على خلفية المتغيرات الدولية والاقليمية, الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي الجديد, والتداعيات المتعلقة بحرب الخليج الثانية, وبخاصة بعد انطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد أواخر العام 1991 , انتعشت الأفكار المتعلقة بتغير طبيعة اسرائىل, وتغير دورها في المنطقة, في محاولة لمصادرة فكرة العدو في الخطاب السياسي العربي, والترويج لفكرة المصالحة التاريخية, وتاليا لتمرير مشاريع التطبيع والتعاون الاقليمي, في شتى المجالات, وصولا الى خلق حالة من القبول بالمشروع (النظام الشرق اوسطي) وتستند فكرة تغير اسرائىل للمنطلقات التالية: أولا: شكل انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) تآكلا بالنسبة للدور الوظيفي لإسرائيل في المنطقة, خاصة ان الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لهذا الدور, بحكم هيمنتها على (النظام الدولي الجديد) . ثانيا: لم تستطع اسرائىل ان تفعل شيئا خلال ازمة وحرب الخليج الثانية, بل انها كانت عبئا على الولايات المتحدة, وهذا يدل على تراجع دورها وتضاؤل قيمتها الاستراتيجية. ثالثا: إن تعاظم دور العامل الاقتصادي, والقدرات العلمية ــ التكنولوجية في العلاقات الدولية, ادى الى تضاؤل دور العامل العسكري, وهذا ينطبق على اسرائىل, التي تأسس دورها على قوتها العسكرية. رابعا: أدت التداخلات الاقتصادية وتزايد حالات الاعتماد المتبادل, ونشوء التكتلات الدولية والاقليمية, الى فرض ضرورة (التعاون) بين اسرائىل ودول المنطقة لحل المخاطر المستقبلية المتمثلة بحاجات المنطقة المتزايدة الى المياه, وحماية البيئة والتنمية الاقتصادية والتمويل ومشاريع البنية التحتية والتسويق السياحي, وهذا يؤدي الى تزايد الحاجة الى (الاعتماد المتبادل) بدلا من حالة العداء المتبادل. خامسا: بما أن للولايات المتحدة, التي تهيمن على النظام الدولي, مصلحة في قيام (نظام اقليمي جديد) في المنطقة, فإنها ستفرض نوعا من التوازن في مواقفها وعلاقاتها إن مع اسرائىل أو مع الدول العربية. وهي التي يمكنها ان تدفع اسرائيل للقبول بالانخراط في الإطار الاقليمي على أساس مصالح (متوازنة) مع العرب. إجمالا, تلك هي المنطلقات التي يسوقها القائلون بأن اسرائىل تتغير, وبالطبع فإن هؤلاء يدعون الى اقتناص هذه الفرصة والتعامل معها بروح ايجابية وعصرية حتى لا تضاف الى قائمة (الفرص الضائعة) ! المسجلة في تاريخ الصراع العربي ــ الاسرائيلي. وبالطبع فإنه لا يمكن التقليل من اهمية المنطلقات المذكورة في الناحيتين السياسية والمنطقية, ولكن في الوقت نفسه يجب مناقشتها وتبين أوجه الالتباس والخلل فيها وذلك للأسباب الآتي ذكرها: أولا: إن الاستنتاج القائل بتآكل القيمة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة, هو استنتاج ذاتي متسرع ولا يعكس الواقع الموضوعي للعلاقات الامريكية ــ الاسرائيلية, التي يؤكد طرفاها على العلاقات الاستثنائية الخاصة والمصالح الاستراتيجية التي يرتبطان بها. خاصة وان الطرف الامريكي يفصح باستمرار عن الضمانات التي يقدمها لإسرائيل في سبيل انخراطها في مشاريع (السلام) والنظام الاقليمي, إن لجهة استمرار تفوقها النوعي: التكنولوجي, والاقتصادي والعسكري, أو لضمان أمنها ودعم مكانتها المتميزة في (النظام الشرق أوسطي) المقترح. ثانيا: اما الحديث عن تراجع دور اسرائىل الوظيفي في المنطقة, بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي, وتداعيات أزمة الخليج الثانية, وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي, فهو يتجاهل القراءة التاريخية ــ الموضوعية لنشوء المشروع الصهيوني في المنطقة, والدافع الاساسي له. ذلك أن هذا المشروع هو فكرة استعمارية, جاءت في سياق التصارع