نحن الان على أبواب القرن الحادي والعشرين الذي سيطل علينا بعد شهور, حاملا في جعبته الكثير من المشكلات والمعضلات , القديمة منها والجديدة, وهي واسعة ومتشعبة ومتداخلة, وليس من السهل تحديدها وتعيين أولوياتها, بدقة بالغة, على الرغم من نشوء علم جديد ظهر منذ زهاء عقدين من الزمن, باسم (المستقبلية), هادفاً الى تعريف مشكلات الغد ومحاولة ايجاد الحلول العملية والمناسبة لها. إلا أن هذا العلم مازال وليدا في طور النمو ويحتاج الى زمن طويل قبل أن تكتمل حلقاته وتظهر قدرته على ربط الخيوط وسبك المعطيات وحل الاستعصاءات وتقديم الحلول الدقيقة للمشكلات, فضلاً عن ان المستقبل كثيرا ما يحمل بين طياته مفاجآت تخرج على جميع الحسابات, وتتمرد على كل التوقعات, ومهما يكن من أمر, فان من المرجح أن المستقبل سيحمل معه الوعود والامال, بقدر ما يحمل من التهديدات والأخطار, فعلى الرغم من سيل الكتب والدوريات وفيض النشرات التي يقرع فيها الكتاب نواقيس الخطر, ويدقون طبول التوجس والتحذير, منذرين بقرب وقوع كوارث مستقبلية لا قبل لنا بتحملها, بسبب عواقب التفجر السكاني والتلوث والاشعاعات المؤذية والجفاف وترقق طبقة الاوزون وتراجع الغابات وشح المياه ونضوب الموارد, إلا أن الرجل العادي يكاد لا يصدق ما يقرأ. فمع تخوفه من النتائج المحتملة للاخطار المشار اليها, فإنه يشعر في قرارة نفسه أن الأمور لا يمكن أن تكون على هذه الدرجة من السوء, وان كثيرا من بالونات التحذير التي تطلق, مبالغ فيها, حتى انه يتجاهل معظمها, مهما حاول اصحابها أن ينزلوها منزلة الحقيقة ويلبسوها ثوب الواقعية. ونحن نرى ان الموقف السليم تجاه هذه الاخطار هو الموقف المتوسط المعتدل, الذي لا يستهين بأخطار المشكلات المقبلة, ولا يبالغ في هلعه منها, لقد تنبأ مالتوس في كتابه (حول مبدأ السكان) الذي نشر منذ زهاء قرن, بأن العالم مقبل على مجاعات وكوارث تحرق الاخضر واليابس وتترك الأرض يبابا, مالم تتخذ اجراءات عاجلة للحد من التفجر السكاني. وكان العالم في ذلك الوقت يضم زهاء ألف مليون نسمة. وقد ارتفع هذا الرقم الآن بمقدار ستة أضعاف تقريبا. ومع ذلك فان العالم مازال بخير, ولازالت الكثير من شعوبه تنعم بمستويات حياة رغيدة, كما أن أشعة الشمس المباركة لاتزال تنصب على سطوح المنازل النظيفة, ناهيك بأن اعدادا من الاسماك قد عادت بعد مئات السنين من الغياب الى الظهور في بعض الانهار التي هجرتها. ولكن في الجهة المقابلة هناك الآن شعوب تعاني من المجاعات, كما الحال في بعض الدول الافريقية, وكذلك فان كثيرا من الامراض قد تفاقمت بسبب التلوث الجوي والمائي والارضي. أضف الى ذلك ازدياد معدلات البطالة بتأثير التفجر السكاني السريع في بعض البلدان. وهذا يؤكد وجهة نظرنا القائلة بأن علينا أن نقف في منتصف طريق الخط الفاصل بين التشاؤم والتفاؤل, بالنسبة لتوقعات الغد. ويشير جوردون تايلور في كتابه: (The doomsday) أي (يوم الدينونة), والذي صدر منذ فترة باللغة الانجليزية, الى انه على الرغم من الآثار الضارة التي تخلفها العمليات الصناعية الحديثة, فان التكنولوجيا قد أطعمت ملايين الناس, ورفعت من سوياتهم. وقد تم هذا في الماضي والحاضر دون أن تقع كارثة عالمية. وعلى الاغلب, فان الشيء نفسه سيحدث في المستقبل. ويرى الكتاب ان كثيرا من التنبؤات المتسمة بالتشاؤم حول احتمالات