عندما اتفق الرئيس العماد أميل لحود مع الرئيس سليم الحص على اتخاذ القرار العادل لمعاملة وثيقة السفر الممنوحة للاجئين الفلسطينيين كما يعامل جواز السفر اللبناني, لم يكن قد مضى على وجوده في القصر الجمهوري شهران. واعتبر الفلسطينيون المقيمون في لبنان ذلك القرار بمثابة هدية عيد الفطر الذي كان على الأبواب . ولذلك كانت الزيارة التي قام بها وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الأخ فاروق قدومي لتهنئة الرئيس بثقة الشعب وانتخابه رئيسا للجمهورية اللبنانية مناسبة لشكره على القرار والبحث فيما تبقى من المشاكل التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون ولاتزال معلقة. ولما قلت لفخامته في تلك الزيارة اني لم أفاجأ بموقفه القومي لأنه ورث ذلك عن والده المرحوم اللواء جميل لحود, الذي كان يهلل الفلسطينيون في كل مرة يتعين فيها وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية لما عرف عنه من انسانية وترفع عن المشاعر الضيقة, ابتسم فخامته وقال: (أنا تربيت على العروبة في بيت أبي) . وأفاض فخامته بالحديث عن توجهاته ورؤاه للمستقبل اللبناني الذي لا يفصله عن المستقبل العربي ولاسيما فيما يتعلق بعملية الصراع مع الاسرائيلي. وليس من حقي هنا ان أسهب في نقل ما قاله الرئيس المفعم حيوية والمستبشر خيرا باستمرار, كما تعكس ابتسامته الدائمة, لأني لم أكن في حضرته باعتباري كاتبا صحفيا, وإنما عضوا في وفد سياسي يمثل ذلك الجزء من المنظمة الرافض لاتفاقية أوسلو والقلق على مصير قضية فلسطين, ولاسيما مصير اللاجئين المقيمين في الشتات, وبخاصة المقيمين في لبنان. لقد استمع إلينا الرئيس لحود بكل جدية واهتمام ووعد بدرس الملف الفلسطيني, مبدياً كل العطف والتعاطف, لافتاً لاى تحفظ واحد هو عدم السماح لإسرائيل بالإفلات من مسؤوليتها عما لحق بشعب فلسطين من ظلم وتشريد وعدم تمكينها من المضي في سياستها الرافضة لعودة اللاجئين الى ديارهم, بهدف توطينهم في منافيهم القسرية بما في ذلك لبنان, وهو تحفظ في محله ولا يختلف فيه فلسطيني حر واحد مع الرئيس لحود. وفيما يلي صورة عن أوضاع اللاجئين في لبنان شارك في رسمها عدد من المؤسسات والهيئات المدنية المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان, نوردها هنا من دون تهوين أو تهويل, ونضعها أمام المسؤولين في لبنان وكل البلاد العربية والمؤسسات الدولية, وبخاصة هيئة الأمم المتحدة, ليتحمل كل فريق ما يتوجب عليه القيام به للتخفيف من هذه المأساة التي طالت حتى بلغت نصف قرن من الزمان. يقيم في لبنان اليوم ما يقارب من ثلاثمائة وخمسين ألف لاجىء فلسطيني, ويمكن حصرهم في ثلاثة أماكن هي: 1 ــ المدن اللبنانية وفيها 26% من اللاجئين. 2 ــ التجمعات الفلسطينية ويزيد عددها عن ثلاثة عشر تجمعاً ويعيش فيها ما يقارب السبعين ألف نسمة, وهي تجمعات غير رسمية, أي أن أراضيها غير مستأجرة من قبل منظمة الاونروا التي ترعى شؤون اللاجئين, كما أن الاونروا لا تقدم خدماتها الصحية والاجتماعية مباشرة الى هذه التجمعات. 3 ــ المخيمات الفلسطينية وعددها اليوم اثنا عشر مخيماً, ويعيش فيها 54% من اللاجئين, وأرضها مستأجرة بشكل رسمي, وتحظى هذه المخيمات بخدمات الاونروا المحدودة. ويعاني هؤلاء من مشاكل صحية وتعليمية واجتماعية متعددة, إن أوضاع منازلهم والازقة واقنية الصرف الصحي المكشوفة تبعث على القلق, وهم لا يلقون من الاونروا نفس الاهتمام والرعاية التي يلقاها أقرباؤهم في سوريا. وتعترف الاونروا نفسها في تقرير صدر سنة 1995 ان اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هم الأكثر بؤساً, اذ ان حالات العسر الشديد تصل الى نسبة 5.10%, وهي أعلى من أي نسبة في مجتمعات اللاجئين. المعاناة الصحية هي مشكلة المشاكل كما يصنفها الفلسطينيون, وذلك