مصر والعالم العربي. الآن.. يبدو الموقف مختلفا الى حد كبير.. فالوضع المأساوي الذي تعيشه الامة العربية جعل الجميع يؤمنون بان مهمة الخلاص تستدعي حشد كل الجهود وتجميع كل الطاقات وتجاوز المحنة اصبح يستدعي الدراسة الموضوعية لتجارب الماضي, ليدرك كل فريق اين أخطأ وأين اصاب, وكيف نستفيد من ذلك لنستعيد القدرة على ان نحلم ونعمل ونقاتل لنحقق ما نحلم به. ثم ان اجيالا جديدة قد خرجت للعمل السياسي وهي لا تحمل هم المشاركة في حروب القبائل السياسية, ولم تشهد لحظات الصدام العنيف بين فصائل العمل الوطني, وانما تشهد الازمة التي يعيشها الوطن العربي, وتحلم بالخلاص, وتسعى لامتلاك ادواته في مناخ جديد لابد ان يدرك فيه الجميع ان أحداً لا يملك وحده الحكمة كلها, وان الحقيقة بنت الحوار, وان النضال ضد الظروف القاسية التي تمر بها الأمة يتسع لجهد الجميع.. بل ويستلزم وجودهم ومساهمتهم. في ظل هذه الظروف, ومع شعور تزايد بأن حصار العمل السياسي لا يمكن ان يستمر, وأن التطور الطبيعي سيفرض وجوده, ولغة العصر ستلزم الجميع بالديمقراطية الصحيحة, يصبح على كل فصيل سياسي ان يراجع موقفه وان يتحسس طريقه الى المستقبل ويستعد لمرحلة جديدة مقبلة.. شئنا ام ابينا. مرحلة صعبة وحاسمة في تاريخ الامة لا نملك طرف الهزيمة فيها, لان الهزيمة هنا تعني النهاية.. فعلاً وليس مجازاً. والمراجعة المطلوبة من كل فصيل سياسي لابد ان يكون لها اكثر من وجه, وان تمتد لاكثر من ميدان. هناك اولا مراجعة تجارب الماضي ليس بهدف سجن النفس في إطار هذا الماضي, وانما للتعرف على مواضع الخلل في التجربة, ومواقع الخطأ في الرؤية.. وبالتالي فتح الطريق للتصحيح, وإطلاق كل القوى القادرة على التجديد والابداع لمواجهة الظروف الجديدة.. والخطيرة. وهناك ثانيا الحوار المطلوب داخل كل فريق اولا, ثم بين الفرقاء جميعا للوصول الى ارضية مشتركة قادرة على حشد كل الجهود لتجاوز الازمة, ولا نقول لاقتحام القرن المقبل.. بعد ان اصبح هذا التعبير مبتذلا عندنا بسوء الاستخدام والاستدلال, وبعد ان اصبحت الخشية الان الا نكون قادرين على اقتحام القرن الذي مضى!! في هذا الاطار, تصبح كل خطوة ولو صغيرة على هذا الطريق علامة صحة ودليلا على الرغبة في تجاوز المحنة واسترداد العافية. ومن هذه الخطوات التي شهدتها القاهرة اخيرا تلك الندوة التي انعقدت تحت عنوان (نقد التجربة الناصرية) والتي كانت باكورة اعمال منتدى فكري قومي جديد اقامه عدد من الناشطين السياسيين الناصريين. والعمل بالطبع في بدايته, والفكرة تحتاج لجهد فكري وسياسي هائل, ولكن ما يهمنا هنا ان نقد التجربة من الداخل قد أصبح مطروحاً, وان النقاش حول القضايا الكبيرة لم يعد يزعج احداً, وان القبول بالرأي الآخر قد اصبح حقيقة واقعة. وهذا كله امر جيد اذا احسن الاعداد له والتعامل معه. في هذه الندوة تمت مناقشة اوراق عن علاقة الناصرية بالاخوان المسلمين والوفد والماركسيين.. وكل قضية من هذه القضايا تحتاج لندوات وليس لندوة واحدة, ولذلك بدا الامر وكأنه اعلان للنوايا اكثر منه مناقشة حقيقية. اعلان بالنوايا على أن كل شيء في التجربة الناصرية قابل للنقاش والمراجعة لاستخلاص الدروس وبناء الاساس السليم لنهضة مقبلة. والأهم من علاقة الثورة بهذه الفصائل السياسية, هو مناقشة الاساس الفكري للتجربة الناصرية من جوانب عديدة, بعضها يتعلق بالماضي, وبعضها يرتبط بالحاضر والمستقبل. نظرة عبدالناصر الى تجربة محمد علي مثلا كانت موضع نقاش وخلاف. فالنظرة في مجملها كانت سلبية ربما بسبب ان ثورة يوليو قامت لخلع اسرة هذا الحاكم الذي جاء من ألبانيا الى مصر ليحدث تحولات هائلة, وليمر بتجربة شبيهة بتجربة عبدالناصر مع خلافات عديدة وأساسية. فقد جعل من مصر دولة حديثة وحاول ان يفصل العالم العربي تحت قيادته عن الامبراطورية العثمانية, وحارب وانتصر حتى تحالفت اوروبا عليه وهزمته. انه عند البعض باني مصر الحديثة, وهو عند البعض الاخر مغامر قتله طموحه الفردي, وبنى دولته على الاحتكار والسخرة, صحيح انه بنى الجيش وارسل البعثات التعليمية وانجز الكثير من الاصلاحات, ولكنه كان يقيم دولته له ولأبنائه, وليس لصالح الشعب الذي ظل يقاسي من الحرمان والجوع. وهذا هو الفارق الجوهري بين تجربته وتجربة عبدالناصر. ايضا كانت نظرة عبدالناصر الى ثورة 19 موضع نقاش. وكذلك تجربة احزاب ما قبل الثورة والتي يرى البعض انها لم تكن كلها سيئة. وان الوفد على وجه الخصوص تحمل عبء النضال الوطني في مرحلة صعبة, وهذا صحيح. ولكن هذا النضال انتهى لظروف كثيرة بالافلاس قبل ثورة يوليو, بعد ان تسلمت القيادة فئة من الباشاوات المدافعة عن مصالحها, فنشرت الفساد داخل الحزب وداخل الحياة السياسية, وهادنت القصر على فساده, وذلك كله لا ينفي الدور الوطني الذي قام به حزب الاغلبية قبل الثورة, ولكنه يؤكد ان الفصيل المتقدم داخل الحزب والمتمثل في الطليعة الوفدية الشابة كان جريمة هائلة في حق الوطن كله. الأهم من ذلك كله هو النقاش حول المبدأ الذي حكم التجربة الناصرية والقائم على ان الثورة هي الطريق الوحيد للتغيير. وقد كان ذلك طبيعيا بعد تغيير ثوري قام به الجيش المصري في 23 يوليو 1952. وبعد ان فشلت تجربة احزاب ما قبل الثورة في النهوض بمتطلبات النضال الوطني في هذه المرحلة.. فلا هي نجحت في القضاء على الاستعمار, ولا في مواجهة السرطان الاسرائيلي الذي تم زرعه في المنطقة, ولا هي اقامت ديمقراطية حقيقية, ولا هي حققت نوعا من العدل الاجتماعي. كانت الثورة امرا محتوما في هذه المرحلة, وبدونها لم يكن من الممكن ان يحدث تغيير حقيقي في المجتمع.. فماذا الان؟. هل تظل الثورة هي طريق التغيير, ام ان صندوق الانتخابات يمكن ان يقوم بالمهمة؟ واذا كان من الممكن ان يكون العمل الديمقراطي هو الطريق للتغيير.. فما هي الشروط التي لابد ان تتوافر حتى لا يتحول الامر الى ديمقراطية شكلية يختفي تحتها الفساد ويتم من خلالها خداع الناس فتكون النتيجة افلاس التجربة الديمقراطية وضياع الفرصة الحقيقية للتغيير من خلالها؟ والأسئلة كثيرة, والاجابات الجاهزة غير موجودة, وهذه احدى فضائل الحوار الذي نرجو ان يمتد ويتعمق. فالمهمة ليست سهلة, والخروج من الأزمة العربية الراهنة لن يتم بالنوايا الحسنة وحدها.. وإنما بالعمل الجاد على كل المستويات السياسية والفكرية, ويحتاج للثقة بالنفس والإيمان العميق بقدرة الامة على التوحد في وجه الخطر, وعلى الحوار والتواصل بدلا من حروب القبائل, وعلى ابداع طريقها الخاص لصنع المستقبل.. فهل نفعل؟ ان اعظم ما في تجربة عبدالناصر انها بعد ما يقرب من ثلاثين عاما من رحيله ومن الحرب الشرسة عليها.. مازالت حاضرة في عقل ووجدان الامة العربية. وأعظم ما نقدمه للتجربة العظيمة ان نناقشها وندرسها ونأخذ منها ونضيف اليها, وان نثبت انها مازالت البوصلة التي تهدي الى طريق الوحدة والحرية والعدل.. ولو كره الكارهون لهذه الامة.