أبجديات:بقلم-عائشة ابراهيم سلطان

حياة التشرد او (الصعلكة) حياة أخرى بقوانينها وفلسفتها وأناسها ونهاياتها المأساوية دائما, حياة يندفع اليها البعض رغبة في (تجريب) نوع آخر من العيش, ورغبة في العزلة عن حياة المجتمع التقليدي, ويدفع اليها البعض الآخر طردا أو نبذا, وهذا ما قرأناه صغارا في سيرة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي . حياة التشرد والمتشردين او الصعاليك ليست شرا بحتا, والا ما افتخرت الجاهلية برجل (كعروة بن الورد) وسمته أميرا مع أنه لم يكن اكثر من صعلوك وقاطع طريق في العرف العام! الصعلوك ليس بالضرورة سكيرا أو عربيدا او قاطع طريق او لصا او حتى من أصحاب المشاكل والشغب, فهناك من اختار حياة الصعلكة عن وعي ورغبة مثل الشاعر الفرنسي رامبو او العربي عروة وبقية الشعراء الصعاليك كما يقول (يحيى جابر) في كتابه (عواصم من خطأ)! في كثير من مدن العالم تبدو حياة الصعلكة او التشرد عالما قائما وملحوظا ومدونا ايضا في الكثير من الادبيات, حيث يبدو أن هناك اجماعا عاما على أن الرصيف, ومقاعد الحدائق العامة أو انفاق (المترو) واحياء الفقر والمقابر هي المواطن الرسمية او الاصلية التي نبتت فيها (الصعلكة) وفيها فقط يجد المتشردون راحتهم وأمانهم كما يتخيلون, وايا كان الهدف والدافع فإن نهايات التشرد ليست سوى مآسٍ انسانية في نهاية الأمر. وبالتأكيد فإن حربا بشعة بكل المقاييس تلك التي تعرض لها اللبناني او العراقي او الفلسطيني او الالباني او... لابد أن تفرز انماطا من السلوك والحياة والبشر ليس من حق المستريحين على أسرة الاحلام الوثيرة ان يعطوا رأيا معلبا وجاهزا فيها, فمن يتنفس دخان القنابل, ويعيش القصف والدماء والقتل والفقد والرعب في كل ثانية من ثواني عمره المحمول على كف اليد, ليس كمثله أحد, فإذا اختار الضلال او العزلة أو التشرد أو الهروب أو الموت, فإنه في النهاية يهرب من قدره الذي يدركه الى قدره الذي يعرفه محاولا الوصول الى الموت بسرعة عبر اللذة العابرة. عندما تابعت تلك المسابقة العجيبة التي اجريت في دولة عربية مرت بأزمة حادة في مطلع التسعينات حول جمال القطط والتيوس والديوك, لم استغرب كثيرا فالحروب وبشاعة الدمار لا تولد قيما جمالية, ومسابقات كهذه ليست اكثر من ثقافة ما بعد الحرب, ثقافة العبث التي تكرسها الحروب والذين يقفون وراءها ويدفعون العالم عبر اشعال المزيد منها الى مزيد من التفاهات والتشرد والعبث. حاول أن تدقق جيدا, ففي احياء معينة يعرف الناس متشردين مضى على تشردهم سنوات حتى أدمنوا حياة الرصيف, سيدة عجوز ألمحها في كل مكان من منطقتنا دون أن يعرف لها أحد بيتا, ورجل ضئيل الحجم يبدو معتوها هو الآخر متشرد عرفته في سنوات عمري المبكرة ولم نكن نعرف له أهلا ولا بيتا, وشعوب بأكملها تعيش حياة التشرد كالشعب الفلسطيني, ومشردون من هنا وهناك ينتقلون من ملاذ لآخر بحثا عن اقامة مؤقتة كالمنفيين في كل مكان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات