لم يكن تصريح وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين زلة لسان حين قال بأن هضبة الجولان السورية المحتلة مهمة جدا لاسرائيل . فالواقع ان هذا هو المضمر في الذهنية الامريكية الرسمية, والتي يمثلها وزير الدفاع الامريكي في أحسن صورة بما له من خلفيات يهودية وارتباطات باسرائيل. لكننا بتنا نستغرب حقا كيف أصبحت أراضينا العربية مجرد جزر أمنية لكل من يعوزه الأمن وتعوزه الحيلة ويعوزه المنطق! وأصبح ذلك يجري في العلن وعلى رؤوس الأشهاد بعد ان كان يتداول خلف الكواليس وضمن الحلقات الضيقة. فالجولان السوري مهم لأمن اسرائيل وشمال العراق مهم لأمن تركيا... ولن نفاجأ غدا اذا أعلنت أية دولة ان هذه المنطقة العربية أو تلك مهمة لأمنها. لن نستغرب هذا الاستهتار بالتاريخ والجغرافيا وبالحقوق والمصالح العربية. ولن نلوم اتفاقيات (سايس بيكو) ولن نلوم الاستعمار البريطاني أو أي استعمار آخر. فهؤلاء كلهم غزاة مروا على الأرض العربية مثلما مر غيرهم. وما الذي يمكن ان يتوقعه أحد من الغزاة؟ غير اننا نلوم في الواقع الدول والكيانات العربية نفسها التي ورثت هذه الأوضاع الشاذة ولم تسع متكاتفة ومتضامنة الى اصلاحها وتغييرها. ربما نعذر بعض هذه الدول نتيجة للفروقات الكبيرة في القوة والموازين والامكانيات, لكننا لا يمكن ان نعذر جميع العرب وفي جميع الظروف والأوقات. لأن المنطق البسيط يقول بأن الأرض والسيادة ووحدة الكيان هي تأتي دائما على رأس أولويات أية دولة أو حكومة. والأمر الطبيعي انه حين تحتل هذه الأرض أو تنتهك تلك السيادة, فإنه لا يبقى من شغل لهذه الدولة سوى العمل على تحرير أرضها المحتلة واسترجاع سيادتها. فلا يوجد ما هو أهم من ذلك أو أولى. لكن الدول العربية لا تفعل هذا. انها تنتظر الدول الكبرى من مستعمرين سابقين أو جدد كي يعيدوا لها ما فقدته أو يعينوها في ذلك. ثم تظل تتشبث بحبال القرارات الدولية البالية, التي لم تنقذ غريقا في يوم من الايام. والسؤال هو أليست الدول الكبرى هي نفسها من تسبب في البداية في هذه الأوضاع! ألا يزال بعضها يدين بصورة سرية وعلنية مثل هذه الأوضاع الشاذة والمؤذية تحت شتى المسميات والعناوين؟ كيف يمكن اذن والحالة هذه أن يأتي العون وتأتي المساعدة من هذه الدول؟ وكيف يرتجى منها أي عدل أو انصاف! ان كوهين في تصريحه الأخير حول الجولان المحتل لا يفعل سوى ان يذكرنا بسلوك استعماري قديم في المخاتلة والتضليل وخلط الأوراق. انه عين السلوك الذي اتبعته بريطانيا في قضية جزر الامارات التي احتلتها ايران في أوائل السبعينات وقبيل انسحاب البريطانيين من منطقة الخليج العربي. فإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر ان الجولان مهم لأمن اسرائيل, فهل يتوقع أحد بعد ذلك ان تأتي واشنطن كي تساعد السوريين في استعادة أرضهم المحتلة؟ ستقول لهم في الأغلب اذهبوا وتفاوضوا مع اسرائيل. فإن استطعتم ان تظفروا بشيء فخذوه, وإن لم تستطيعوا فلا بأس أيضا, لأن هذه الأراضي يتوقف عليها أمن اسرائيل. وهذه المفاوضات قد تأخذ أشهرا أو سنوات, وقد تنتهي بدون نتيجة. لأن نتيجة مثل هذه المفاوضات قد حسمت سلفا بيد اسرائيل الذين أعطاهم كوهين مربط الفرس وترك للسوريين الهوامش والتفاصيل الثانوية.