بسبب انتشار الأمراض والأوبئة وتراجع الخدمات الصحية التي تقدمها المنظمات والجميعات المتخصصة وانعدام الرعايا الصحية الأولية وغياب أشكال الطب الوقائي, وتراكم النفايات بشكل غير صحي على مداخل المخيمات ووجود مناطق في المخيمات غير مشمولة ببرامج النظافة وانتشار أقنية الصرف الصحي المكشوفة, والمتلاصقة في أكثر من مكان مع أنابيب مياه الشفه, ويضاف الى ذلك أيضا غياب أي سلطة رقابية على المتاجر والأسواق, وافتقار المدارس للعيادات الصحية والإسعافات الاولية, وانتشار الحشرات والقوارض بشكل ملحوظ, وعدم ملاءمة المراكز الصحية الموجودة والكادر الطبي العامل مع الامراض والمشاكل المنتشرة, اما اجتماعيا, فمن الملاحظ انتشار مظاهر البطالة بسبب عدم السماح بتشغيل الفلسطينيين في المؤسسات والشركات اللبنانية, وقد تفاقمت هذه المشكلة بعد حرب الخليج الثانية والتضييق في منح اجازات السفر الى اقطار الخليج عموما. ومن المعروف ان جزءا كبيرا من الفلسطينيين الذين طردوا من الكويت هم من لاجئى لبنان وكانوا من اغزر المواد المالية بالعملة الصعبة, فتحولوا اليوم الى عبء يبحث عن مكان في اي مكان. اما المراقب للشأن التربوي للاجئين فإنه يلاحظ انخفاض عدد الطلاب عما كان عليه عددهم في الاعوام السابقة, وكذلك يلاحظ انخفاض عدد المدارس في المخيمات قياسا الى باقي مجتمعات اللاجئين في سوريا والاردن وداخل فلسطين المحتلة, كما يلاحظ انهيار مخيف في نسب النجاح علما بأن ابناء الجيل الذي سبقهم كانوا باستمرار في عداد المتفوقين. ان هذا النقص في عدد المدارس يظهر من خلال استمرار استخدام نظام الفترتين في التدريس والذي تطبقه حاليا وكالة الغوث بنسبة 56% من مدارس المرحلة الابتدائية و 36% من مدارس المرحلة المتوسطة. واما على الصعيد القانوني فوضع الفلسطينيين في لبنان يختلف تماما عن وضع اي اجنبي مقيم في لبنان من حيث انه لاينتمي لدولة ملزمة برعايته وبالتالي فإن مبدأ المعاملة بالمثل الذي يشترط القانون اللبناني على الاجانب المقيمين على ارضه يعتبر سيفا مشرعا في وجه الفلسطينيين المقيمين على الارض اللبنانية, من حيث السماح لهم بمزاولة اي عمل باستثناء العمال الموسميين في القطاع الزراعي وقطاع البناء. هذه صورة موجزة عن مأساوية حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان دون تهويل او تهوين كما قلنا. ونؤكد بهذه المناسبة ان اللاجئين في لبنان اليوم باتوا اكثر ثقة بالعهد الجديد مقارنة مع العهود السابقة ويتطلعون الى فتح حوار لبناني ــ فلسطيني لاعادة النظر بالقوانين اللبنانية المعنية بشؤونهم وذلك للبت في المسائل المتعلقة بمجالات التنقل والعمل والتملك وتسجيل المؤسسات التابعة لهم والكف عن الملاحقات التي شملها قانون العفو العام الصادر سنة 1991 والسماح بادخال مواد البناء والترميم الى مخيمات صور التي لاتزال ممنوعة منذ اكثر من سنتين. كما لايزال الفلسطينيون قلقين من التقارير الاعلامية التي تتحدث عن مخططات لتوطينهم في لبنان, او ترحيلهم الى العراق من ضمن صفقة لحل الازمة العراقية, كما يبدون تخوفا من البعثات الاجنبية المتعددة التي تزور المخيمات تحت ذريعة الاحصاء ودراسة الاوضاع كما يرددون من ان تكون في مساعيها تستهدف ماهو غير ذلك وما يخدم مشروع التحالف الصهيوني ــ الامريكي بعدم تمكينهم من العودة الى ديارهم واسترداد هويتهم ووطنهم. الملف كما قلنا عند فخامة الرئيس لحود, وقد اكدت لنا مصادر مسؤولة ان لجنة خاصة تعكف حاليا على ايجاد الحلول وفق المعادلة التي اشار اليها الرئيس في حديثه لنا يوم التقيناه مهنئين والقاضية بمراعاة مطالب اللاجئين الى اقصى الحدود, ولكن دون تمكين اسرائيل من تحقيق هدفها بالتنصل من مسؤوليتها بل جريمتها في اغتصاب ارض فلسطين وحقوق الانسان الفلسطيني ولنا كل الثقة بالرئيس العماد.