خلال فترة الحرب العالمية الثانية لعب الاتحاد السوفييتي دورا حاسما في انتصار (قوات الانصار) اليوغسلافية بقيادة جوزيف بروزتيتو على القوات النازية في يوغسلافيا وطردها منها , وحارب هناك ايضا الكثير من المتطوعين الروس, وبعد سقوط الاتحاد اليوغسلافي وتفككه مطلع التسعينات إلى عدة دول, حارب الروس ايضا في صفوف الصرب في البوسنة ضد المسلمين هناك. وفي السنوات الاخيرة استغل الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش بمهارة العاملين الارثوذوكسي والسلافي في كسب دعم القوات القومية والشيوعية على السواء في روسيا من اجل الحصول على دعمها. والتقرير السابق حافل بالعديد من الشواهد الدالة على مدى ارتباط الروس التاريخي الوثيق بصرب البلقان والذي تجلى في التحالفات المستمرة بين الطرفين منذ اقدم العصور وحتى وقتنا الراهن, وان تنازعت في المرحلة الاخيرة, المصالح الروسية مع الغرب, وخاصة الولايات المتحدة, مع المصالح التي تفرضها (الاخوة) الارثوذوكسية والسلافية, حيث تجد روسيا نفسها في موقف حذر تحاول فيه عدم المساس بأي من المصلحتين, وهو ما تجلى في الخطاب السنوي الاخير للرئيس بوريس يلتسين امام مجلس البرلمان, والذي اكد فيه على (الثوابت) الروسية تجاه الاخوان الصرب, منددا بالهجمات الاطلسية ضد يوغسلافيا, معتبرا انها انتهاك للقانون الدولي, وادان الخطأ المأساوي الذي يرتكبه المسؤولون الامريكيون في كوسوفو. واكد في الوقت نفسه على الاهمية التي توليها روسيا لتطبيع علاقاتها مع امريكا, وحرصها على تطوير الشراكة الروسية ــ الامريكية. النطق الآثم استطيع ان افهم تماما ردود الافعال التي صدرت عن دول مثل روسيا واوكرانيا والصين تجاه هجمات الاطلسي ضد الصرب في يوغسلافيا, فلكل طرف من تلك الاطراف حساباته ومصالحه الخاصة فيما يجري في البلقان, والمواجهة التي قرر حلف شمال الاطلسي خوضها في التعامل مع الحالة الصربية, وربما يتحفظ البعض أو يتساءل عن الاهداف الحقيقية للهجمات الاطلسية, واثارها الحقيقية على مسلمي كوسوفو, دون ان يعني ذلك التحفظ أو التساؤل ان هناك ترددا أو رفضا بشأن ضرب المعتدي الصرب, فذلك امر لا يختلف عليه منصفان لديهما ابسط المعاني الانسانية, والشواهد على استحقاق الصرب للردع وكسر الشوكة عديدة, تبدأ بما سجلته الذاكرة الانسانية المعاصرة لاحداث البوسنة والهرسك وحتى المأساة المشهودة حاليا في كوسوفو, ومرورا بالسجل الصربي الحافل بالممارسات الوحشية خلال الاعوام الماضية في كل مناطق البلقان الخاضعة للسيطرة الصربية. اما الذي يدعو إلى الاستغراب والدهشة, بل إلى الحزن والغيظ, ان تجد اقواما يزعمون الانتماء إلى الامة العربية الاسلامية وإلى ثقافتها, لا يكتفون بالتنديد بالهجمات الاطلسية ضد الاهداف الصربية, بل ويدعون رأس التطرف الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى الصمود والثبات في مواجهة العدوان الامريكي والاطلسي, ويناشدونه عدم الرضوخ لمطالبهما (اصحابنا) الداعون إلى الصمود الصربي لا يختلفون في واقع الامر عن اخوانهم (اصراب) البلقان, بل ان هناك قاسما فاشيا مشتركا يتمثل في التاريخ الحافل في انتهاك حقوق الانسان وهدر كرامته ومصادرة حرياته, بل ربما تفوق (الاصراب) العرب على اصراب البلقان في انهم يعشقون التنكيل ببني جنسهم وقومهم وديانتهم, اياديهم ملوثة بدماء الابرياء, سياساتهم افرزت فقرا وبؤسا واذلالا, لا يرقبون في شعوبهم الا ولا ذمة, قد بلغت