العيد الاليكتروني الذي تحدثنا عنه أمس ليس إلا مظهرا من مظاهر التقدم العلمي والتكنولوجي الذي غمر حياتنا من الألف إلى الياء ومن الباب إلى الشباك, وهذا التقدم عادة ما يبدأ اما متسللا لا نكاد نشعر به حتى ونحن نعيشه ونمارسه, واما مفاجئا مثيرا للدهشة والاستغراب , كحالة عيدنا الاليكتروني, مقابل عشرات من الحالات الأخرى لم نتوقف عندها, أو بالأصح, ان الوقت لم يفسح المجال لكي نتوقف عندها بالتفصيل, فغابت عنا التفاصيل. فبطاقة الائتمان مثلا اختراع قديم نسبيا نظرا لسرعة وكثرة المخترعات الجديدة التي تنقل حياتنا من طور إلى طور, إلا ان انتشار هذه واستخدامها في مجالات ونشاطات تقليدية لا تخطر على بال أمر مذهل حقا, فالبطاقة لم تعد قصرا على الفنادق ووكالات السفر وكبرى المطاعم والمحلات ومكاتب تأجير السيارات, كما كان الأمر عندما أخذت في الانتشار, فقد شمل انتشارها ما لا يخطر على بال من الدكاكين والمحلات والنشاطات الاقتصادية. فإذا كان من المتوقع مثلا أن نرى عيادات طبية وصيدليات ومحلات سوبر ماركت كبيرة ومحلات البيع بالتجزئة ومحطات تعبئة الوقود وغيرها من الأماكن المماثلة تقبل هذه البطاقات وترحب بها, فإن من غير المتوقع أن نرى محلات الحلاقة والخياطة وبيع الخضروات والفواكه وكراجات تصليح السيارات, غير الوكالات, وعشرات من مثل هذه المحلات الصغيرة والمهن المختلفة, تتقدم في خدماتها اسوة بغيرها, مستفيدة من التقدم العلمي نفسه, فتخدم زبائنها وتريحهم عن طريق قبولها هذه البطاقات, وما في حد أحسن من حد. هكذا مثلا, صار الخياط عندنا, من المستوى الصغير قبل الكبير, والذي يقع دكانه في حارة شعبية يقبل بطاقات الماستر كارد والفيزا, وصرنا نحن زبائنه لا نضطر إلى حمل قيمة الفاتورة المستحقة علينا نقدا إليه, إذ يكفي أن نقدم له البطاقة البلاستيكية, لكي يمررها عبر الجهاز فنمهرها بالتوقيع, كما نفعل تماما, مع أي فندق فخم أو مطعم راق, ثم نستلم ثياب العيد ونحن نشكر الخياط كوجراتي أو راجستاني على الخدمة (نسبة لكوجرات وراجستان). وطبعا الخياط لا يقل شأنا وأهمية عن بائع الأحذية والنعل الذي يقبل بطاقات الاعتماد, ولا عن المطعم وطباخيه ولا عن أي محل آخر, ما نعتبر ان تطويره الخدمة لزبائنه هو في سياق تطور الخدمات عموما, وهذا ما كان ليتم لو لم تسبقه اختراعات وابتكارات علمية, منها الهاتف كما منها البطاقة البلاستيكية التي تقوم اليوم محل النقود. وصول البطاقة بهذا الشكل إلى الخياط لم يثر بعد دهشتنا, ذلك لان استخدام البطاقة وانتشارها بدأ قبل سنوات بطريقة التسلل فعلا, أي بالتدريج البطيء, ومع كثرة استخدامها وتعدد الأماكن التي تقبلها وتتعامل بها صارت أمرا اعتياديا في حياتنا, حتى وهي في سياق تطور العلوم وما يتبعه من تطور في النشاط البشري, من أبرز منجزات العصر. وهكذا, فإنه إذا ذهبنا إلى سوق الخضرة قريبا واشترينا حاجاتنا منه ببطاقة اعتماد, ثم عند رجوعنا البيت مررنا بالحلاق فقص لنا شعر الرأس وحف الشارب فدفعنا له بالبطاقة, فإن الأمر كله قد يبدو مستغربا مؤقتا, ثم يستقر ليصبح اعتياديا, فإذا كان الحديث اليوم يتصاعد عن تدشين التجارة الاليكترونية, فإن معالمها بدأت تطل فعلا, ما أتوقع أن يستطيع الخياط كوجراتي الذي أتعامل معه أن يلبي لي طلباتي فيخيط لي كندورتين أو ثلاثا عبر الهاتف, فهو يحتفظ بالمقاسات الشخصية التي تعفيني من الذهاب إليه, ثم ان البطاقة سوف تعفيني من الدفع نقدا والذهاب إليه مجددا بمجرد أن أقرأ له رقمها على الهاتف فيسحب منها قيمة الكنادير, ليكون كوجراتي هو خياط العصر.