الصورة الصحفية والزمن المسجون(1 ــ 2)،بقلم: محمد الخولي

الصورة ليست بطاقة تعريف بقدر ما انها بلورة تلخص حدثا بأكمله واحيانا تختزل ما يدل على حقبة بأسرها, واذا كانت السطور الصحفية المكتوبة هى أول مسودة للتاريخ, فان الصورة الصحفية المنشورة هى أول بروفة انطباعية للتاريخ (الآميش) جماعة أو طائفة او نحلة امريكية (بكسر الحاء) يعيش افرادها في مجتمع شبه منغلق على الذات في ولاية بنسلفانيا شمال شرقي الولايات المتحدة, ينتمون في اصولهم العرقية الى الارومة الجرمانية اذ جاء اسلافهم مهاجرين من المانيا وجاراتها, ولا يزالون يحتفظون بميراثهم اللغوي الالماني ــ الهولندي فضلا عن مذهبهم الديني الذي ينتمي الى تعاليم كالفن وهو تطوير لتعاليم مارتن لوثر رائد البروتستانتيه الشهير. مجتمع (الآرميش) هذا ما برح يرفض التعامل مع منتوجات العصر الحديث من راديو وتلفاز وهاتف وموتورات وطبعا سيارات.. ويصل الامر الى حد تحاشى استخدام الكهرباء في غالب الاحيان والى تفضيل المحراث اليدوي الذي تجره الخيول على الجرار الزراعي المعروف. من الطبيعي اذن ان تكون زيارة هذا المجتمع الفريد من الأشياء التي تجذب الزائرين او المقيمين في الولايات المتحدة.. وعندما قمنا بهذه الزيارة وكنا قد قرأنا الكثير عن أعراق هؤلاء القوم وانماط سلوكهم, زاد مرافقونا في الرحلة تحذيرا يستلفت النظر كثيرا حين قالوا: القوم في مجتمع الآميش مضيافون مسالمون وفي حالهم كما سترون ــ لكن حذار من شىء واحد وهو ان يحاول احدكم التقاط صورة لواحد منهم.. هذا والا فهو الويل والثبور وعظائم الأمور. عقائد أهل الكاريبي طبعا لا اكتمك اننا تحوطنا للامر من شتى جوانبه واننا في واقع الأمر أيضاً نجحنا في التقاط, أو هو اقتناص بعض اللقطات لهذا الاسلوب الفريد من حياة البشر في آخر القرن العشرين حياة بلا راديو أو سيارة أو تلفون واحيانا بغير كهرباء.. ومع ذلك فلم ننجح في التوصل الى ما يفسر هذا الرفض للتصوير او اننا وجدنا بانفسنا آراء وتفسيرات عدة.. منها تفسير كاريبي مثلا نسبة الى أهل امريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي بتراثها المثقل بالخرافة والممعن في التعاطي مع عناصر الميتافيزيقا التي تحيط الناس هناك مطلة من ادغال الغابة وكهوف الجبال وطيوف الماضي وأصوات الاسلاف وتراث عصور الاسترقاق في اطار هذا كله يؤمن الناس بحكاية القرين بمعنى ان لكل انسان قرينا يضاهيه ويتطابق معه.. ومن ثم فالصورة انما تعكس كيان القرين في الاساس.. وكم تصمد تقاليد السحر المشعوذ الاسود في بلد مثل هايتي وهي تقاليد الفودو المنتشرة في الولايات المتحدة ذاتها ــ الى استحضار قرين العدو اللدود. على شكل (عروسة) من ورق أو من جلد أو قماش وبعد تلاوة الطلاسم والرقى والتعاويذ اللازمة يتم الفتك بالدمية في ظل قناعة غريبة بان التنكيل انما يطالب العدو ويصيبه او سوف يصيبه.. والامر في كل حال ينطوي على تنفيس شحنة الانفعال النفسي وتصريفها ازاء الخصوم والمنافسين من خلال هذا الاستخدام لعمليات التجسيد والترميز.. وتلك أمور منتشرة ذائعة بين كل الشعوب, ومنها شعوبنا في وطن العروبة والاسلام وخاصة في المجتمعات ــ النائية أو الريفية أو المنعزلة لسبب أو لآخر.. الا ترى مثلا ان اخوتنا في مصر يطلقون على نيجاتيف الصورة الفوتوغرافية اسم (العفريتة) آيه على نفس فكرة القرين.. ثم الم يدخل بنا العلم السوبر ــ حديث في متاهات وارباكات فكرية وعقائدية وسلوكية لم تألفها البشرية من قبل, في حالة نجاح عمليات الاستنساخ, حيث يحق ساعتها ان تجد انفسنا بازاء سؤال حائر يقول (من) الذي تم استنساخة أو (ما) الذي تم استنساخه: اهو الاصل ام الصورة؟ اهو الجوهر أو العرض؟ الكائن أم القرين؟ فلينظر العلم ساعتها ماذا يرى؟ بلزاك وخشية التصوير الا يتصل هذا برفض الفرنسي الاشهر آنوريه دي بلزاك (سيد الرواية الفرنسية في القرن الماضي ان يلتقط له أحد صورة برغم ان اختراع الفوتوغرافيا في أيام بلزاك جاء بمثابة فتح علمى وتقني من فتوحات التقدم التكنولوجي؟ ذات يوم اسر بلزاك الى واحد من اصدقائه بأنه يخشى ذلك الصندوق العجيب المخيف الذي يسمونه الكاميرا (ومعناها في الاشتقاق اللاتيني هو الغرفة الصغيرة) قال بلزاك: كل مخلوق يا صاحبي يتشكل كيانه في رأيي من طبقات بعضها من فوق بعض بل هي متداخلة مع بعضها البعض الى ما لا نهاية ولذلك فكل صورة تلتقطها الكاميرا هذه انما تختلس او تختزل واحدة من تلك الطبقات البالغة الدقة الحاق الاعجاز فاذا امعنت الكاميرا في تصوير المرء المسكين فإنها تجرده من طبقات وجوده ذاته تأخذها من كيانه وتحولها الى صور مطبوعة.. ما الذي يبقى, بالله عليك, سوى شغاف من ذاكرة.. او هياكل بغير جوهر او مضمون.. ونحمد الله سبحانه ان التاريخ لم يقف كثيراً عندما ذهب اليه خيال الروائي عند العبقري الفرنسي بلزاك.. والا حرم العالم من سجل غاية في الثراء والحيوية من الصور واللقطات التي اغنت عن صفحات واحياناً مجلدات او فلنقل انها القت اضواء كاشفة على ما كان المؤرخون يعكفون على تسجيله وتسطيره من صفحات ومجلدات. فن تسجيل الحاضر نحن لا نستطيع ان نصور المستقبل, ولكننا نستطيع ان نصور الحاضر الذي لا يلبث ان يصبح ماضيا منقضيا ولكن يظل يعيش معنا لاننا او لأن الكاميرا استطاعت ان تسجله فتضمن له الاستمرار والبقاء. وكم من صورة فوتوغرافية استطاعت ان تتكلم بلسان بليغ وفصاحة لبيبة ومنطق مبين عن ويلات الحرب او وعود السلم او معاناة البشر او عبرة الحدثان او انجازات الانسانية حين تتفوق فتبدع وتشيد, او حين تسف فترد اسفل سافلين حيث الغدر والوحشية والجريمة واستغلال الانسان للانسان وفي كل حال.. فالصورة من انجازات البشرية حين تتفوق وتتحشد من اجل الابداع وربما جاءت الكاميرا بوصفها احدى الجولات المظفرة في صراع الانسان مع الزمن او على الاقل في تعاطيه وتفاعله مع دورة الايام.. وكم شغف الفلاسفة من ايام الاغريق, ومن بعدهم فلاسفة العرب المسلمين بعنصر الزمن, وعده ووعيده, بدايته وخواتيمه, مآثره وعبرته الى ان استطاع الانسان, على ضعفه ان يحرز هدفا في مرمى شبكة الزمن فاخترع الكاميرا التي يصفها الكاتب الامريكي (لانسي مورو) في عبارة موجزه بارعة تقول: انها وسيلة نسجن بها اللحظة الزمنية في مستطيل مصقول. ان هذه الصورة الملتقطة, هذه المستطيلات المصقولة كما يصفها (لانس مورو) لا تلبث ان تتجمع وتتراكم ويجري تصنيفها وفرزها وتبويبها فتصبح بحق سجل الذاكرة الجمعية العمومية الشاملة للمجتمعات والامم والشعوب. اللقطة والنوستالجيا الناقدة (سوزان سونتاج) تقدم الى هذا التوصيف اضافة تقول فيها ان الصورة, اي صورة يحيطها جو طبيعي ومتلازم من شعور الحنين او شجن الذكرى وهو ما نترجم به مصطلح النوستالجيا في ادبيات الغربيين وهو مرتبط حكما, بشغف الماضي حيث كل صورة انما لتسجل لحظة من لحظات الماضي سواء استدعت مطالعتها او تأملها دمعة في الماضي, او زفرة تنهيد من اعماق الصدور.. او حتى عاودتنا لدى قراءة الصورة زمة الشفتين او جفاف الحلق تعبيرا عاودنا عن غضب مخزون وحنق ظل في الاعماق مكتوماً. طبعا تصدق مثل هذه الاحاديث على الصورة الصحفية بالدرجة الاولى.. الصور الخصوصية او الحميمة ــ الشخصية تظل بداهة محمية بأعراف الخصوصيات من حيث هي بعيدة عن الشأن العام. وحتى صور الشأن العام لا تتمتع جميعا بتلك البلاغة المؤثرة ولا بالحيوية التي تجعلها في كل مرة شاهدا على التاريخ تأمل مثلا معظم صور استقبالات اولياء الامور (بمعنى مقاليد الحكم وليس مجلس الآباء في المدارس) ان صورهم لا تكاد تعني شيئاً اللهم الا انها صور استقبالات في موانئ او في مطارات.. نفس الابتسامات الرسمية نفس الابسطة الحمراء (لماذا لم تتغير الى الوان اخرى وقد يفرق الواحد منهم او يشمئز من اللون الاحمر) نفس القامات المتصلبة لتجريدة حرس الشرف.. طفلة تقدم زهورا للضيف الكبير لا يكاد يراها الضيف الكريم ولا يكاد يلمس باقة الزهر.. لا يتأمل جمال الوانها مثلا ولا يتنسم اريجها النواح ان كان لها اريج ولولا الملامة لذبلت الزهرات اذ جلبها رجال التشريفات منذ باكر الصباح.. والضيف الكبير يعرف ولا شك قيمة الورد والبنفسج والفل والياسمين وحتى الريحان والاقحوان, ويعرف ان الخالق جل وعلا خلق هذا الجمال كله كي نتأمل اختلاف الوانه وبدائع تدويره وننعم بعطر منه فواح لكن الضيف الكبير لا يقبل هذا كله.. بل يتناول طاقة الزهر ويستلمها لفوره الى واحد مزروع في صف من وراء.. ولو ترى ما الذي يحدث لو توقف واحد من هؤلاء الضيوف الكبراء بعيد الاستقبال الرسمي وبدأ يقلب بين يديه باقة الزهر التي تقول نشرات الاخبار ان اهدتها اليه طفلة من اهل الامصار التي يقوم بزيارتها.. ساعتها تنكسر رتابة الناموس ويلطم مدير البروتوكول خديه وقد تثور ازمة دبلوماسية, فكل شيء معد سلفا, وكل شهر يسير عند اهل البروتوكول حسب قواعد مرسومة بل متكلسة منذ ايام الداهية الفرنسي تاليرات, وربما منذ ايام بلاط شارلمان في دولة الروم أو بلاط كسرى انوشروان, صاحب الايوات في دولة فارس, والله اعلم. الصورة الرسمية, البروتوكولية, لا تكاد تعكس شيئا.. انها تسجل واقعة قبل ان تسجل (حدثا) تدون لحظة انقضت من دورة الزمن, ومن ثم تساوي قيمتها ما يدونه دفتر الاحوال أو اضابير السجل المدني في هذا البلد أو ذاك. تصاوير الشأن العام الذي يعنينا في مثل هذا المضمار, هو ــ كما المحنا ــ الصورة البليغة التي تكاد تغني عن الف مقال, تلك التي تسجل حركة أو نقطة تحول, أو لحظة مشهودة من دورة التاريخ, تلمحها, فاذا بها تشع الف ومضة.. تقرأها فاذا بها تبعث في ذكاء الف عبرة.. تتأملها فاذا بك تزداد وعيا بعصر مضى وتحفزا لعصر في ضمير الغيب, وبمناسبة قراءة الصورة الصحفية أو تأمل صورة الشأن العام كما قد نسميها, قد لا يخفى عليك ان زملاء مهنتنا في صحافة الغرب مثلا يستخدمون مهنيين متخصصين قصرا وحصرا في كتابة الكابشن, أو كلام الصورة كما يقول تعبير الصحافة العربية المعاصرة. فالصورة ليست بطاقة تعريف بقدر ما انها بلورة تلخص حدثا باكمله واحيانا تختزل ما يدل على حقبة باسرها, واذا كانت السطور الصحفية المكتوبة هي اول مسودة للتاريخ كما يقولون, فان الصورة الصحفية المنشورة هي اول بروفة انطباعية للتاريخ, ولكن المشكلة, كما يوضح صاحبنا الصحفي الامريكي (لانس مورو) تكمن انه انطباع يدوم ويستمر وقد يصعب تحويله لانه يكون قد استقر في وجدان الناس, واستقر معه تفسير الصورة الذي ارتضوه لانفسهم حين شاهدوها وتأثروا بابعادها وشخوصها وظلالها ودلالاتها, واخطر انواع الانطباعات ـ كما هو معروف ــ هو الانطباع الاول الذي يكاد يتحول إلى فكرة ثابتة, في هذا المجال بالذات, يضرب الصحفي الامريكي المذكور مثالا نراه نموذجيا وفي غاية البلاغة على خطورة الانطباع المتولد عن الصورة الصحفية. والصورة معروفة من ايام حرب فيتنام وقد ذاعت شهرتها في حوليات زماننا من حقبة الستينات ابان اشتعال تلك الحرب وحتى عصرنا الراهن منذ التقطها الفنان (ايدي آدمز) المصور الصحفي في وكالة (اسوشيتد برس) في اول فبراير عام 1968 وقد فازت بجائزة بوليتزر الشهيرة في عام 1969 لافضل صورة صحفية ومن يومها اصبحت الصورة شاهدا على الوحشية في حرب فيتنام كما تقول مجلة (تايم) في عددها التذكاري الخاص الذي اصدرته في بداية عقد التسعينات الحالي عن اهم الصور الصحفية ــ صور الشأن العام كما اسميناها ــ منذ اختراع كاميرا التصوير قبل 150 عاما. حدث في شوارع سايجون اصل الحكاية ان (المصور ادامز) كان في مدينة سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية وقتها وكانت محكومة بنظام نجوين فان دييم العميل للولايات المتحدة وكانت تجتاحها معارك الشوارع بين القوات الموالية لامريكا وطلائع ميليشيا الفييت كونج القادمة من الشمال لتحرير الجنوب وطرد الامريكيين بالصدفة المحضة, تواجد المصور آدمز خلال عملية اعتقال بدت روتينية في الاساس لضابط مأسور من قوات الفييت كونج الشيوعية الشمالية, تصور صاحبنا آدمز انه بازاء صورة عادية مثل آلاف الصور المألوفة التي تسجل حادثة قبض وتوقيف, كان الاسير رجلا ضئيل الحجم, حافي القدمين يرتدي ملابس مدنية وكانت يداه موثوقتين خلف ظهره, يقول المصور آدمز: * ركضت إلى موقع الاسير ومعي الكاميرا, ارتقابا لاي تطور, وبغير سابق انذار فوجئت برئيس شرطة سايجون (نجوين كالون) وقد اخرج مسدسه وصوبه إلى رأس الاسير ثم اطلق رصاصة واحدة لا غير تم اعدام الاسير في عرض الشارع, وطبعا لم يفت كل هذا الهول عن عين الكاميرا التي سجلت كل شيء. نشرت الصورة في طول العالم وعرضه, شاهدها العالم, انتابت العالم صدمة الروع وسارع إلى ادانة السلوك الوحشي الصادر من عملاء امريكا ومن قوات امريكا نفسها, المشكلة الكامنة وراء الصورة, كما اكدت الملابسات, ان الضابط الاسير المغدور كان قد سبق إلى قتل افراد من معارف رئيس الشرطة القاتل وكان ذلك في موقع قريب من نفس الشارع في سايجون. لكن كان سهم الصورة البليغة قد نفذ, ولم يتوقف احد عند الخلفيات أو الظروف أو الملابسات أو المبررات, عاين العالم وقوع جريمة اغتيال في عرض شارع في مدينة ما, في وضح النهار, وعايش لحظة بوم من مسدس, ولحظة قبيل انطفاء شعلة الحياة, وطالع ذراع الشرطي القاتل ممدودة بمسدس وراعته قسمات القتيل, وقد اسبل عينيه وكزّ على اسنانه وقد ارتسمت على ملامحه التاعسة امارات الهول المتوقع الرهيب. يعلن الكاتب (لانس مورو) قائلا: * الاسير لم يحظ بقاض يحاكمه, ولكنه حظى بمصور التقط نهايته وسجل مصيره في صورة اتخذت لنفسها مسارا مستقلا وعاشت حياة خاصة بها, وغيرت التاريخ. وكم من صور عمقت معارفنا وشكلت وعينا, وغيرت التاريخ, فإلى لقاء تال بإذن الله. * كاتب سياسي من مصر

طباعة Email