وقاحة عضو قيادة الحزب الحاكم في احدى الدول العربية التقدمية) المشؤومة ان وصف تلك الغارات الاطلسية على يوغسلافيا, بأنها تأكيد للمخطط الامريكي الذي يستهدف الدول الحرة الشرق الاوسط 1/4/99) واعلن ذلك المسؤول البائس ان (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية واحزابها المؤتلفة وجماهيرها تؤكد تأييدها لـ (نضال) دولة يوغسلافيا الصديقة (اي والله وصفها بالصديقة) ضد العدوان. لم يشر صاحبنا المسؤول العربي التقدمي إلى الكارثة الانسانية ومأساتها في كوسوفو, ولا إلى تشريد مئات الآلاف من المسلمين من ديارهم, ولا إلى ما يتعرضون له من ابادة جماعية, ومن محنة كبرى, فضلا عن الدعوة إلى التضامن معهم, أو مد يد العون والمساعدة اليهم, لكنه عوضا عن ذلك ناشد جميع القوى والاحزاب والمنظمات السياسية والمهنية في الوطن العربي, وفي دول عدم الانحياز, وفي العالم اجمع إلى الوقوف في وجه العدوان الامريكي الاطلسي بكل اشكاله. في الدولة (التقدمية) التي ينتمي اليها صاحبنا المسؤول البارز, ذو التصريح المتقدم, يستحيل ان تجد مبادرات رسمية أو غير رسمية تقوم بها مؤسسات حكومية أو اهلية لتنظيم حملات مساعدات انسانية, حيث ان الاجواء السياسية في تلك الدولة وامثالها لا تسمح بالتفكير في مثل تلك المبادرات فضلا عن وجودها فعلا, والمفارقة الغريبة ان تجد في ذات الوقت عشرات الجمعيات والمنظمات الانسانية, مسيحية ويهودية في دول غربية تعلن عن استعدادها لاستقبال المعونات الانسانية وارسالها إلى ضحايا الصرب في كوسوفو. في الاسبوع الماضي اعلنت اسرائيل (صدق أو لا تصدق) عن ارسال معونات انسانية عاجلة إلى كوسوفو ونقلت اذاعة لندن يوم الثلاثاء الماضي عن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ان تلك المعونات (خيم وملابس اطفال) تعبر عن تعاطف الدولة اليهودية والمجتمع الانساني في اسرائيل مع معاناة الشعب الالباني. الاصوات العربية السلبية, الناطقة بالاثم لا تعبر, بالتأكيد, عن الاتجاه الغالب لدى الرأي العام العربي والاسلامي المتعاطف مع معاناة مسلمي كوسوفو, لكن تلك الاصوات الشاذة جرى التركيز عليها بصورة غير طبيعية, وقد افاد منه نظام ميلوسيفيتش ايما فائدة, حيث انها صدرت عن اقوام يشتركون ــ في الظاهر ــ مع مسلمي كوسوفو في الهوية الثقافية, وينتمون معهم في الانتماء العقدي, ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من تأييد الصرب باعتبارهم قوما يتعرضون لاعتداء اجنبي يستهدف وحدة دولتهم. وحتى تبقى تلك الاصوات العربية في اطار الاستثناء الشاذ, الذي لا قيمة له, فانه يجب (لا اتصور ان هناك حاجة إلى سرد الادلة والشواهد على هذا الوجوب) الالتفات إلى محنة كوسوفو بقدر اكبر من الوعي والمسؤولية, كما يجب استغلال المحنة الحالية لايجاد ذلك الوعي وبثه, ثم تطويره إلى حد الاسهام الفاعل والمؤثر وحشد طاقات الامة وقدراتها لانقاذ ما يمكن انقاذه من الكرامة الانسانية التي تهدر في كل لحظة من لحظات من تاريخ الشعب الالباني المسلم المجني عليه. هناك, بلا شك, نماذج مشرفة للعمل الاسلامي الصادق في هذه الظروف الحرجة, لكن اثرها يبقى محدودا في خضم الاحداث المأساوية الجارفة في اقليم كوسوفو, والمطلوب هو اكثار هذه النماذج وتعميم تجاربها لتحقيق تلك الحماية المنشودة لارواح ملايين البشر المهددين بالفناء, وصيانة هويتهم المعرضة لابشع هجمة تتعرض لها الانسانية على مشارف القرن الواحد والعشرين.