قارىء ومحام واعلامي مواطن, المواطنة لديه انتماء وتماس وتعايش مع تفاصيل هذا الوطن أيا كانت هذه التفاصيل, ومهما كلفه هذا الانتماء, يحدثك بحماس ظاهر, كأنه يريد أن يقبض على روحك بأسرع ما يمكنه , ليزرع فيها احساسه بهذا الذي يؤرقه, وبالجمال الذي يشعر به, فلا تملك سوى أن تكون معه, متفائلا بالوعي الذي يملؤه حتى يكاد يصلبه على أمل انتظار الذي قد يأتي وقد لا يأتي. الحكاية ليست حكايته, ولكنها خرجت من ملفاته القانونية, رواها لي فشعرت حتى اليوم بانها ظلت محشورة كالغصة في حلقه, بينما ظلت كالشوكة في داخلي, ولا ادري ما الحل, ولا أملكه, ولكننا نملك ان نصرخ باقلامنا نيابة عن هؤلاء الذين ضاعت أصواتهم بفعل فاعل أو ضيعوها لجهل فيهم, نبقى معلقين كعصافير الغابات في اسطورة انتظار الاطمئنان والامان والفرج. والحكاية تنسجها تناقضات الواقع وتكملها تشعبات الجهل والظلم والمرض و.. الخ. لينتهي امرها في المحاكم دون فرج, وفرجها الوحيد هو اقرار قانون للاحوال الشخصية الذي سيبت النظر فيه ــ كما سمعنا ـ قريبا, وقريبا هذه طالت اكثر مما يجب. يروي هذا المحامي حكاية سيدة شابة متزوجة لايتعدى عمرها العشرين عاما, قضيتها منظورة في المحاكم الشرعية منذ سنتين, والقضية طلب طلاق, اما المعضلة فتكمن في رفض الزوج وتهربه الدائم من حضور الجلسات, ورفض القاضي البت في القضية وانهائها! وفي زمن يمتد سنتين تتوزع نهارات هذه السيدة في اروقة المحكمة وامام مكاتب المحامين والقضاة, تجرجر نفسها تحت وطأة الاحساس بالظلم والقهر وضياع العمر. لا أريد أن أدخل في دهاليز قضية المرأة وظلم الرجل, لانها أكثر تعقيدا من ان يحتملها الحدث, ولكن قضية هذه السيدة لا تذهب بعيدا عن تحامل الرجل على المرأة لغرور في نفسه وعدم احساس بكيان انساني له حق الحياة وحرية اختيار الطريق. عندما تزوجت لم تكن تعلم ما ينتظرها, ولكنها اكتشفت بعد فوات الاوان ان زوجها عاجز, ولا أمل لحالته, عندها تحولت حياتها الى ما يشبه الجحيم, وكان الحل الوحيد هو الطلاق. في المحكمة طالبها القاضي بالاثبات! فكيف تثبته؟ الزوج يرفض المثول امام القاضي, ويرفض اتمام الطلاق باحسان وتراض كما أمر الله خوفا من الفضيحة وحفاظاً على عنجهية الرجولة الزائفة والقانون لا يبت في الأمر وانما يتفرج على الضحية بانتظار أن يغير الرجل رأيه ويعود الى صوابه. القاضي يرفض الطلاق خوفا على السيدة من الانحراف في عمر الفتنة وأملاً في اصلاح حالة الزوج, واعتقد بان قانون الاحوال الشخصية قد يكون الرد الاسلم في مواجهة هذا المنطق.. وتظل القضية منظورة حتى اشعار آخر.. تصرخ السيدة اريد حلاً.. ويصرخ الرجل: لا عزاء للسيدات ونصرخ نحن: متى يرى قانون الاحوال الشخصية النور؟؟