المستقبل, قد ثبت خطؤها اليوم, مما دعا الكثيرين الى القول بأن علينا ان نترك المستقبل ليحل مشكلاته. ولكن هذه النظرة المتفائلة, تنطوي ايضا على الخطر, لان الانسان الذي مازال يحيا ويتكاثر ويخضع بيئته ويطوعها كما يريد, يواجه احتمالا بأن تؤدي تصرفاته الى تقويض الحضارة الحديثة وجر الجنس البشري الى شفا الهاوية وأتون الهلاك. واذا اردنا لعالمنا الحالي أن يبقى ولعجلة التقدم ان تستمر في الدوران, فان علينا ان نحاول الوصول الى تحديد الاخطار الحقيقية التي تتهددنا, بصورة أساسية وملحة. ويكاد يكون التكاثر السكاني أم المشكلات في العالم, في نظر الكثيرين من العلماء, لأن هناك مشكلات اخرى كثيرة تتفرع عنه أو تزداد حدة بسببه, مثل البطالة ونقص الغذاء والماء والطاقة. ولكن علماء آخرين يرون ان في الارض من الموارد الاحتياطية ما يكفي لمواجهة اي تزايد سكاني مرتقب, فضلا عن التكاثر البشري يؤدي الى تحسين الانتاج كما وكيفا والى ظهور اعداد جديدة كبيرة من المفكرين والكتاب والاطباء والمهندسين الذين يستطيعون الاسهام في تقدم البشرية. وهناك ايضا الخطر النووي, وقد دخلت النادي النووي مؤخرا دولتان جديدتان هما الهند وباكستان, مما يهدد بدخول دول اخرى, ونستطيع القول ان هذا الخطر سيزداد او ينقص بمقدار حكمة او طيش الزعماء الذين سيتحكمون في مجريات الامور مستقبلا, فلو كان في حوزة هتلر في عام 1945 ما يكفي من القنابل الذرية المدخرة, فلربما ادت تصرفاته الطائشة الى ابادة الجنس البشري ومحو حضارة الانسان, واذا كان من المستبعد ان يسفر تطور الاسلحة الذرية عن تهديد سلامة العالم في المدى القريب, فان هذا محتمل جدا في الامد البعيد, اذا جاء الى سدة الحكم زعماء طائشون ليس لديهم شعور كاف بالمسؤولية. ويتفرع عن التهديد النووي ايضا خطر الاشعاعات الضارة والمميتة احيانا, وكلنا نذكر في هذا المجال كارثة تشيرنوبل في روسيا, وما ادى اليه تطاير الفضلات المشعة من آثار مأساوية, وحتى الآن, لايلقى خطر الاشعاع ما يستحق من اهتمام, مع ان هناك حاجة ملحة لمنح الاولوية للسيطرة على المصادر العسكرية والمدنية للاشعاع الذي يعد التلوث به جزءا من مشكلة التلوث بشتى اشكاله, والسؤال المهم الذي يبرز هنا يتعلق بما اذا كانت التكنولوجيا الحديثة هي المسؤولة الاولى عن التلوث, والجواب على هذا التساؤل ينطوي على مفارقة عجيبة, فعلى الرغم من ان التكنولوجيا بشتى انواعها هي التي تؤدي الى تلويث البيئة الحالية بشكل لم يسبق له مثيل, فانها هي وحدها القادرة على تنظيفها, ان استطعنا استغلالها بكامل طاقاتنا وامكاناتنا وبالشكل الصحيح والسليم, واذا توافر وعي كاف لدى الزعماء والجماهير, فان التكنولوجيا, اذا احسن استخدامها, تستطيع ان تحل معظم المشكلات التي تهدد مستقبل كوكبنا الارضي. ومن الاخطار الاخرى التي لايمكن تجاهلها تغيرات المناخ. فمستويات اوكسيد الكربون آخذه بالازدياد في الجو على نحو يدعو للقلق الشديد, مما قد يسفر عن ذوبان الجليد القطبي وغمر كامل اليابسة في بعض المناطق بالمياه, ويعتقد بعضهم ان جليد القطب الجنوبي الذي يقع الآن على اليابسة سوف ينتقل مستقبلا الى البحار المحيطة بها ويرفع منسوبها. ويرى الخبراء ان هناك نوعين من التغيرات التي ستطرأ على مناخ الارض وتؤدي الى تسخينه, الاول من صنع الانسان, والثاني من فعل الطبيعة نفسها.