كان واضحا من (السياسات) الاقتصادية التي نفذت في العقود الماضية داخل هذه المنطقة بأنها كانت سياسات تنطلق من ماهو كائن وتبتعد كثيرا ــ على صعيد الواقع وان كان غير مهمل البعد النظري ــ عندما ينبغي ان يكون, لذلك انطلقت برامج وخطط التنمية الاقتصادية من الوفرة المالية التي وهبتها ثروة المنطقة الطبيعية المتمثلة بالنفط, دون ان تنطلق العملية التنموية من قناعة بأهمية الوحدة الاقتصادية الخليجية كخيار استراتيجي وخطوة اساسية للوحدة وكانت الشجرة المثمرة (ثروة النفط) تحجب رؤية الغابة الموحشة التي تنتظر المنطقة رغم الاقلام الجادة التي حللت الاوضاع من ابعاد تنطلق من ما ينبغي ان يكون وعدم الارتهان والتخدير لما هو كائن.. لذلك وامام واقع كهذا كان من الطبيعي ان ترتفع اسهم الدعوات التي حاولت ان تكرس ليس الاقليمية فقط بل القطرية ايضا فبحثت عن تمايز كل دولة وخصوصيتها واعطت التبريرات ونفذت البرامج المصبغة بتنظيرات شتى بامكانية وقدرة كل دولة على ان تقوم ببناء مجتمعها تنمويا وسياسيا وثقافيا وتصبح رقما فاعلا في هذا العالم وحينما كانت المنطقة وهي في قمة نشوتها وخدرها وثروتها تواجه ازمة حادة سياسية واقتصادية, او حتى في الهوية, كانت اوراق التوت تتساقط, بيت الزجاج ينكشف والغابة الموحشة تبرز. وليسترجع كل متابع التطورات التي حدثت في المنطقة ابتداء من خطة الغرب بعد حرب اكتوبر 1973 وصعود اسعار النفط ومحاولات الغرب الغاء دور النفط ــ كأداة استراتيجية لصالح العرب, ووضع الخطط الرامية لتحويل مركز الثقل من اصحاب المعرض النفطي (الدول المنتجة) الى اصحاب الطلب (الدول المستهلكة) والمساهمة في اغراق السوق النفطية وزيادة الانتاج وانتهاء بالحربين الطاحنتين في الخليج. الاستعداد للبمستقبل ان التنمية الشاملة الحقة والسليمة كانت ــ لو انها حصلت ــ بمقدورها ان تصمد امام الازمات, وخاصة ازمة انخفاض اسعار النفط في المرحلة الراهنة (ما قبل اتفاق اوبيك الاخير ان نجح؟!) لأن التنمية السليمة المبنية على استراتيجيات واضحة تعتمد على تنويع مصادر الدخل والاقتصاد المنتج وعدم الاعتماد الكلي على موارد الصادرات النفطية والمشاركة الشعبية والوحدة الاقتصادية الخليجية والعمق العربي.. الخ, هذه التنمية من الطبيعي ان تضع امامها احتمالات بروز ازمات اقتصادية او سياسية او عسكرية, كأية تنمية في العالم المتقدم, وقدرتها على التخفيف من اثارها عبر الانتقال السريع والمدن الى مركز الثقل الآخر في الاقتصاد واما اذا ما اعتمد الاقتصاد والتنمية بالتالي على مركز ثقل واحد فان اي تضعضع في هذا المركز يعني تضعضع الاقتصاد برمته. ان التنمية تعني في محصلتها النهائية احداث نقلات واعية مخططة في اتجاه تحسين وضع اجتماعي وتحويله الى وضع افضل ــ وهذا ما حصل ــ الا انها ايضا تعني القدرة على استمرار هذا التحسين وتحقيق الرفاة الانتقال من حالة التخلف الى حالة والتقدم في شتى الميادين (كل القطاعات الاقتصادية ــ السياسية ــ الاجتماعية ــ العسكرية.. الخ). ان الحقيقة التي يجب ادراكها ان ثروة النفط لم تكن مرتبطة بعملية الانتاج الاجتماعي للمجتمع وان حجمها واستمرارها كان رهن مؤشرات خارجية, الامر الذي ادى الى سهولة الحصول على قدرات استهلاكية بدون ضرورة المشاركة الجدية في عملية الانتاج, وهذا ما ادى بدوره الى انفصال شبه كامل بين الدخل والانتاجية على مستوى المجتمع ككل. لقد وصل الاعتداد بالقدرة