في شارع (الملك سول) في تل ابيب يقع مبنى اداري, لا يلفت النظر, في مدخله على اليمين بنك, وفي الدور الثاني كافيتريا, ومحلات تجارية اخرى تبيع الثياب ولعب الاطفال والحلوى, لكن, في هذا المبنى غير المتوقع توجد المخابرات الاسرائيلية, المشهورة باسم الموساد, في الدور الارضي على اليسار, حيث مدخل صغير جدا, يؤدي إلى عالم عريض من الغموض والاسرار . عما يجرى وراء هذه البوابة الصغيرة صدر في الغرب الكتاب رقم 1250 عن الموساد بعنوان (جواسيس جدعون ــ الحروب السرية للموساد) وهو الكتاب رقم 38 من نوعه لمؤلفه جوردن توماس, وهو اسرائيلي, يهودي, من اصل بريطاني, ولد في مصر, وتعلم في فلسطين, وكبر في جنوب افريقيا, ولمع في الولايات المتحدة الأمريكية. وخطورة الكتاب انه يحاول ان ينفخ في صورة الموساد ويمنحها قوة هي في حاجة اليها ولو باستعراض امجادها القديمة في وقت حاصرها فيه السقوط من كل جانب, خاصة بعد فشل محاولة اغتيال خالد مشعل ــ ممثل حركة حماس في الاردن ــ مما اضطر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى اطلاق سراح زعيم حماس الشيخ أحمد ياسين, وبعد فشل محاولة اغتيال عبدالله زين ــ أحد عناصر حزب الله اللبناني ــ في سويسرا, وقد دفع الثمن مدير الموساد السابق داني ياتوم الذي طرد من موقعه, ليرثه افرايم هاليفي الذي سعى جاهدا إلى تحسين سمعة الموساد ومعالجة التمزق الحاد الذي اصابها, فكانت عملية اختطاف الزعيم الكردي عبدالله اوجلان, وكان هذا الكتاب الذي اضطر فيه إلى كشف اسرار جديدة لعمليات قديمة, لوضع مزيد من المساحيق والاصباغ على وجه الموساد التي اصيبت بالترهل والتجاعيد. ولعل اخطر هذه الاسرار الاعتراف بان ليبيا بريئة من عملية تفجير طائرة (بان امريكان) فوق بلدة (لوكيربي) ومقتل 179 راكبا على متنها, منهم ثلاثة من عملاء وكالة المخابرات المركزية (الامريكية) واربعة من كبار ضباط المخابرات العسكرية الامريكية, واحد منهم هو الميجور تشارلس ماكي الضابط المسؤول عن المخابرات العسكرية الامريكية في بيروت الذي لوحظ ــ في حطام الطائرة ــ ان احدى حقائبه كانت فارغة تماما, وهو ما لفت انتباه مؤلف الكتاب جوردن توماس الذي توصل إلى أنه من غير المعقول ان يحمل الرجل حقيبة فارغة الا من الهواء, فكان ان كشف ان الحقيبة كانت متخمة بمستندات تثبت ان الموساد تتاجر في المخدرات في الشرق الاوسط, وانها تبيع السلاح سرا لايران, وقد سارعت الموساد ــ بالتعاون مع السلطات البريطانية ــ إلى مكان حطام الطائرة وسرقت المستندات التي كانت في حقيبة تشارلس ماكي, وهذا هو سر وجودها فارغة. وتكمل هذه الرواية ما سبق ان فجره رجل الموساد السابق فيكتور ستروفيسكي بان الموساد زورت ادانة ليبيا في حادث لوكيربي, فقد ارسلت الموساد رسالة من موقع قرب طرابلس ــ في ليبيا ـ من جهاز ارسال وضعته هناك تقول: (المهمة انتهت بنجاح) , وكان الهدف توريط ليبيا, وهو ماحدث بالفعل, وقد قيل ان الموساد انقذت الفاعل الاصلي وهو ايران, في مقابل صفقات سلاح وحماية اليهود الذين يعيشون في ايران حتى يحين موعد هجرتهم إلى اسرائيل. وقد سجل ستروفيسكي شهادته على شريط فيديو