كل عام وأمتنا العربية والاسلامية خير أمة أخرجت للناس, إن تمسكت بقيم ومبادىء دينها الحنيف, إرادتها حرة, وكرامتها مصونه, صامدة على الحق, تأبى الظلم وتناهض ظالميها, قوتها في تضامنها وإتحادها, عصية على أعدائها, مفعمة بالرحمة والمودة والتسامح فيما بينها ــ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ! يهل علينا عيد الأضحى المبارك بالبركات ودعاء الحجيج المستجاب, يذكرنا بحكمته ودعوته للتضحية وإنكار الذات, وما مصائبنا ونكباتنا المدلهمة, إلا لأننا لم نبذل من العطاء والجهد بالقدر الذي يؤمن مسيرتنا المشروعة في الحياة الكريمة الآمنة, فلا نلوم إذن سوى أنفسنا وقد تكالب علينا شذاذ الآفاق, يسلبون أرضنا ويمزقون أوطاننا إربا, ويسوموننا ويلات الاستبداد أشكالا والوانا, ويستأسد علينا رعاة البقر ويفرضون علينا ضريبة فرقتنا وضعفنا, وتساق الأمة كما لو أنها غائبة عن الوعي الى حتفها المحتوم, دون رادع من إرادتها المهدرة ولا شفيع من طاقاتها المستنزفة. عيد بأية حال عدت يا عيد الأضحى, شعب العراق العظيم تحت الحصار منذ أكثر من ثماني سنوات, أطفاله تنتفخ بطونهم كالحبالى ويموتون تباعا بالآلاف جوعا ومرضا, الضربات الصاروخية الأمريكية البريطانية تنهال عليه صباح مساء وتفتك بالأبرياء وتشيع الدمار والخراب في كل مكان, والخونة والعملاء يجري تدريبهم وتزويدهم بالسلاح والدولارات عيانا بيانا إيذانا بتقسيم العراق أرضا وشعبا وعقائد وملل ونحلاً شتى, وحدث ولا حرج عن المخططات المشبوهة تزرع الخلافات والفتن في ربوع الوطن العربي برمته وتركيعه وافقاره, وهاهي ليبيا تواجه الحصار لأنها ترفض الاستسلام للهيمنة الكونيه الأمريكية, والارهاب باسم الدين الحنيف يواصل جز رؤوس الأبرياء في الجزائر, ونظام الجبهة الاسلامية في خصومة مع أهل الجنوب السوداني ومع جيرانه بلا استثناء, والحرب الأهلية الضروس أكلت الاخضر واليابس وفتحت الأبواب على مصارعها أمام التدخلات الأجنبية الطامحة الى تقسيم السودان, والاحتلال الاسرائيلي ينكل بالفلسطينيين ويهدم بيوتهم ويستولي على أرضهم, والصليبية الجديدة تأبى إعلان دولتهم المستقلة, والتهويد على قدم وساق لعاصمتها القدس, والجنوب اللبناني لايزال صامدا بقواه الذاتية المتواضعة في مواجهة جحافل التتار الصهيوني برا وجوا وبحرا, وسوريا باتت بين فكي التحالف الاستراتيجي التركي الاسرائيلي, والاردن في أول عهد الملك عبدالله أصبحت في موقف الإذعان من إسرائيل التي أعلنت إغتصاب مادون نصيبها من مياه بحيرة طبريه, وتنازع السيادة بين المغرب وبوليساريو حول الإقليم الصحراوي يستنزف الإمكانات والطاقات المدخرة للتنمية والتقدم ويلقي بظلاله القاتمة على مصير الاتحاد المغاربي, حتى مصر التي نفدت بجلدها عبر اتفاقية كامب ديفيد عليها أن تواجه بين الحين والآخر شتى الدسائس والمؤامرات التي تستهدف اجهاض دورها القيادي وعزلها عن محيطها العربي الحيوي, ولا تزال الجزر الاماراتية الثلاث حجر عثرة كأداء تعوق إنجاز التضامن العربي الايراني المنشود وتفعيل الأمن المشترك في منطقة الخليج, والنزاعات العربية الحدودية أصبحت سيف النزعات القطرية المستمر في وجه القومية والوحدة العربية, والأدهى والأمر ذلك النشاط السياسي والفكري المحموم الذي يمارسه دعاة التطبيع مع اسرائيل في مختلف منابر الرأي والاعلام لتغييب الوعي القومي, ولا يألون جهدا في الترويج للعولمة والطريق الثالث الذي يستبيح حقوقنا المشروعة وأرضنا السليبة وكل مقدساتنا وثقافاتنا وثوابتنا الوطنية والقومية, وعفا الله عما سلف من ظلم وهوان وما ينتظرنا في المستقبل من جور واستلاب! عيد بأية حال عدت يا عيد الاضحى, وأوضاعنا العربية تتدهور الى أسوأ مما كانت عليه, وهل قدر للأمة العربية أن تستقبلك على حالها عام 2000 قبل أن تستجمع ارادتها وتستفيق من سباتها وتمارس فضيلة نقد الذات لعلها تتدارك الاخطاء القاتله التي أدت الى مأزقها التاريخي, كمقدمة لا نعرفها للنهوض من كبوتها؟ ذلك هو السؤال الذي يراود كل مواطن عربي بصير بالعواقب الوخيمة التي تنتظر الأمة ان ظلت أسيرة عقدة الذنب أم عقدة الاضطهاد, تلقى باللائمة على حظها التعيس وظروفها العثرة تارة, وأخرى على الصهيونية والاستعمار القديم والحديث, بينما صحيح المعادلة يكمن في القول المأثور (من أعمالكم سلط عليكم) ! على أنه من غير الصواب استمرار جلد الذات, وانما يتعين اليقين بأن ما تملكة الأمة العربية من قدرات وإمكانات وعقول يؤهلها دوما لاجتياز مأزقها التاريخي, وأن تراثها الحضاري والنضالي معينها لاستعادة الثقة بالنفس, وابتكار الأساليب الخلاقة لردع العدوان والحلول الملائمة لمشكلاتها المستفحلة. ولعل الرصد والتقييم الامين لمحتوى وابعاد المتغيرات التي شهدتها الساحة العربية مؤخرا, يشي بتباشير الانفراج والتصحيح, وهكذا رغم الصياغة الدبلوماسية التوفيقية للقرارات الصادرة عن الاجتماع الاخير لوزراء الخارجية العرب, إلا أنها بلورت لاول مرة ادراكا مسؤولا وارادة قومية جماعية إزاء حل الأزمة العراقية, سواء عبر إدانة الضريات الأمريكية البريطانية, كونها خارج شرعية مجلس الأمن ومتجاوزة لقراراته بشأن العراق, أو تشكيل آلية عربية لمتابعة التنفيذ, ولا يقل عن هذا الموقف ايجابية, فتح ملف الاسرى والمفقودين الكويتيين والسعوديين والعراقيين حتى يتبين الخيط الابيض من الاسود حول هذه الاشكالية التي ظلت تنكأ جراح الماضي, والحيلوله دون إنجاز المصالحة العربية وعقد القمة العربية. والشاهد أن فتح السعودية أجواءها وأراضيها لاستقبال الحجاج العراقيين, والاعلان عن استضافتهم على نفقة المملكة, يكاد يتشابه من حيث الاسلوب والنتائج مع (دبلوماسية الاتوبيس) التي بادرت اليها الهند عدوتها باكستان, ولاشك أن فضل المبادرة في (دبلوماسية الحجاج) يعود الى السعودية, ورغم ان العراق اضطر الى سحب حجاجه للضغط على الأمم المتحدة حتى تفي باحتياجاتهم النقدية من صندوق (النفط مقابل الغذاء) , الا أن المبادرة في حد ذاتها تمثل موقفا عربيا مسؤولا لا مفر من أن يعكس مردوده الايجابي على صعيد انفراج العلاقات العراقية السعودية ولو بعد حين و.. أول الغيث قطرة! ولعل ما يطمئننا كذلك على سيادة نهج العقلانية العربية, استعادة الأخ العقيد معمر القذافي سابق إيمانه بالقومية العربية عبر لقاءاته السياسية والفكرية خلال زيارته لمصر, ومن ثم طرحه للوحدة الاندماجية مجددا بين شعوب ودول (مثلث الأمل) .. مصر وليبيا والسودان, حيث عقب على دعوته الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس مبارك في محاضرة له, مؤكدا على أن هذه الوحدة طبيعية وحتمية ونواة للوحدة العربية الشاملة, وقد تزامن مع هذه المستجدات القومية العقلانية, مشروع محطات الربط العملاقة بين الشبكات الكهربائية المصرية ــ الاردنية بما يوفر ما يفوق الطاقة الكهربائية للسد العالي, ولعله مثل يحتذى عبر تبادل المنافع والتكامل الاقتصادي العربي, وأخيرا رفض مجلس الأمة الكويتي صفقة المدافع الامريكية بكلفة 570 مليون دولار, أولا لقدم طرازها وتنحيتها من الخدمة منذ حرب فيتنام, وثانيا لقصر مرماها مما لا يتلاءم مع احتياجات الكويت الدفاعية.