لا يختلف اثنان في ان سلوبودان ميلوسيفيتش مجرم حرب ابشع واكثر اجراما من كل سابقيه, ويستحق بجدارة ان يحاكم ويعدم شنقا او حرقا او بالموت البطيء جزاء وفاقا على ما ارتكبه من ذبائح في البوسنة, ولا يزال يرتكب حتى الآن في كوسوفو. ولكن قذائف حلف شمال الاطلسي لاتستهدف السفاح الصربي ولا تنال منه ولامن عصابته.. بل لعلها تزيد قبضته على السلطة احكاما وقوة, وربما تكسبه شعبية يفتقدها نظامه الدكتاتوري وفي نفس الوقت تجعله اكثر ضراوة وجنونا وهو ينتقم من مسلمي كوسوفو, ويحرق قراهم ويبيد اطفالهم المحرومين من اية حماية كلما ازداد عنف الغارات الامريكية على صربيا وتعاظمت نيرانها. ونقول (الغارات الامريكية) لانها فعلا وقولا امريكية, تقوم بها القلاع الامريكية الطائرة من طراز بي ـ 52 وليس لها من حلف شمال الاطلسي الذي تحمل رايته سوى انها تقوم من قواعد الحلف في بريطانيا وايطاليا والمانيا.. وقد تساعدها احيانا طائرات المانية او بريطانية بدور ثانوي مثل التزويد بالوقود في الجو ولكن يبقى القرار امريكيا والفعل في مجمله وتفاصيله فعلا امريكيا. وهكذا نجد الولايات المتحدة الامريكية تتصرف مع يوغسلافيا بنفس الطريقة والوسائل التي اتبعتها مع العراق, وان اختلفت الدوافع والمبررات والملابسات ولكن تبقى الملامح الرئيسية واحدة في الحالتين. وهي ملامح مهم كان تعاطفنا مع اشقائنا المسلمين ضحايا مجازر ميلوسيفيتش وحماسنا لقضيتهم ولهفتنا على مصيرهم, إلا اننا لا نستطيع معها ان نحس بالارتياح. ولعل اهم اسباب عدم الارتياح هو اننا معشر العرب, ندرك جيدا حجم النفاق الذي ينطوي عليه الموقف الامريكي من البان كوسوفو, ولا نستطيع ابدا ان نصدق انه موقف ناجم عن مبادىء العدل واحترام حقوق الشعوب, وإلا اين كانت هذه المبادىء على مدى اكثر من خمسين عاما.. ولماذا هي دائما تختفي ولا يتذكرها البيت الابيض او الكونجرس الامريكي كلما كان الامر متصلا بالانتهاكات الاسرائيلية ضد الشرعية الدولية, والعدوان الاسرائيلي الدائم ضد الشعب الفلسطيني؟ اين هذه المبادىء والولايات المتحدة في نفس اليوم الذي بدأت فيه غاراتها فوق صربيا بزعم الدفاع عن حقوق البان كوسوفو تكافىء اسرائيل بمنحها 50 طائرة من طراز اف ـ 16 لتضاعف قدرتها على قصف مدن وقرى لبنان وقتل المدنيين الابرياء من نساء واطفال. وكيف يستقيم المنطق الامريكي الذي يرى في جرائم اسرائيل ضد العرب ـ وتحديها المستمر للشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن الدولي, وحتى الاتفاقيات التي وقع عليها زعماؤها وآخرها اتفاقية واي بلانتيشن التي شرفها الرئيس الامريكي ذاته بتوقيعه كشاهد عليها تقول كيف يستقيم المنطق الامريكي الذي يرى في كل هذا امورا تستحق المكافأة والتأييد بينما جرائم ميلوسيفيتش تستحق العقاب والقصف العشوائي مع انها من نفس النوع وافدح؟ غير ان المسألة ابعد من ان تكون مجرد الكيل بمكيالين. ان مكمن الخطر الذي يتهدد امن العالم بأسره هو ان امريكا ـ وقد انفردت ولو مؤقتا بدور القطب الاوحد ـ قد قررت عمليا الغاء دور الامم المتحدة واعطت لنفسها الحق بأن تكون (شرطي العالم) الذي يستخدم ترسانته الضخمة بغير حدود من اجل فرض سطوته و ارادته على العالمين. وقد يكون الناس احيانا في حاجة الى شرطي قوي ليفرض سلطة الامن والنظام, ولكن الامر يصبح كارثة عندما يكون هذا الشرطي مطعونا جدا في ذمته, ومعروفا بعدم نزاهته, وانحيازه المفتوح لعصابات الصهيونية.. المتحالفة مع المافيا. وحتى في اسوأ الظروف كانت الامم المتحدة هي المرجع الاخير الذي يحتمي به الضعفاء من سطوة الاقوياء حتى ولو ارتدى هؤلاء ثياب الشرطة, ومع الاعتراف بأنها لم تكن دائما قادرة على هذه الحماية, وانها ـ فيما يتصل باسرائيل بالذات ـ لم تستطع في حالات كثيرة ان تترجم قراراتها الى تدابير واجراءات عملية من اجل تطبيقها الا ان مجرد وجودها ـ اي الامم المتحدة ـ كان من الناحية النظرية على الاقل تمثل رادعا ادبيا يمكن ان يقوي دوره ويصبح اكثر قدرة في المستقبل على فرض العدل والشرعية الدولية كسبيل وحيد لسيادة مبادئ الامن والسلام. وهنا نلاحظ ان الولايات المتحدة بانفرادها بقيادة حلف شمال الاطلسي للقيام بعمل عسكري ضد صربيا في مارس 1996 قد خطت خطوة ابعد من تلك التي اتخذتها ضد العراق في الشهور الماضية والتي وصلت الى شن غارات يومية ضد اهداف عراقية استمرت حتى الايام الاخيرة, وحتى اصبحت جزءا من الروتين اليومي المعتاد. ذلك انها استندت في غاراتها ضد العراق الى 13 قرارا سابقا للامم المتحدة صدرت كلها في 1990 ــ ,1991 وبالذات في الفقرة الثانية من القرار الاخير الذي يخول للدول الاعضاء استخدام كافة الوسائل من اجل فرض وتنفيذ قرارات الامم المتحدة (بالنسبة للعراق) من اجل اعادة السلام والامن الدوليين في المنطقة. وكانت حجة الولايات المتحدة في استئناف قصف العراق ـ بالاشتراك مع تابعتها بريطانيا ـ انها تنفذ قرار الامم المتحدة من اجل اجبار النظام العراقي على تنفيذ قرارات الامم المتحدة بعد ان تأكدت من تقرير ريتشارد باتلر رئيس اللجنة الدولية للتفتيش انه يتلاعب بها ـ اي اللجنة ـ والا ينفذ قرارات الامم المتحدة. وعلى هذا الأساس اعلنت الادارة الامريكية انها لم تكن بحاجة الى قرار جديد من الامم المتحدة. ولكن الجديد في الامر هو ان الولايات المتحدة تجاهلت تماما وجود الامم المتحدة, ولم تحاول حتى التذرع بأية حجة صحيحة او غير صحيحة لاستخدام القوة, وحشد حلف شمال الاطلسي لضرب الصرب. ومعنى هذا هو ان الولايات المتحدة لم تعد بحاجة الى ان تستر اي اجراء عسكري تريد اتخاذه بعباءة0 شفافة او غير شفافة تزعم بها الاستناد الى الشرعية الدولية.. وانها قد استبدلت شرعية الامم المتحدة بشرعية اخرى تابعة لها, وتحت قيادتها المباشرة, هي شرعية حلف شمال الاطلنطي. اي ان (الشرعية الدولية) قد اصبحت الآن شرعية امريكية جملة وتفصيلا ومن لا يريد ان يقبل بهذه (الحقيقة) فان طائرات بي ـ 52 العملاقة كفيلة باداء اللازم, وتنفيذ العقاب. وهذه هي الرسالة التي تريد الولايات المتحدة, ان تبلغها للعالم كله حتى يدرك الجميع المفهوم الامريكي للعولمة او النظام العالمي الجديد ونحن على عتبة الالفية الثالثة او القرن الحادي والعشرين **** غير ان هذا الذي تريده امريكا ليس قدرا محتوما لافكاك منه ولا قدرة لاحد على مقاومته. وحتى لو افترضنا ان اعتراض روسيا ليس اكثر من جعجعة بلا طحن هدفها تهدئة الرأي العام الروسي المتعاطف مع الصرب لأسباب عرقية (سلافية).. الا ان الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل اعتراض الصين الذي لا يمكن اتهامه بأنه (انحياز عرقي) .. وانما هو تعبير كبير الحجم لرفض الهجوم الامريكي على الشرعية الدولية, والنية المتعمدة لاغتيال الامم المتحدة. ومن المؤكد ان هناك شعوبا كثيرة نبهتها الى خطورة المسعى الامريكي لفرض اسلوب رعاة البقر على البشرية بأسرها. ولسوف تنمو مقاومة الشعوب للهيمنة الامريكية العالمية التي تحمل بذور انهيارها في داخلها, طالما هي تبدأ بمكيالين, وطالما الغشاوة الصهيونية تعمي صانعي القرار الامريكي عن رؤية المصالح الحقيقية للشعب الامريكي التي لا يمكن ان تتحقق, وتستمر الا في مناخ العدل, والسلام, والمبادئ الصحيحة التي لا تعرف الانحياز.