وسيرسله إلى المحكمة التي ستحاكم المتهمين الليبيين في هولندا, وستروفيسكي هو صاحب الكتاب الشهير (بطريق الخداع) الذي كان أول مسمار في نعش الموساد, وفيه تحدث عن تجربته, وفساد الجهاز, وقياداته, والتزوير في عملياته, وقد وصف تجربة عاشها بنفسه وهو ضابط تحت التمرين في اكاديمية الموساد (وهي في مكان معزول عند تل منحدر في تل ابيب) في اغسطس ,1984 فقد شاهد على حمام السباحة قيادات الموساد الكبار عرايا, هم ومجندات تتراوح اعمارهن ما بين 18 و20 سنة, والغريب ان هذه الحفلات كانت تجري في وجود جواسيس تحت التمرين, يجلسون امام هذه القيادات في اليوم التالي لتلقي الدروس والخبرات. وكانت هناك فضيحة اخرى, ففي شمال تل ابيب منطقة تسمى (بارباك) تنتظر فيها العاهرات الرجال الذين يأتون بسياراتهم ويلتقطونهن, ثم يذهبون خلف التلال الرملية لبعض الوقت, ثم يرحلون, وقد قرر بعض ضباط الموساد ان يأخذوا اجهزة التصوير الليلية ويجلسوا على القمة بالقرب من التلال الرملية, ويصوروا بنات الهوى في السيارات, مستخدمين عدسات الزوم القوية, ثم يقومون بالابتزاز, وكان ضباط الموساد قد تعلموا الدخول على كمبيوتر الشرطة دون علمها, واتاح ذلك معرفة صاحب السيارة وعنوانه بمجرد معرفة ارقام اللوحات المعدنية, وبهذه الطريقة يمكن ابتزاز صاحب السيارة أو الاتفاق معه على مبلغ معين مقابل الصور. على ان الاخطر من هذه الانحرافات الاخلاقية الانحرافات السياسية وجرائم القتل والتزوير والتجسس على الاصدقاء قبل الاعداد, ان السفارة التي قال الرئيس كلينتون لعشيقته مونيكا انه يخشى تنصتها على مكالماته العاطفية معها هي السفارة الاسرائيلية في واشنطن, ويقول المؤلف جوردن توماس ان قادة الموساد ظلوا في اجتماعات استمرت ثلاثة ايام يبحثون افضل واقصر السبل لاستغلال هذه المكالمات التي سجلوها بوضوح في الضغط على كلينتون لتفادي وعوده للفلسطينيين. بل اخطر من ذلك كانت الموساد على علم بخطة تفجير معسكر ومقر قيادة قوات البحرية الامريكية (المارينز) في بيروت عام ,1983 لكنها لم تقم بتحذير الامريكيين, لتجبرهم على مغادرة لبنان, وكانت تعليمات مدير الموساد في ذلك الوقت نحوم ارموني: دعهم يموتون, دعهم يخرجون, دعهم يذهبون إلى الجحيم, وقد تركت الموساد ويليام بكلي (مدير محطة المخابرات الامريكية في لبنان) فريسة ورهينة تحت رحمة مختطفيه الذين عذبوه حتى الموت, وهو ما جعل ويليام كيسي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية يقول في مذكرته التي صدرت بعنوان (الرجال الشرفاء) لقد وفر الاسرائيليون في ذلك الوقت الاسلحة لحزب الله ليقتلوا المسيحيين, ووفروا الاسلحة للمسيحيين ليقتلوا الفلسطينيين. ويكشف المؤلف: ان سائق سيارة الاميرة ديانا وصديقها العربي الاصل دودي الفايد كان مرشدا غير يهودي للموساد, وكانت مهمته تقديم كافة المعلومات عن الضيوف العرب الذين يصطحبهم, وكان عليه ايضا ان يزرع في غرفهم ميكروفونات التجسس, وقد كان يعاني من الاكتئاب بسبب ضغوط الموساد عليه, ومن ثم ربما تناول ادوية ضد الاكتئاب ادت به إلى الحادث, وربما تعمد ان تصطدم السيارة في النفق حتى يتخلص من ضغوط