تشهد الحرب الدائرة في البلقان على ان مسلمي العالم تنقصهم آليات التنسيق السياسي الذي يكفل لهم حق تقرير مصيرهم بالمعنى الشامل. كما تشهد الحرب على ان الوزن السياسي للعالم الاسلامي يتآكل يوما بعد يوم وعلى الرغم من ان مسلمي اليوم لايفتقرون الى العدد والعتاد الا انهم يعانون من غياب التصور السياسي لتحديات حاضرهم وامن مستقبلهم, ان التساؤل الذي يطرح نفسه هو اين موقع ودور العالم الاسلامي في حرب يكتوي بنارها المسلمون الاشقاء الالبان في كوسوفو؟ هل هناك اي اثر او حساب لموقف المنظمات الاسلامية او الدول الاسلامية فيما يحدث لمسلمي كوسوفو؟ لقد بدأت محاولات التسوية بين الصرب واقليم كوسوفو دون اي وساطة ذات طابع اسلامي كما بدأت الحرب واشتعلت دون اي مبادرة من جانب المجتمع الاسلامي. ولا احد ينكر على مسلمي اليوم تمسكهم بدينهم, فعرفات يشهد بذلك واضحية العيد الاكبر تقول ان المسلمين لم ولن يتخلوا عن صانع حاضرهم ومستقبلهم ولكن الاسلام سياسة كما انه عبادة ودنيا كما انه دين وقد ادرك المسلمون الاوائل هذه الحقيقة الكلية للاسلام فكانت لهم السيادة. والسياسة في الاسلام ذات معنى شامل تكفي كل الازمنة والعصور والامكنة وتقدم التصورات الاستراتيجية والتكتيكية في الحرب والسلم ولكن يبدو ان المشكلة ليست فقط في غياب الادراك السياسي للاسلام ولكن ربما ايضا في العجز السياسي للمسلمين. فالحادث الآن في اقليم كوسوفو مأساة اسلامية بالدرجة الاولى من العيب ان ينتفض لها حزب الناتو دون ان يحرك المسلمون ساكنا وكأنهم يتفرجون على مسرحية لادخل لهم بها وقصة هذه المأساة ترجع في المقام الاول الى عدم التسامح الديني ورغبة الغرب في تطهير اوروبا من المسلمين. فمنذ ان وطأت اقدام المسلمين الاتراك ارض البلقان في عصر الفتوحات والامجاد الاسلامية وهم يتعرضون لانتهاكات مستمرة هدفها تحجيم المسلمين في الغرب. وفي الوقت الحاضر كانت حرب الصرب والبوسنة حلقة في سلسلة الاضطهاد الوحشي للمسلمين. ويتجدد الصراع بين الصرب مرة اخرى والمسلمين الالبان بعد فشل التسوية السلمية التي اقرها الطرفان في اتفاق رامبوييه الذي سمح بحق المسلمين في تقرير مصيرهم في كوسوفو ولكن لماذا فشلت التسوية السلمية. لعل اصرار الولايات المتحدة على ضمان تنفيذ بنود الاتفاق من خلال تمركز قوات حلف الناتو في ارض الصرب يمثل سببا مباشرا لانهيار التسوية السلمية واندلاع الحرب. فالولايات المتحدة تريد ان تنتصر لارادتها واهداف سياستها الخارجية الرامية الى بسط هيمنتها على العالم والقضاء على آخر معاقل الشيوعية والمعسكر الاشتراكي في اوروبا حتى ولو كان ذلك على حساب الشرعية الدولية ومواثيق الامم المتحدة التي ترفض التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للدول الاعضاء. لقد عارض الصرب الوجود الامريكي العسكري كآلية لتنفيذ اتفاق رامبوييه وقبل وجودا عسكريا من قوات الدول دائمة العضوية في مجلس الامن اي قوات تشارك فيها الصين الشعبية وروسيا الاتحادية وتكون المشاركة الامريكية ضمن القوات التي تمثل الدول الخمس دائمة العضوية. لكنه الاصرار الامريكي على ان يحل الناتو محل الامم المتحدة ومجلس الامن في ادارة الصراعات الدولية. وكأن مصدر الشرعية والذي ارتضاه المجتمع الدولي لتسوية الخلافات الدولية بالطرق السلمية وغير السلمية اصبح معوقا لتوجهات الخارجية الامريكية, فهجوم الناتو ايا كانت مبرراته يفتقر الى الشرعية الدولية والغطاء الدولي الشكلي الذي كانت تستند اليه الولايات المتحدة في حربها ضد العراق غير متاح هذ المرة اذ ليس هناك مبرر من القانون الدولي او الاعراف الدولية يجيز استخدام القوة الدولية لحسم النزاعات المحلية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول. والمعضلة امام