تلقت السياسة الاسرائيلية أكبر ضربة ممكنة باعلان الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع, وفي ختام قمة برلين, تأييده لاقامة دولة فلسطينية مستقلة, واستعداده للاعتراف بها قريباً عندما يتم الاعلان عنها رسمياً, ذلك لأن هذه السياسة التي أعادها نتانياهو الى الوراء , تراهن على امكانية تأجيل اعلان الدولة الى أجل غير مسمى, ان لم يكن في الامكان الغاء اعلانها نهائىاً, حتى والاتفاقيات بين اسرائيل والفلسطينيين تنص عليها, وذلك في المرحلة النهائية من المفاوضات. المرحلة النهائية عملياً قريبة ان لم تكن المفاوضات قد دخلتها فعلاً, لولا العراقيل الاسرائيلية, فعلى حسب الاتفاقيات, وخصوصا أوسلو, فإن الفلسطينيين يحق لهم اعلان دولتهم في الرابع من مايو 99 الحالي, الا ان نتانياهو يصر على أن ذلك غير ممكن الا من خلال التفاوض, وفي التفاوض المتوقف منذ زمن, يرفض مبدأ الدولة المستقلة من الأساس, باعتبار أن دولة فلسطينية مستقلة من شأنها أن تدمر اسرائيل. معنى ذلك ان قيام الدولة عند نتانياهو مستحيل ومرفوض, وعليه فلا يمكن ان يكون هناك تفاوض من الأساس على ماهو مرفوض في الواقع, ومع تناقض هذا الموقف مع الاتفاقيات والدعم لهذه الاتفاقيات, من أغلب بلدان العالم, خاصة أمريكا وأوروبا, فإن الحل يكون في الاعتراف بهذه الدولة, أو على الأقل التلويح بالاعتراف بها, وهو ما قامت به أوروبا مؤخراً, دعماً لمسيرة السلام. هذا الموقف الأوروبي السليم, الذي قيل أنه تم ترتيبه بالتنسيق مع أمريكا, أثار غضب نتانياهو وحكومته, ووصفه بالمحاولة الخارجية لفرض اقامة دولة فلسطينية, ثم هناك كلام أشد وأوقح صادر عنه ضد أوروبا, ذهب فيه الى حد التذكير بمزاعم المحرقة النازية لليهود, واتهام أوروبا بالتحيز الى جانب واحد, ما يقلص دورها الممكن كوسيط أمين, حسب زعمه. طبعاً أوروبا تستطيع أن ترد على نتانياهو بسهولة, اذ يكفيها أن تذكره على طريقة (ان كنت ناسي أفكرك) لأم كلثوم الله يرحمها, ان اسرائيل نفسها تم الاعتراف بها من الخارج, وأن هذا الاعتراف الأوروبي والأمريكي والروسي تم فرضه بالقوة على العرب, وبالدعم الغربي المستمر مالاً وسلاحاً وعتاداً و سياسة, وصولاً الى اعتراف اصحاب الشأن الفلسطينيين بها, لولا ان أوروبا اكتفت بالصمت, فهي تعرف ان نتانياهو والمتطرفين أمثاله, أصغر من ان تشغل نفسها بالرد عليهم. وهكذا فإن الفلسطينيين, ومعهم بقية العرب, شربوا في الماضي القريب من كأس الأمر الواقع المفروض عليهم بالقوة, باعتراف دول الغرب باسرائيل وتنفيذها لقرارات الأمم المتحدة باقامة دولة اسرائيل في فلسطين رغماً عن أنوفهم, فقد جاء الوقت لكي يشرب الاسرائيليون الرافضون لدولة فلسطينية مستقلة من الكأس نفسها, لأن اعلان قيام دولة مستقلة ثم توالي الاعتراف بها دولياً ليس الا تحصيل حاصل, والا فلماذا السلام كله؟ وصحيح أن التلويح الأوروبي بالاعتراف بالدولة, هو الثمن المستحق والمشجع لعرفات لكي يؤجل اعلان الدولة, عن موعدها المقرر حسب الاتفاقيات في شهر مايو المقبل, الا أنه ثمن مقبول لكسب كبير ونصر عظيم, لأن الاعتراف الأوروبي من شأنه ان يجر وراءه اعترافات اخرى من دول العالم, فلا يكون اعلان الدولة الآتية لا ريب فيه, إلا مسألة وقت قصير نسبياً, والصبر, لمن صبر طويلاً, ليس مراً هذه المرة.