على المنطقة بين الدول الكبرى للسيطرة على موقعها ومواردها, أي أن هذه الفكرة ظهرت قبل اكتشاف النفط, وتبلورت قبل افتتاح قناة السويس, وبدأت بالتجسد قبل قيام الاتحاد السوفييتي. وكان الدافع الاساسي الذي يقف وراء تفكير الدول الاستعمارية بهذا المشروع يتمثل بضرورة دوام السيطرة على منطقة المشرق العربي, حيث مركز التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوطن العربي, وهذا لا يمكن ان ينجح بدون شطره وتجزئته. وهكذا اعتبر واقع التجزئة ووجود اسرائيل دعامتين للمصالح الغربية في المنطقة, والصنوين المتلازمين لإضعاف الوضع العربي والحؤول دون نهضة الأمة العربية. ثالثا: إن التأكيد على الحقائق السابقة, لا يعني النفي المطلق لإمكانية تراجع العلاقة الامريكية ــ الاسرائىلية, ولا نفي امكانية التغيير, لأن اسرائىل كباقي الظواهر السياسية والاجتماعية تخضع لمتغيرات, ولكن كافة المعطيات الدولية والاقليمية, ورغم المتغيرات, لا تشير الى أن ثمة تغيراً جوهرياً يحصل بالنسبة لطبيعة اسرائىل ولدورها في المنطقة. ذلك ان هذا التغير حتى يحصل يحتاج الى المعطيات التالية: أ ــ نشوء موازين قوى جديدة على الصعيدين الدولي والاقليمي تجبر اسرائىل على الانصياع لإرادة المجتمع الدولي, واعادة الأراضي المحتلة بدون قيد أو شرط. ب ــ تخلي الولايات المتحدة عن دعمها اللامحدود لإسرائىل, إن لعدم الحاجة اليها, أو بسبب كلفتها العالية لها ماديا وسياسيا. ج ــ تراجع أهمية المنطقة بالنسبة للعالم بسبب ثورة الاتصالات والمواصلات والتقدم التكنولوجي واكتشاف مصادر جديدة للطاقة. د ــ تخلي اسرائيل عن كونها دولة استيطانية عنصرية, وعن كونها دولة لكل يهود العالم, عن طريق التخلي عن (قانون العودة الاسرائىلي) . هــ ــ التخلي عن دورها العدواني ــ الوظيفي في المنطقة. و ــ التخلي عن عقيدة التفوق العسكري والموافقة على ترتيبات نزع أسلحة الدمار الشامل منها. وبالطبع فإن مثل هذه المعطيات سواء بالنسبة للواقع الدولي والاقليمي, أو بالنسبة لاسرائيل لا تبدو متوفرة, على المديين القريب والمتوسط, مما يعني ان الحديث عن تغير في اسرائيل هو سابق لأوانه. رابعا ــ أن ما يبدو اليوم على أنه تغير في استراتيجية اسرائىل وفي طبيعة دورها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة, وعلى الصعيد الاقليمي, لا يعدو كونه تكيفا مع المتغيرات الدولية والاقليمية الجارية, وبما يتناسب واشكال تحقيق الاستراتيجية الاسرائيلية العليا, ولكن ليس في جوهر هذه الاستراتيجية. فالكيان الصهيوني يختلف عن الكيانات الاستيطانية العنصرية بطابعه الاقتلاعي الاحلامي أولا, وثانيا لم يقم هذا الكيان لاعتبارات اقتصادية, وانما لاعتبارات سياسية, وثالثا, فان الغاية من قيامه ليست خدمة مجموع مستوطنيه, فالأولوية لخدمة مصالح المركز الامبريالي الذي يتبع له (بريطانيا ثم أمريكا), ورابعا فإن امكانات هذا الكيان تتجاوز رقعته للقيام بدور وظيفي في محيطه, وهذه المكونات ما زالت تتحكم بهذا الكيان حتى الآن رغم كل المتغيرات الحاصلة. وهكذا فإن اسرائىل التي نشأت كاستثمار سياسي ستظل كذلك فهي صممت كمشروع من أجل تشويه خارطة المنطقة ومصادرة هويتها ولتأكيد خضوعها للمصالح الغربية, وتقويض حضارتها العربية ــ الاسلامية والحؤول دون استنهاضها من جديد. هناك تغير في اسرائىل ولكن ليس في طبيعتها ولا في دورها السياسي, فمثل هذا التغير لم يحصل بعد رغم كل هذا الضجيج عن السلام و(الازدهار والعصر الجديد) !. في قواعد الصراع, نعم ثمة تغير ولكنه في وسائل واشكال تحقيق الاستراتيجية الاسرائيلية ولكن ليس في أهداف هذه الاستراتيجية. لقد تغير العالم فغيرت اسرائىل لغتها ولكنها لم تتغير حتى الآن, والصراع فيها يجري حول شكل هذا التغيير ومداه!.