خطابنا السياسي ... البحث عن الجديد: بقلم- د. ناظم الغبرا

بالرغم من التغيرات الكبيرة التي تعصف بالعالم واقاليمه في مجال الاقتصاد (العولمة) والسياسة (الاتجاهات الديمقراطية) وبالرغم من النتائج العالمية التي تؤكد بأن المجتمع الصحي والحيوي هو المجتمع الذي يتنفس بحرية أكبر وينتظم في ظل هذه الحرية في اطار دولة عصرية, الا ان الخطاب السياسي العربي لايزال دون مواكبة هذه التغيرات وهذه التحديات. ان الحقيقة التي نعيشها اليوم في العالم العربي تؤكد انتقال العرب من مرحلة الخطاب الذي يتبنى القضايا الكبرى: التصدي للامبريالية وتحرير فلسطين وتوحيد العرب الى حالة السعي العملي نحو التعاطي مع التحديات الاقتصادية المتراكمة ومواجهة آثار هبوط أسعار النفط والتعامل مع الاعباء السياسية الكبيرة, ولكن من جهة اخرى لم يطور الخطاب السياسي العربي ليعكس هذا التغير. بمعنى آخر لم تتلازم التغيرات على الأرض تغيرات في لغة التعبير, إذ لاتزال الثقافة العربية ثقافة احتجاجية وثقافة غاضبة, ولايزال المثقف العربي مثقف رفض يميل الى الابتعاد عن المشروع الوطني المحلي. ويجد هذا الرفض الغاضب تعبيرا له في أكثر من صورة واطار, فهو غضب من التاريخ, وغضب من الغرب, وغضب من كل سياسة في كل مكان. هكذا تكاد الثقافة العربية تمتلىء بأجواء من البراءة في تعبيرها عن الغضب الممتلىء بأصوات متناثرة تذكر بالقرارات التي كانت تصدرها اتحادات الطلبة في الستينات. وتتحكم هذه الثقافة الغاضبة بطبيعة رؤيتنا للعالم وشكل تعاملنا معه, فالغرب بالنسبة لهذه الثقافة صليبية دائمة وهجوم دائم على عالم العرب, والدولة الوطنية بالنسبة لهذه الثقافة شيء أصغر من ان يكون محط اهتمام ودراسة وتركيز وتطوير ومساهمة وتعاون. في ثقافتنا تتعمق ثقافة الخوف من الآخر, كما وتتعمق ثقافة تقدس الكل على حساب الجزء, وتعتبر الدولة الوطنية ومجتمعها شيء عابر وشكلي, وتقدس الشعار على حساب الحقيقة ولغة الامنية على حساب لغة الخطة والوسيلة. وبنفس المنطق القديم المتجدد لاتزال الثقافة العربية تعاني من دوار دائم في التعرض للتاريخ ونقاشه: هل كان الغزو العراقي مؤامرة أمريكية أم لا؟ وهل كانت حرب 1967 مؤامرة عالمية؟ وهل كانت الحرب العراقية الايرانية مؤامرة؟ وهل الحرب الاهلية الجزائرية أم اللبنانية التي سبقتها أم السودانية مؤامرة؟ لاتزال الثقافة في بلادنا العربية تميل الى تحميل المسؤولية للأجنبي وللغرب, ولا تزال تخفف من مسؤولية المؤسسات والمسؤولين والقادة عن الكوارث التي تتعرض لها مجتمعات عربية عدة. لاتزال الثقافة العربية تبحث عن طريقة لتبرئة صدام من غزو الكويت ولتبرئة صدام من صدام. وهي تبحث عن طريقة لتبرئة السودان من الوضع السوداني ولتبرئة الجزائر من كل ما يحصل في الجزائر ولتبرئة كل فرد وكل مسؤول وحزب وتيار من الكثير من التراجعات التي أصابت ومازالت تصيب البلدان العربية. هذا الاستعداد لعدم تحمل مسؤولية ما يحصل لنا بينما نضع كل اللوم على الاجنبي لن ينفعنا بشيء, بل سوف يمهد هذا المنطق لكوارث أعمق ولصراعات أكبر ولسواد مدرسة ثقاقية تساهم في تكرير نفس الحروب والانهيارات. ان هذا الوضع يضع الثقافة العربية في سلسلة لا نهاية لها من التناقضات.. فبينما لاتزال الثقافة قومية في توجهاتها, الا ان المسؤولية الفعلية المحلية, وبينما لاتزال الثقافة غارقة في منطق الرفض نجد ان الحقيقة تؤكد حتمية التأقلم والتعامل الايجابي, وبينما لاتزال الثقافة ضد العولمة نجد ان نهر العولمة يسير بنا وبدوننا, وبينما لاتزال الثقافة العربية تضيع وقتها وجهودها في معركة التطبيع نجد ان مصر والفلسطينيين والاردن ودول عربية اخرى بدأت بالتطبيع واكتشفت من خلال الممارسة ضرورة حدود التطبيع وطرق التعامل معه. آن الأوان لثقافة عربية تقطع مع ماضي الخوف من المحيط أكان هذا العالم المحيط غير عربي أو عالمي, فالثقافة الواثقة تنمو استنادا الى عقلانيتها وتشخيصها الصادق للمشكلات وتعمقها في أساس العلة وطرق التعامل معها, الثقافة الواثقة تتحمل مسؤولية واقعها وتنخرط به وتفتح باب النقاش وحرية التعبير واسعا, الثقافة العربية الجديدة يجب ان تكشف ذاتها من خلال التعرف على الذات بصراحة شاملة والتعرف على العالم بحرية موسعة, المجتمع الأصغر وهمومه, فئات المجتمع وتناقضاته, الاقليات في كل مجتمع, الحريات, الحقوق, القانون, الاقتصاد واصلاحه وتطويره, التعليم وتنميته, أساليب الخلافة والانتقال وأساليب الحكم, وانشاء برلمانات والعمل على تفادي مغامرات وكوارث يجب ان يتحول الى لب الحركة الثقافية الجديدة. آن الأوان لانخراط الثقافة العربية في المشروع الوطني والا فقدناه بعد ان فقدنا المشروع القومي الأوسع. * استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات