احدى القضايا المثارة في تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي, هي قضية العلاقة بين الحرية والمسؤولية او بين الحرية الفردية والنظام العام , ومفاد ذلك, ان حرية الانسان تنتهي عندما تبدأ حرية انسان آخر, فنحن نعيش في مجتمع, وأحد الاركان التي يستند اليها استقرار اي مجتمع هو وجود القوانين والاعراف والتقاليد, التي تنظم العلاقات بين البشر, والتي تضمن الحقوق المتبادلة بينهم ومن ثم, فإنه ليس من حق احد ان يكون في ممارسته لحريته اغتصاباً من او عدواناً على حريات الآخرين, يرتبط بذلك, العلاقة بين حق الفرد في ممارسة حريته من ناحية, ومسؤوليته تجاه ما تواضع عليه المجتمع من قيم واعراف وتقاليد, وهو ما يسمى عادة بالنظام العام من ناحية اخرى. فإذا كان واجب المجتمع ان يوفر لابنائه المناخ المناسب والبيئة التي تمكنه من ممارسة حريته, فإن على الفرد واجب ومسؤولية الا يكون في ممارسته لهذه الحرية خروج على ما يعتبره المجتمع من مقدساته ومحرماته. والقضية لها اكثر من جانب, فالبعض يركز على جانب حرية الفرد, باعتبارها مصدر التجديد والابداع في المجتمع, وباعتبار ان ممارستها تمثل نوعاً من النقد الاجتماعي وكشفاً للاخطاء او جوانب القصور التي يعاني منها مجتمع ما, حتى لو كان في هذه الممارسة احياناً ما يصدم العقل او يثير الدهشة من ناحية ثانية, ركز آخرون على ان ممارسة الحرية الفردية ينبغي ان تكون في اطار النظام العام, والذي هو صمام الامن والاستقرار الاجتماعي والنفسي لاي شعب او جماعة, وان ممارسة هذه الحرية لا ينبغي ان تقود الى الفوضى او الى تشكيك المجتمع في عقائده ومسلماته الدينية او الوطنية والقومية, وبالطبع, هناك الفريق الثالث, الذي سعى للتوفيق بين الاتجاهين, وركز على ضرورة احداث التوازن بين الفرد والمجتمع وبين الاستقرار والتجديد. ومناسبة هذا الحديث, هو الحكم الذي أصدرته احدى المحاكم الامريكية بمدينة فيلاديلفيا, والذي اوقفت فيه العمل بقرار للرئيس كلينتون يتعلق بالترويج لاخبار او صور تخدش الحياء العام عبر شبكة المعلومات العالمية (انترنت) , فعقب عدد من هذه الممارسات الخادشة للحياء, اصدر كلينتون قرارا يعتبر فيه هذا السلوك جريمة تصل عقوبتها الى السجن لمدة عامين, ولكن المحكمة اعتبرت ان هذا القانون يمثل تعديا على الدستور الامريكي الذي يضمن حرية التعبير. وتضمنت عريضة الدعوى التي دعت لالغاء هذا القانون عددا من الحجج, مضمونها ان القانون لم يعرف مفهوم (خدش الحياء) , ولم يقدم معاييرا واضحة لانماط السلوك التي تدخل في اطاره, وانه سعى لفرض قيود على استخدام الانترنت تماثل تلك التي تنظم البث الاذاعي والتلفزيوني, وانه ليس من الصحيح معاملة الانترنت على قدم المساواة مع اجهزة الاعلام الجماهيري, وانه من الافضل ان يكون لها ما للمطبوعات والكلمة المكتوبة من وضع قانوني, وان القوانين القائمة بالفعل في المجتمع الامريكي, والتي تجرم التشهير او القذف او الطعن في شخصية الآخرين, تحول دون الانحراف بحرية التعبير عن مقصدها وهدفها. وكان في مقدمة الهيئات التي تبنت هذا الرأي جمعية المكتبات الامريكية, والتي تضم بين اعضائها ثمانين الف مكتبة, اذ خشيت ان تطبيق القرار الذي اصدره كلينتون قد يكون من شأنه وقوعها تحت طائلة القانون, اذا ما تضمنت الكتب او المطبوعات التي يتم تداولها على الانترنت ما يخدش الحياء, نفس الموقف تبنته الجمعية الامريكية للصحافة, والتي ذكر محاموها ان بعض المواد التي تنشرها الصحف سوف يتم تجريمها, اذا ما تم بثها علي الانترنت وفقا لذلك القرار. وكان موقف المحكمة مؤيدا لتلك الدعاوى, وكان حكمها, ان هذا القرار يتعارض مع الحق في التعبير الذي كلفه الدستور الامريكي, ومع ان محامي الحكومة حاول ان يبين الفارق بين الصحافة والانترنت, وان شبكات المعلومات يتزايد انتشارها وتوزيعها بشكل مطرد, مما يجعل من الضروري اصدار قواعد لتنظيم بث المعلومات والصور من خلالها, وبالذات تلك المتعلقة بالامور الخاصة بالجنس, الا انه فشل في اقناع المحكمة بهذا الرأي. ومع ان هذا الموضوع يتعلق, من حيث اطرافه بالولايات المتحدة, اي بقرار اصدره الرئيس الامريكي وابطلته محكمة امريكية, الا ان تداعياته وتأثيراته لها طابع دولي. ذلك ان 60% من المواد التي يتم نقلها عبر شبكات المعلومات في العالم يتم ضخها من داخل الولايات المتحدة. ويقدر عدد المستخدمين لشبكة الانترنت باكثر من اربعين مليون شخص. في 160 دولة عبر ارجاء المعمورة, وهكذا فمع ان الموضوع امريكي الا ان آثاره سوف تلحق بنا جميعا. والحقيقة ان شبكة الانترنت تثير كثيرا من القضايا المتعلقة بالحرية فالانترنت هي فضاء مفتوح وحر, اذ يستطيع اي انسان او شركة او اي مجموعة لها معتقداتها الدينية او السياسية او الاجتماعية ان تبث ماتعتقد فيه الانترنت فهذه الشبكة لايملكها احد ولايحتاج الانسان الى اذن او تصريح من دولة او هيئة للدخول على الشبكة ووضع مايريد من معلومات او بيانات عليها, وما اكثر المعلومات الخاطئة او الشاذة الموجودة على الانترنت, فاصحاب الافكار الغريبة والمستهجنة لهم صفحات على الشبكة والاتجاهات السياسية المعارضة لهذه الدولة او تلك تستطيع ان تجدها ايضا على الشبكة وهو الامر الذي دفع بعض البلاد الى ابتداع اساليب تكنولوجية لمنع بعض المواد التي تسيء الى الاخلاق العامة, او التي تنتهك المعتقدات الدينية, من الدخول في بلادها. ويستمر الحوار والجدل بين انصار الحرية وانصار المسؤولية. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة