ينمي الكفاءة الادارية وينهض بالانتاج،الاستثمار في التعليم اساس التنميةالاقتصادية، بقلم:مصطفى رجب

يشهد عالمنا المعاصر تغيرا سريعا في شتى المجالات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية, ونظرا للنمو المطرد في احتياجات الافراد والجماعات, فإن الدول المختلفة متقدمة ونامية تبحث عن افضل الطرق العملية التي تعين على موازنة مواردها مع مطالبها, بقصد التوصل الى افضل وسائل حل المعادلة الصعبة بين الامكانات المتاحة ماديا وبشريا ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية . ومن ابرز مظاهر التخلف الاقتصادي في كثير من الدول النامية ضعف الامكانات المادية وانخفاض مستوى الامكانات البشرية التي يقع على كاهلها استخدام الامكانات المادية لاحداث التنمية بهدف الوصول الى الاوضاع الصناعية والتكنولوجية الحديثة, وليست المشكلة فقط في انخفاض مستوى هذه القوى البشرية بل وفي النقص في عددها ايضا ويظهر التخلف الاقتصادي بوضوح في الدول النامية اذا نظرنا الى نوعية الموارد البشرية التي تتوفر لها والتي يقع على كاهلها عبء تطويرها وتنمية قدراتها وتغيير تكوينها في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي وتحضيرها بما يناسب الاوضاع الصناعية والتكنولوجية الحديثة اذ ان احدى المشكلات الاساسية في تلك الدول هي نقص الكفاءات البشرية من مختلف الدرجات والمستويات في كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. واذا كانت التنمية مجموعة من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في المجتمع, فإنه لكي تحدث هذه التنمية يتحتم توافر مناخ عام يلائم هذه التغيرات بجانب توافر الثروة ورأس المال, وهنا تبرز اهمية التعليم لانه قادر على خلق المناخ العام لحدوث التنمية لكل ما يتضمنه من تغيرات في حياة المجتمعات للاسباب الاتية: 1ــ تخلق التربية مهارات وتغيرات للفرد ضرورية للتقدم الاجتماعي والاقتصادي مما يؤكد المعنى الاقتصادي للتربية, كما ان لها اثرا واضحا في النهوض بالانتاج عن طريق التأثير في نوعية المهارات المطلوبة. 2ــ تعتبر الموارد البشرية قوة رئيسية وراء عملية التنمية, والتعليم خير من ينمي هذه الموارد البشرية, كما ان التعليم ينمي الكفاءة التي تؤثر بدورها في زيادة الانتاج. 3ــ يساعد التعليم على تحقيق التنمية عن طريق غرس العادات والتقاليد التي تناسب وتحث على سرعة عجلة التنمية. وقد اهتمت كثير من الدراسات التربوية بكشف النقاب عن دور التعليم في احداث التنمية الاقتصادية, فقد ركزت الدراسات الشرقية على الفوائد الاقتصادية للتعليم كواحد من الاغراض الاجتماعية والفكرية, بينما ركزت النظريات الاقتصادية في الفكر العربي على ضرورة النظر للنفقات على التعلم الذي يتيح لهم امكانية العمل بصورة اكبر في المستقبل, فإن ذلك يعني ان هؤلاء الافراد انما يستثمرون هذه الاموال في دولتهم, ومن هذا المنطلق اتجهت الدراسة التربوية الى حساب اسهامات التعليم الاقتصادية حتى تمكننا من الوصول الى الصورة الكمية لهذه العلاقة وان اختلفت النتائج. التربية استهلاك ام استثمار؟ قد يكون من المفيد قبل استعراض صورة العلاقة الكمية بين التعليم والنمو الاقتصادي التعرض لاهم الاراء حول الاستثمار في التربية. فقد رأى البعض ان التعليم استثمار اقتصادي يفوق عائده ــ على طول المدى ــ عائد اي انفاق آخر, الا ان هذا لا يظهر الا بعد مدة طويلة ويصعب تقديره الكمي الدقيق بالمقارنة بالعوائد المادية الاخرى. وهناك رأي آخر ينظر الى النفقات التعليمية على انها استهلاك من حيث ان التعليم نوع من الخدمات الثقافية التي يتمتع بها ابناء بعض الطبقات الاقتصادية العليا, فهم لا يقبلون على التعليم لغرض اقتصادي بل لغرض شكلي يعتمد على تميزهم بمظاهر التعليم ويمكنهم من الارتفاع الى قيم الطبقة ومثلها, كما يمكنهم من التمتع بكافة الخدمات في المجتمع, فالمواطن الجاهل لا يمكن ان يتمتع بفيلم اجنبي في سينما ــ مثلا ــ او بتعليمات هامة على الطريق او بارشادات في وحدة صحية مثلا.. الى غير ذلك, فالتعليم اذن هو في حد ذاته خدمة اجتماعية استهلاكية وهو ايضا يمكن من التمتع بالخدمات الاخرى. وقد كان اكتشاف الصورة الكمية للعلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي على ايدي اقتصاديين محدثين منهم شولز ودينون وسولو, وقد تم ذلك باستخدام اساليب من اهمها: 1ــ تحديد العلاقة بين الانفاق على التعليم والنمو في الدخل او في تكوين رأس المال المادي خلال فترة معينة في بلد معين. 2ــ طريقة الباقي في تحديد مدى اسهام التعليم في اجمالي الدخل القومي. 