الاستهلاكية لدى دول الخليج, وعلى حسب الدكتور عبدالله حمد المعجل الامين العام لمنظمة الخليج للاستثمارات الصناعية في مقال له عام 1987 في مجلة التعاون الصادرة عن الامانة العامة لمجلس التعاون الخليجي (العدد 6 ابريل 1987) فإن بعض دول الخليج كانت تمتعض من تصنيفها كدولة نامية ونما شعور واهم ان المتوسط العالي لدخل الفرد يمثل مؤشرا اساسيا على التقدم, ذلك الوهم الذي عملت القوى الاجنبية المستفيدة على تدعيمه, بينما المؤشر الحقيقي للتقدم هو معدل انتاجية الفرد وليس دخله الذي لايقيد ولا يرتبط بالانتاج, وهذا ما ادى الى بروز تناقضات واضحة في التنمية الاقتصادية ابرزها صعوبة ايجاد قاعدة تكنولوجية مستنبطة محليا, والتوجه نحو الدولة كموظف رئيسي وداعم للاستثمار, والاعتماد على قوى عاملة وافدة وتدني مساهمة القطاع الخاص, وظهور نشاطات طفيلية كالمضاربات المالية والعقارية التي كان لها اثرها السلبي على التنمية وذلك بتحميل عمليات الاستثمار كلفا غير حقيقية ومبالغا فيها, واهم تلك التناقضات هو الاعتماد على مصدر واحد للدخل. مواكبة التحولات ان ما سبق يعني بأن أحد اهم الدروس التي يجب استخلاصها من الازمة الراهنة هي ضرورة العمل الجدي لتمويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي الى اقتصاد انتاجي, اي ان يتم تقليص دور الريع الخارجي النفطي كمصدر اساسي بل احيانا وحيد لمجمل النشاط الاقتصادي, لدرجة ان غالبية القطاعات الاقتصادية تعتمد اعتمادا كبيرا على هذا المصدر الاساسي للثروة, واعتقد بأن المرحلة الراهنة تتطلب التخفيف من هيمنة اثار هذا النمط الاقتصادي الريعي. وضمن هذا المفهوم يؤكد الدكتور حازم ببلاوي بأن هذا يعني ان بنية هذا النوع من الاقتصاد تفرق بين الاقلية والاغلبية من ناحية وبين خلق الثروة وتوزيعها أو استخدامها من ناحية اخرى, كما ان خلق الثروة هو سبب او محرك النشاط الاقتصادي في حين ان استخدام الثروة وتوزيعها هو نتيجة لذلك. وفي ظل هذا النمط من الاقتصاد كانت التنمية تحتضن شوائب تمنع منجزاتها من الانطلاق بعجلة ذاتية, ولان الدولة هي صاحبة القرار وعليها وقعت مسؤولية النهوض بالقطاعات الاقتصادية ضمن فلسفة ابوية (رعويه) ضعف الشعور الشعبي بضرورة الالتزام بالواجبات المجتمعية. وتترافق مع هذه الرؤية النظرية الفلسفية السابقة رؤية اخرى اعتقد بانها اصبحت من الضرورات الراهنة ــ حتى وان ارتفعت اسعار النفط مرة اخرى وانتعشت الميزانيات العامة قليلا وتراجع الوعي بعد عودته الحالية وتقلصت الدعوات والمحاولات الرامية الى المشاركة المجتمعية في النشاط الاقتصادي والسياسي ــ وهذه الضرورة تتمثل في الاسراع الجدي نحو الوحدة الاقتصادية الخليجية. فعند قراءة التحولات العالمية الراهنة, الاقتصادية منها على وجه الخصوص نجد اهمها: 1ــ التوجه نحو التكتلات العملاقة وخلق القارات الموحدة اقتصاديا. 2ــ انفصال واضح بين رأس المال المالي والصناعي وقدرة الاول على التحرك والانتقال والتأثير الضخم لدوره المنفصل عن هيمنة دولة محددة عليه. 3ــ المستقبل للاسواق الكبيرة الواسعة والمحكمة قانونيا. 4ــ الاثار الكبيرة والخطيرة الاتفاقيات منظمة التجارة الدولية. 5ــ المحاولات الجادة لكسر طوطم السيادة الوطنية وحق التدخل العالمي في السيادة والشؤون المحلية, سياسيا واقتصاديا وعسكريا. 