الموساد, لكن, من المؤكد ان الموساد لعبت دورا في رفض بريطانيا منح محمد الفايد الجنسية, ومن المؤكد ان الموساد ساهمت في تغذية المخاوف البريطانية من ان ام وريث العرش قد تتزوج عربيا مسلما وقد تنجب منه وقد تتحول هي ايضا إلى الاسلام. وهذه القصة تعيد إلى الاذهان اتهام الموساد بانها كانت وراء مقتل رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحاق رابين, فحسب ما سبق ان نشره ستروفيسكي فان الموساد لم تكن تحب رابين, وكان السبب انه كان يطالبهم دائما بمعلومات طازجة وليست معلومات مخمرة كالتي اعتادوا عليها, وهذا ما جعل الموساد في موقف محرج امام رابين في وقت كان فيه رئيسا للوزراء, لذلك لم تتردد الموساد في اللعب ضده في انتخابات 1977 بتفجير فضيحة حسابه بالعملة الصعبة في بنك اجنبي, ان القانون في اسرائيل يمنع ان يكون لاي مواطن حساب في بنك اجنبي في اي بلد اخر, وكانت زوجة رابين لها حساب بمبلغ 10 آلاف دولار تسحب منه عندما تسافر بالرغم من انها زوجة رئيس الوزراء وكل مصروفاتها تدفعها الحكومة, وكانت الموساد تعلم بهذا الحساب, وكان رابين يعرف انهم يعرفون, لكنه لم يأخذ الامر مأخذ الجد, وفي الوقت المناسب قدمت الموساد المعلومات والمستندات الدامغة للصحفي الاسرائيلي مار جاليت, وبعد نشر الفضيحة كان من السهل على مناحم بيجين ان يسحق رابين في الانتخابات, وعندما عاد رابين لرئاسة الحكومة كان العداء بينه وبين الموساد قد وصل إلى الدم, ومن ثم لم يكن من الصعب تركه دون حماية أو تحذير ليقتله المتطرفون اليهود. ويكشف الكتاب ملفات عملاء الموساد في دوائر الفلسطينيين, ومنهم دوراق قاسم سائق ياسر عرفات وحارسه الخاص عندما كان في بيروت, وقد جندته الموساد في عام 1977 عندما كان يدرس الفلسفة في لندن, وكان يخبر الموساد بكل المعلومات من خلال جهاز الراديو, ويتسلم الفي دولار عن كل تقرير, وكذلك كان يقوم بتبليغ المعلومات بالتليفون, ويرسلها احيانا بالبريد, وكثيرا ما كان يجري اتصالاته بالموساد من داخل مركز قيادة منظمة التحرير الفلسطينية, وقد ظهر في غواصة اسرائيلية كانت مركز الموساد في بيروت, واغلب الظن ان كشف مثل هذه الملفات في هذا الوقت ــ الذي تعاني فيه الموساد من فشل وراء فشل حتى باتت سمعتها القديمة وشهرتها العريضة في خطر ــ هو محاولة لاعادة الثقة لهذا الجهاز الذي لايزال يلعب دورا بارزا في الحرب الباردة المشتعلة الان ــ وبعد تقلص فرص الحرب الساخنة ــ بين العرب واسرائيل. لكن .. هذا لا يمنع ان الموساد ــ التي كانت تجند عملاءها من العرب بدعوى حمايتهم ــ قد كشفت لاول مرة ان من السهل كشفهم وبيعهم اذا ما لزم الامر, كما هو واضح في قصة عميل الموساد الذي لقبوه بأبي هنداوي, وهو عميل فلسطيني تسبب في قتل 15 من اعضاء منظمة التحرير الفلسطينية, وقد سافر إلى لندن للحصول على شهادة جامعية في الهندسة, وهناك اتصل بابن عمه نزار هنداوي عارضا عليه العمل مع المنظمة, وكان في الحقيقة ينوي تجنيده للموساد, وكان على أبي هنداوي ان يتصل بالجيش الجمهوري الايرلندي للحصول على اسلحة منه للمنظمة, وفي خلال ذلك تعرف على فتاة ايرلندية اسمها آن ماري ميرفي ـ وكانت تعمل نادلة في فندق هيلتون ــ واسفرت العلاقة عن حمل في الحرام, وكان ذلك في فبراير ,1986 ولكنها لم تقدر على اجهاض نفسها بسبب مذهبها الكاثوليكي, فراحت إلى ايرلندا لتضع طفلها, وفي الوقت نفسه تلقى أبوهنداوي تعليمات من الموساد بتزوير أو تلفيق عمل من شأنه اغلاق السفارة السورية في لندن, ردا على اجراء مماثل اتخذته الحكومة البريطانية باغلاق مكتب الموساد هناك. واعطى ابوهنداوي ابن عمه نزار مبلغ 10 آلاف دولار ليسلمها إلى ماري ميرفي, مصاريف سفرها ومصاريف الولادة حتى تقنع اهلها بان يتزوجها, لكنه طلب منها ــ حسب الخطة ــ ان تسافر إلى اسرائيل بدلا من ايرلندا لتضع طفلها, وابلغها ان شخصا ما سيقابلها في مطار هيثرو وهي في طريقها إلى تل ابيب ليعطيها لفافة ما عليها حملها معها. في مطار هيثرو ــ وبعد ان ودع نزار الفتاة ــ تقدم منها عامل نظافة ــ هو في الحقيقة احد عملاء الموساد ـ وقال لها انها تحتوي على اموال عليها تسليمها إلى مندوب منظمة التحرير في اسرائيل, واذا كان هناك ما يمنع ــ بسبب قوانين النقد البريطانية ــ من حملها معها, فعليها ان تعيدها إلى نزار الذي كان لايزال في المطار, على ان يحملها نزار معه إلى مكان امن هو السفارة السورية, وهو ما حدث بالفعل, فقد عادت اللفافة من الفتاة ــ عبر عامل النظافة ـ إلى نزار ومنه إلى ابي هنداوي الذي حملها إلى السفارة السورية, وفيما بعد ثبت ان اللفافة تحوي مادة شديدة الانفجار, وهو ما جعل السفارة السورية متورطة في مساندة الارهاب دون ان تكون على علم بما جرى, وقد سارعت مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء ايامها بالتقاط الطعم والوقوع في الفخ, وقطعت العلاقات مع سوريا, وحكم على أبي هنداوي, عميل الموساد الذي باعته الموساد, بالسجن 45 سنة, بعد ادانته بتهمة محاولة تفجير طائرة ركاب, كان على متنها خطيبته التي لاتزال مقتنعة حتى الان بانه كان يريد قتلها. وقد ابرز القضية في الصحافة البريطانية ناشر صحيفة ديلي ميرور وهو روبرت ماكسويل, وهو واحد من اهم واخطر رجال الموساد في بريطانيا ولكنه ايضا كان ضحية الموساد, فقد قتلته الموساد وهو على اليخت الخاص به في جزر الكناري, وقد حملوا جثته التي وجدوها على الشاطىء إلى اسرائيل ودفن هناك على عجل ودون تشريح, وكان سبب الخلاف هو انه طالب الموساد برد المبالغ التي انفقها على كثير من العمليات في لندن والتي كان يأخذها من صندوق معاشات التقاعد لموظفي ومحرري الصحيفة, وعندما طالوه, هدد بالخروج عنهم, وفضحهم, فكان ان قتلوه على هذا النحو الذي يعني ان الموساد قد اصابها سعار القتل والدم, وانها لم تعد تعرف الفرق بين الاصدقاء والاعداء, وانها فقدت قواعدها الصارمة في حماية العملاء, وعدم التخلص منهم مهما كانت الاسباب. لكن رغم ذلك, فالكتاب يحاول ان يعيد الثقة في الموساد من خلال فتح ملفات عمليات نفذها بنجاح, ولو (بطريق الخداع) على حد وصف فيكتور ستروفيسكي, على ان هذه المحاولة التي جعلت الموساد تسترد الاحساس بالقوة, بأثر رجعي, جاءت بمصيبة اشد, وهي فقدان ثقة العملاء الجدد في هذا الجهاز الذي اصبح قبيحا.