العالم الاسلامي هي صعوبة دعم اي من الطرفين الولايات المتحدة التي تنتهك قواعد الشرعية الدولية والصرب الذين ينتهكون ابسط القواعد الانسانية الداعية الى حسن الجوار وحق المسلمين في تقرير مصيرهم وفق اتفاق سلمي اقره الطرفان. فقبول التدخل الامريكي في السياسة الداخلية الصربية يحمل ضمنا الاقرار بقبول التدخل الامريكي في اي دولة اخرى بما فيها العالم العربي والاسلامي, فالفوضى يمكن ان يكتوي بنارها اي جار عربي وتداعيات الموقف من الصعب حسمها في غياب قبول الشرعية الدولية. وعلى الجانب الآخر فان معارضة الموقف الامريكي يعني اعطاء شرعية زائفة لديكتاتور الصرب للقضاء على المسلمين الالبان وحرق منازلهم واستخدامهم كدروع بشرية في مواجهة قوات حلف الناتو وهو مالايقبله مسلم. ان تأزم الموقف ناتج من ان انتصار الناتو يعني انتصار امريكا على الصرب ولايعني تحقيق مصلحة المسلمين في كوسوفو لانه لن يكون هناك مسلمون بعد المذابح الصربية كما ان انتصار الناتو يعني اقرار زعامة الولايات المتحدة في عالم مابعد الحرب الباردة وتعزيز دعائم السياسة الخارجية الامريكية وفرض نموذجها السياسي والاقتصادي تحت مسمى العولمة, فليس صحيحا الادعاء بان البعد الانساني وحماية المسلمين هو الدافع الحقيقي لان تتكبد الولايات المتحدة مشقة الدخول في حرب مع عدو تعرف حجم قوته العسكرية, ولكن الصحيح هو ان مصالح امريكا تقتضي استخدام كل الادوات الممكنة لتحقيق اهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى ولنا ان نتساءل هل يدفع امريكا للدخول في هذه الحرب ايمانها بحقوق المسلمين في كوسوفو؟ لماذا ترفض امريكا تنفيذ اتفاق رامبوييه من خلال قوات الدول الاعضاء في مجلس الامن؟ هل تعتقد امريكا ان بامكانها انهاء الحرب من خلال الجو؟ هل يمكن تحقيق المعادلة الصعبة التي تنادي بحماية المسلمين في كوسوفو قبل اذعان الصرب؟ لماذا يرفض البيت الابيض تسليح الثوار الالبان للدفاع عن ذاتهم؟ الا يدرك الامريكان ان المزيد من الضغط العسكري على الصرب يعني ان الضحية المباشرة هم سكان كوسوفو؟ هل يمكن الاستعانة بأساليب غير شرعية لمواجهة موقف غير شرعي؟ لقد انتهى الكثير من باحثي القانون الدولي الى ان المبرر الوحيد لهذا التدخل العسكري هو رفع المعاناة الانسانية عن شعب كوسوفو المسلم واذا جاز ذلك على المستوى النظري فان الواقع يقول بان هذا التدخل هو من صميم معاناة هذا الاقليم وفي وسط كل هذا ماذا يفعل العالم الاسلامي. البديل الانسب: ربما كان البديل المناسب في هذا الموقف المتأزم هو التنسيق السياسي من جانب الدول الاسلامية لوقف الحرب واتاحة الفرصة امام العقل لوضع حد لمأساة المسلمين فالدعوة المناسبة الان لوقف ادعاءات الناتو الماكرة ومواجهة تصلب الصرب العنيد هو ان تقف الحرب وان تنسحب قوات حلف الناتو لاتاحة الفرصة من جديد لتنفيذ اتفاق رامبوييه وبشروط تقرها الشرعية الدولية. لماذا لايتدخل العالم الاسلامي بمبادرة سلمية تحول دون استمرار ابادة المسلمين على ايدي الصرب باسلوب مباشر وعلى ايدي قوات الناتو باسلوب غير مباشر. ان الاحتمال القائل بان روسيا يمكن ان تضع نهاية لهذه المأساة غير وارد على الرغم من حاجتها الى مناصرة بني جنسها وجيرانها ولنا ان نتفهم ايضا ان الاصرار الصربي لمقاومة حلف الناتو وعلى الاخص الاهداف الامريكية غير المعلنة سوف يتجسد في ابادة المسلمين واحراق قراهم وتشريدهم. فهل يتحرك العرب والمسلمون لاستخدام حقهم الشرعي في الدفاع عن ابناء عقيدتهم من خلال الضغط نحو وقف حرب ضحيتها الاخ المسلم في كوسوفو سواء انتصر الناتو او الصرب وسواء اذعن الناتو او الصرب وليدرك المسلمون ان الاسلام سياسة بقدر ماهو عبادة. استاذ بقسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات