بسبب موقعها المتميز والخاص بالنسبة للديانات السماوية الثلاث, تمت معالجة قضية القدس في الامم المتحدة في العام 1947 كجزء من القضية الفلسطينية الام معالجة خاصة, وفي الفقرة الخاصة بالقدس, نص القرار 181 الذي قضى بتقسيم فلسطين الى دولة يهودية واخرى عربية, بوضع المدينة بشرقها وغربها تحت ادارة دولية , مع وقوع حرب 1948 احتلت اسرائيل القسم الغربي من المدينة, وبقي القسم الشرقي في يد الاردن, لكن الموقف الدولي من موضوع القدس بقي على حاله من تدويل المدينة, الذي حظي بموافقة القوى الكبرى بمن فيهم الولايات المتحدة الامريكية. وباستثناء الموقف المبكر للولايات المتحدة من تدويل القدس, الذي حظي بموافقة امريكية, فإن الموقف الامريكي من القدس قد شابه الغموض بعد تحرير قرار التقسيم في الامم المتحدة لان هذا التأييد لم يستمر طويلا, فبعد وقت قصير عارضت ادارة الرئيس الامريكي هاري ترومان قرار تدويل المدينة, لاسباب تتعلق بالانتخابات الامريكية, ومحاولة من الرئيس ترومان جذب الاصوات اليهودية الامريكية لدعمه في الانتخابات الرئاسية, واعتبرت الادارة الامريكية ان حل التدويل حل غير قابل للتحقيق وغير عملي, لافتقاده قوة تنفيذية قادرة على فرض هذا القرار على الاطراف. ما ان احتلت اسرائيل القدس الغربية في العام 1948, حتى اعلنتها عاصمة لدولة اسرائيل, وطلبت من الامم المتحدة الاعتراف بالقدس كعاصمة لها, ولتعزيز وضع القدس كعاصمة للدولة العبرية, قامت اسرائيل بنقل الدوائر الحكومية من تل ابيب الى القدس, وذلك لفرض الامر الواقع على الدول الاخرى واجبارها على التعامل الواقعي مع المدينة بوصفها عاصمة اسرائيل, لكن ادارة الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اعتبرت عملية نقل الوزارات الاسرائيلية بما فيها وزارة الخارجية عملا استفزازيا من الطرف الاسرائيلي مناقضا للاعراف والمواثيق الدولية, وقد ابلغ طاقم السفارة الامريكية في اسرائيل بعدم تطبيق قرار الانتقال, ولم يمض وقت طويل على هذا الموقف الامريكي بشأن القدس, حتى قام السفير الامريكي في العام 1955 بتقديم اوراق اعتماده في القدس, وكأن الموقف السابق للرئيس ايزنهاور لم يكن له وجود. وبعد احتلال اسرائيل للقدس الشرقية في العام 1967, انضمت الولايات المتحدة للمجتمع الدولي باعتبار القدس اراض محتلة, وقال سفير الولايات المتحدة في الامم المتحدة تشارلز بوست في العام 1969 ان الولايات المتحدة تعتبر (القدس منطقة محتلة, وتاليا تخضع لنصوص القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق الدولة المحتلة ومسؤولياتها) , وقد كرر جورج بوش السفير الامريكي للامم المتحدة الموقف في العام 1971, واكد على الموقف السابق, وندد بعدم التزام اسرائيل بمسؤولياتها وفقا لميثاق جنيف, وحذر من اثر ذلك على الوضع المقبل للقسم المحتل من القدس. وبقي الموقف الامريكي على حاله خلال السبعينات وفي العام 1980 حاول الرئيس الامريكي جيمي كارتر استخدام اسلوب التهديد مع اسرائيل, فطلب من السفير الامريكي في الامم المتحدة جاك هنري تأييد القرار 465 الذي يعتبر بناء المستوطنات عملا غير شرعي, خصوصا في منطقة القدس, مما عرضه لحملة واسعة من انصار اللوبي اليهودي في امريكا, الامر الذي اضطره للتراجع, وتكرر الموقف في العام 1990 مع الرئيس الامريكي جورج بوش, عندما طلبت الادارة الامريكية من اسرائيل ضمانات بعدم توظيف ضمانات قروض عشرة مليارات دولار طلبتها اسرائيل من الولايات المتحدة من اجل استيعاب المهاجرين اليهود السوفييت في الاستيطان في الاراضي المحتلة, وقد اختلفت اسرائيل والولايات المتحدة على معنى (المناطق المحتلة) , وقد اوضح الرئيس بوش موقف بلاده, واعاد التأكيد على التزام الولايات المتحدة القرارات 181 و194 و303 للامم المتحدة, مما عرضه الى حملة شرسة من اللوبي اليهودي وانصار اسرائيل في امريكا, اجبرت الادارة الامريكية على التراجع عن موقفها, واضطر جون سنونو مستشار الرئيس بوش المقدسي الاصل, والذي ركزت عليه الحملة على الادارة الامريكية الى اصدار بيان قال فيه (ان الولايات المتحدة تؤيد القدس موحدة على ان يحدد وضعها النهائي مستقبلا عن طريق المفاوضات) . مع ادارة بوش بدأ الموقف الامريكي الذي شابه الغموض منذ قرار التقسيم, يترك مكانه لموقف اكثر وضوحا واكثر انحيازا لموقف اسرائيل, فلم تفرض ادارة الرئيس بوش ولا ادارة كلينتون التي اعقبتها اي استقطاعات من ضمانات القروض على المبالغ الموظفة للاستيطان في القدس, وفي جولات التحضير لمؤتمر مدريد التي قام بها وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر, طلب تأجيل البحث في موضوع القدس الى مفاوضات الحل النهائي, بحكم التمترس الاسرائيلي الرافض لاي مفاوضات حول المدينة, وهددوا بالانسحاب وعدم المشاركة في المؤتمر اذا طرح موضوع القدس على طاولة المفاوضات, وقد نصت رسالة الضمانات التي قدمها بيكر للفلسطينيين في العام 1991 على ضرورة عدم (تقسيم القدس مرة اخرى) واقرار وضعها من خلال المفاوضات بعيدا عن قرارات الامم المتحدة. وكان الموقف الامريكي الاكثر وضوحا مع ادارة الرئيس كلينتون, الذي صاغ موقفا اكثر انحيازا الى اسرائيل, ففي العام 1995, وبعد توقيع اتفاقات اوسلو التي نصت على انه لايمكن لاي من الطرفين (الفلسطيني والاسرائيلي) ان يقوم بعمل من شأنه التأثير على الوضع النهائي للمدينة, واستباقا لمفاوضات الوضع النهائي, قامت حكومة رابين بمصادرة 53 هكتارا في القدس الشرقية, وتم رفع القضية الى مجلس الامن الذي تبنى موقفا معتدلا, اسقطه الفيتو الامريكي, الذي بررته مادلين اولبرايت السفيرة الامريكية لدى الامم المتحدة بقولها (اننا لم نصوت ضد القرار لاننا نؤيد مصادرة اسرائيل اراضي القدس, ولكن حكومتي اضطرت الى معارضة القرار لان المجلس سعى الى ان يقول رأيا في الوضع الدائم للقدس, بينما يتحدد هذا في المفاوضات بين الاطراف المعنية بالقضية) . تزامن هذا الموقف مع قرار الكونجرس الامريكي بنقل السفارة الامريكية الى القدس, والذي حاز على اغلبية ساحقة 93 ضد خمسة اصوات, ونص القانون على ابقاء مدينة القدس موحدة والاعتراف بها عاصمة لدولة اسرائيل وقرر نقل السفارة الامريكية في موعد لا يتجاوز 1999/5/31 الى القدس. وقد عارضت الادارة الامريكية اصدار القانون, لكن الرئيس الامريكي لم يلغ قرار الكونجرس, وعمليا اصبح قرار الكونجرس ملزما للادارة الامريكية وترك لها موعد تنفيذه. وانسجاما مع ما وصلت اليه المواقف الامريكية من اقتراب من المواقف الاسرائيلية بشأن الاراضي المحتلة, اخذت اولبرايت منذ كانت سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة بوصف قرارات الامم المتحدة بأنها (تجاوزتها الاحداث) , وباستبعاد قرارات الامم المتحدة من المفاوضات, تم التسليم بان الحل هو ما ستسفر عنه المفاوضات, بصرف النظر عن انسجام نتائج المفاوضات او عدم انسجامها مع الشرعية الدولية, وفي ظل موازين قوى مختلة لصالح اسرائيل وغياب الشرعية الدولية عن الحل, فإن الولايات المتحدة تكون قد سلمت اسرائيل كل مفاتيح الحل, لتنجز التسوية التي تريد على حساب الفلسطينيين, لذلك صمتت الولايات المتحدة عن اجراءات البناء الاستيطاني الواسعة في مدينة القدس, والاجراءات الاسرائيلية بتفريغ المدينة من سكانها بسحب هويات المقدسيين. كاتبة فلسطينية*