6ــ اية تحولات عالمية اخرى تصب في ذات الاتجاه. وعند قراءة الواقع الراهن لمنطقة الخليج نجد ابرز عناصره: 1ــ البطء في بناء تكتل خليجي اقتصادي وسياسي وعسكري مستقل وذات ارادة حرة. 2ــ ترابط قوي بين الاقتصاد الخليجي ونموه وبين الاسواق الخارجية وخاصة سوق الطلب النفطي العالمي. 3ــ صغر الاسواق المحلية لكل دولة على حدة (جميع انواع الاسواق المالية والوظيفية والتجارية والاستثمارية) قياسا للاسواق العالمية. 4ــ عدم الاستعداد الجدي لاعادة تشكيل المجتمع المدني واعادة تشغيل الهيكل الاقتصادي ليتلاءم ومع احتياجات وتحديات الاتفاقيات الدولية التي شاركت المنطقة فيها وملتزمة بتنفيذها وخاصة منظمة التجارة الدولية. 5ــ اية مؤشرات اخرى خليجية تصب في ذات الاتجاه, ومنها نتائج الازمة النفطية الراهنة. نحو رؤية شاملة امام هاتين القرائتين وتلاقحهما نصل الى تلك النتيجة القائلة بان المنطقة بحاجة الى بناء تكتل اقتصادي يخرج من اطاره التقليدي الراهن المتراوح بين نظرية الانتظار لحين تحسن الاوضاع او نظرية تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية الرامية للتكامل (وليس الوحدة) بطريقة القنطار واعطاء جسم الاقتصاد الواحد قطرة قطرة من ماء الوحدة بدلا من الجرعات القوية والمؤثرة. هذه الوحدة الاقتصادية المنطلقة من رؤية تنموية شاملة بعيدة عن حساسيات السيادة الوطنية الراهنة والايمان بالسيادة الوطنية العامة الخليجية ذات العمق العربي, المعتمدة على دراسة الميزة النسبية لكل دولة وتوجيه كافة الجهود صوب انجاح هذه الميزة للدولة بمعنى توزيع المشروعات الانتاجية والخدماتية المالية والزراعية والسياحية والصناعية الثقيلة منها والخفيفة والمعتمدة على النفط او الغاز على كل دولة حسب قدرتها على نجاح مثل هذه المشاريع, من حيث التكلفة ــ الموارد الطبيعية ــ الظروف الاجتماعية ــ التسهيلات ــ الرقعة الجغرافية ــ التلوث ــ توفير التربة والمياه والطقس ــ البنية التحتية المناسبة... الخ, على ان تدار هذه المشاريع على اسس اقتصادية سليمة بعيدة عن الاعتبارات السياسية الانية, ملتصقة ومراعية للاعتبارات السياسية المتمثلة بالتحديات الراهنة, ومؤمنة باهمية تعظيم الارباح واهمية العائد الاجتماعي على مستقبل التنمية والمصير, مع وضع آلية واضحة لحساب العائد وتوزيعه بشكل عادل بين الدول. ان هذه الوحدة الاقتصادية تعني ان هذه الدول مؤمنة باستغلال جميع الامكانيات المالية والبشرية والتقنية والطبيعية المتوافرة في المنطقة, وذلك لكي تضمن نوعا من الاستقلال ودرجة عالية من الاكتفاء الذاتي تساعد نفسها بنفسها, هذا الاعتماد على الذات له اثار ايجابية من ناحية اتخاذ القرارات في شتى المجالات بعيدا عن القيود من خارج المنطقة. كما ان هذه الوحدة تعني ايضا ايمان هذه الدول بان الدولة الواحدة بمفردها من الصعب عليها تحقيق التنمية المستدامة والتطور الاجتماعي في عصر يتطلب مهارات واستثمارات ضخمة ومواد اولية متنوعة واسواقا كبيرة وقوة وارادة مستقلة لمواجهة التحديات المستقبلية. ان محاولة ادخال الاقتصاد في نظام (ريجيم) يحاول ازالة التكرشات والدهون الزائدة والتقشف وتخفيف العبء المتراكم على الموازنات العامة, مثل هذا النظام لا يكفي لانقاذ مسيرة التنمية, وانما المطلوب بجانب الريجيم الاقتصادي, اجراء عمليات هندسة وراثية, تتلاقح فيها اقتصاديات منفردة لخلق اقتصاد جديد يحمل مميزات وموروثات ايجابية لكل هذه الاقتصادات ويكون جديدا ومتميزا في الوقت ذاته. * كاتب بحريني