3ــ حساب معدل العائد من الانفاق على التعليم. 4ــ حساب معاملات الارتباط بين البلدان المختلفة من حيث الالتحاق بالمدارس واجمالي الدخل القومي. وليس هناك رأي موحد بين رجال الاقتصاد الرأسماليين حول كون التعليم استهلاكا صرفا ام استثمارا صرفا وتتمسك مجموعة من الاقتصاديين الامريكيين بمفهوم الصفة الاستثمارية للانفاق على التعليم, فالتأكيد على ان الجزء الاكبر من الانفاق على التعليم يجب ان ينظر اليه على انه استثمار, يبرز بان التعليم يعمل على هيمنة قدرات الافراد سواء منها القدرات الجمعية او الفعلية, لذا فإنه يتيح الفرصة لزيادة الدخل الذي يمكن الحصول عليه, ويعبر عن ذلك بالمعادلة التالية, (حينما يستقطع الافراد جزءا من اموالهم وينفقون على التعليم الذي يتيح لهم امكانية العمل بصورة اكبر في المستقبل فإن ذلك يعني ان هؤلاء الافراد انما يستثمرون هذه الاموال في ذواتهم, كما يرى شولتز (ان مستوى التعليم وحجم الانفاق على الدراسة يزيد من دخل الفرد المتعلم في المستقبل وكلاهما في مجالات الاستثمار. وبناء على المفاهيم التي تبنتها هذه المجموعة من الاقتصاديين فإن الانفاق على التعليم والذي يؤدي الى زيادة الدخل, انما ينظر اليه على انه استثمار فحين يشتمل مفهوم التعليم كاستهلاك على جميع العوامل غير الاقتصادية مثل المنافع المتصلة بالتعليم والتي تبدو كنتيجة للنشاط المهني, وفي جانب الاثر قصير الاجل للتعليم فإنه يتيح الفرصة للحصول على دخل مدى الحياة بل لا يقتصر على الدخل فقط, وانما يمتد الى اكتساب القدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية واستغلال وقت الفراغ بصورة هادفة, وانجاز العمل اليومي عن فهم وارتياح. وهذا يعني انهم يشيرون بصفة خاصة الى اهم مظاهر التعليم كالاستهلاك والذي يضعه بعض رجال الاقتصاد على قدم المساواة مع الادوات الاستهلاكية المعمرة. وقد ادى الاهتمام المتزايد بالتعليم في الدول الصناعية المتقدمة في النصف الثاني من القرن العشرين الى توسيع شبكة المدارس الثانوية العامة وازدياد عدد المدارس المهنية والمتخصصة والتوسع في الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا وتطوير مضمون التعليم استجابة لمتطلبات تطوير المجتمع وزيادة رفاهيته, وادت هذه العوامل مجتمعة الى مجموعة من النتائج التي كان لها أثرها في زيادة دور العلم في الانتاج. فقد اسهم تطور التربية في القرن العشرين في زيادة أعداد العاملين بالبحث العلمي, والتوسع في انشاء المراكز والمعاهد العلمية المتخصصة وزيادة اسهامها في ربط العلم بالانتاج واستنباط عمليات تكنولوجية ووضعها موضع التطبيق والتنفيذ العملي في مواقع الانتاج وميادين الخدمات, مما اسهم في ابراز دور العلم كقوة منتجة بصورة لم تعرف لها البشرية مثيلا من قبل. واذا كان التعليم اداة استهلاكية معمرة, فان بعض الابحاث تعتبره على هذا استثمارا ايضا في نفس الوقت, فهم يرون ان التعليم كاستهلاك يتكون من جزأين: التعليم كاستهلاك في الحاضر فهو استهلاك حقيقي, والتعليم كاستهلاك في المستقبل وهو الجزء طويل الاجل من الاستهلاك, فالتعليم يعد مصدرا للدخل الحقيقي في المستقبل. تقسيم عديم الجدوى ومن الواضح ان تقسيم مكونات الانفاق على التعليم الى استهلاكية واستثمارية انما هو تقسيم غير شرعي, وهنا تبدو نقطة الضعف المنهجية في مفهوم شولتز, فمحاولته اثبات امكانية فصل العملية التعليمية كاستثمارات صرفة عنها كاستهلاك تبدو محاولة عديمة الجدوى ويعترف شولتز نفسه ان هذا التقسيم يثير بعض الصعوبات المنهجية والتطبيقية. ويمكن تصور او تحليل حلقة السلسلة التي تجمع بين التربية والعلم والانتاج اذا ما نظرنا الى الانسان نفسه والذي تسهم التربية في اعداده العلمي وتكوينه الثقافي ليقوم بدوره من خلال ما اكتسبه من معارف بالاسهام في تطوير العلم وتسخيره لخدمة الانتاج بما يرفع من مستوى رفاهية جميع افراد الشعب. ان التعليم لا يمكن ان يخطط له على اساس المقابلة المباشرة لاحتياجات قوة العمل.. فالعلاقة بين التعليم والانتاج هي علاقة مباشرة الى ابعد درجة, فقد يزيد التعليم من الانتاج وقد ينقص وقد لا تكون هناك علاقة بين الاثنين, والتعليم يحدث اكثر من مجرد تحسين السلوك الانتاجي للانسان, ان التخطيط التربوي في اطار احتياجات قوة العمل يقدم بعض التقديرات الدنيا المقيدة للتخطيط, ولكن احتياجات قوة العمل لا يمكن ابدا ان تتحكم في وضع كل الاهداف التعليمية. والتعليم باهظ التكاليف حيث ان نظاما كاملا للتعليم يتطلب نفقات كثيرة, ونعني بالنظام الكامل ذلك النظام الذي يذهب كل طفل فيه الى المدرسة لمدة تتراوح بين ثماني سنوات وعشر, والذي توجد فيه انواع متكاملة من الدراسات المهنية ومن التعليم العالي للراغبين فيهما, ولابد من وجود مثل هذا النظام لبلد صناعي حديث. وتبدو الهوة واسعة سحيقة بين البلدان العربية والبلاد المتقدمة من حيث حجم الانفاق على التعليم اذا قارنا متوسط نصيب الفرد العربي من الانفاق على التعليم بمثيله في البلاد المتقدمة. ويبدو الوضع المالي لعدد من الدول النامية مخيفا للغاية وذلك في ضوء ما يحدث لنمط المصروفات لميزانياتها العامة والتزاماتها المالية المتراكمة, فالملاحظ ان هناك الجزء الخاص بالخدمات الاجتماعية قد تزايد في هذه الدول الى درجة كبيرة لم تترك الا اجزاء صغيرة لاستثمارات التنمية الضرورية, وكذلك فقد تزايدت فيها منشآت الخدمة المدنية واصبحت مكلفة للغاية, وارتفعت الفوائد والالتزامات تجاه ما تحصل عليه بعض هذه الدول من قروض اجنبية ووصلت الى نسبة عالية للغاية ولذا يجب ان تتضافر كل قوى المجتمع للاشتراك في المصروفات التعليمية وتقديم الخدمات التعليمية. هذا في ضوء ضخامة الاحتياجات التعليمية التي ينبغي تلبيتها, وقيود الميزانيات الحكومية يكون من الضروري دائما حشد موارد السكان الى الحد الاقصى بغية تقليل الاسهام المالي من جانب الحكومات الى ادنى مستوى ممكن. دور التعليم في التنمية الاقتصادية لقد أصبحت النظرة الى النظام التعليمي على انه اهم جهاز لاعداد القوى المدربة, ومن ثم يمكن عن طريقه التحكم في الفائض من العمال غير المدربين. ويجب ان يكون لنظام التعليم برنامج بعيد النظر يتطلع الى المستقبل. وبدون تجاهل الاغراض الاساسية الاخرى لنظام التعليم فان الوفاء بمطالب واحتياجات القوى العاملة قد اصبح بصورة متزايدة جزءا مهما معترفا به يدخل في نطاق الدور الذي يقوم به. والتعليم يعمل على زيادة الانتاج, فيعتبر من اهم الحقائق المعروفة والمسلم بها من جانب رجال التربية والاقتصاد على السواء أن الثروة البشرية بالنسبة لعملية الانتاج لا تقل أهمية عن رأس المال المادي نفسه, والواقع انه من الصعب ان تعزل مقدار الزيادة في الانتاج المترتبة على التعليم نظرا لأن العوامل التي تساعد على تحسين القدرة البشرية تشمل ميدانا أوسع بكثير مما يقصد بالتعليم كما تحدده الميزانية او المخصصات المالية, ولكن على الرغم من ذلك فان التقديرات الاحصائية الحديثة تشير الى ان تراكم رأس المال العادي مسؤول او يؤدي الى اقل من نصف الزيادة السنوية في الانتاج فيرجع الى زيادة الكفاءة والمهارة البشرية وتحسين تنظيم الانتاج. والتعليم يعمل على زيادة الدخل القومي, فهو يساعد الفرد على زيادة دخله عن طريق زيادة ما يكتسبه من مهارات معرفية وعملية, وكلما زاد مستوى تعليم الفرد في هذه النواحي زاد دخله, ولذلك يعتبر التعليم من اهم العوامل المساعدة على اذابة الفوارق الطبقية عن طريق ما يحدثه من تقارب اقتصادي واجتماعي بين افراد الامة, وزيادة دخل الفرد تعني بالطبع زيادة الدخل القومي لأن الدخل القومي في اساسه هو مجموع دخول الافراد. وبهذا نجد ان للتعليم دورا كبيرا في توجيه ودعم التنمية الاقتصادية وفي اعداد القوى العاملة المطلوبة للتنمية, كما انه يعمل على زيادة الانتاج وزيادة الدخل الفردي الذي يؤدي الى زيادة الدخل القومي.

طباعة Email