(حين يضعف دور الاحزاب السياسية وتفقد دورها الهام في المجتمع ينتقل جزء من هذا الدور الى النقابات المهنية ويقوى الجانب السياسي في أدائها (الدور الوطني والقومي للنقابات المهنية في مصر سيظل فاعلا, ولقد فشلت كل محاولات حصار هذا الدور وظلت النقابات المهنية جزءا أساسيا من ضمير الأمة, وحين كان البعض يهرول ظلت هذه النقابات تصر على رفض التطبيع مع العدو الاسرائيلي) عادت أزمة النقابات المهنية في مصر الى واجهة الاحداث بعد وقائع الخميس الماضي في نقابة المحامين, حيث احتشد آلاف المحامين في محاولة لعقد جمعية عربية عمومية تعيد الشرعية لقيادة النقابة وتنهي الحراسة المفروضة عليها, ولكن النقابة (نقابتهم) أغلقت أبوابها في وجوههم, فكان القرار هو عقد الجمعية العمومية على الرصيف أمام مبنى النقابة وتعيين هيئة للاشراف على النقابة والاعداد لانتخابات جديدة, واجهتها على الفور دعاوى مقابلة بعدم الشرعية. والأزمة في النقابات المهنية تعود لأكثر من ربع قرن, ومع مجيء السادات الى الحكم ومحاولته تصفية كل مواقع الناصريين والقوى القومية واليسارية على الساحة. ولاتمام المهمة لجأ السادات للتحالف مع التيار الاسلامي من جانب ومع (بقية) أحزاب ما قبل ثورة يوليو من جانب آخر. على أمل ان يتمكن من بناء حزبه الخاص من خلال التغييرات السياسية والاقتصادية التي كان مقدما عليها. لكن الأمور لم تمض في الطريق المرسوم لها, فالتغييرات الاقتصادية فجرت غضب الناس في انتفاضة يناير ,1977 والانقلاب السياسي قاد السادات الى كامب ديفيد وتوابعها, ليجد السادات نفسه في صراع مع الجميع. وفي هذا الصراع الذي انتهى بمصرع السادات, كانت النقابات المهنية طرفا أساسيا, وكانت قياداتها من مختلف التيارات السياسية تعارض سياسات السادات وتتخذ موقفا ضد السياسات الاقتصادية التي أضرت بمصالح أعضائها, ثم ضد الصلح مع اسرائيل والتطبيع معها. وكان الصدام الأساسي هنا مع نقابتي الصحفيين والمحامين الأكثر اقترابا من الشأن السياسي على مدى تاريخهما, ولأن انصار السادات كانوا أضعف من المواجهة, فقد لجأ السادات الى القوانين والاجراءات الاستثنائية, وبدأت أزمة النظام مع النقابات المهنية كجزء أساسي من الأزمة العامة التي مرت بها مصر في هذه الفترة. وفي الثمانينات اختلف المشهد, كان طلبة الجامعات من التيار الاسلامي الذين دعمهم السادات ودعموه في صراعه مع قوى اليسار قد تخرجوا, انقسموا الى فريقين, فريق اتجه للعنف أو سانده, وفريق آخر انتهى الى جماعة الاخوان المسلمين أو قريبا منها, وبدأ في التعامل من خلال الامكانيات المتاحة ليفرض وجوده على الساحة السياسية. وكانت النقابات المهنية احدى آليات هذا التحرك, حيث استثمر أصحاب هذا الاتجاه مناخ التهدئة الذي ساد بين الحكم وبعض تيارات الاسلام السياسي (المعتدلة) من ناحية, ودخول أعداد من الخريجين الذين قادوا عمل الجماعات الاسلامية في الجامعة أو انضموا اليها الى النقابات المهنية من جانب آخر, ليفرضوا سيطرتهم على عدد كبير من النقابات المهنية. والقصة بعد ذلك معروفة.. فشلت الحكومة في السيطرة على هذه النقابات عن طريق صناديق الانتخابات, فأصدرت قانونا جديدا للنقابات المهنية, وعندما لم يفلح القانون الجديد في أداء المهمة, تم فرض الحراسة على هذه النقابات, وألغيت الانتخابات, وبقيت نقابات هامة مثل المحامين والمهندسين بدون قيادة شرعية لسنوات.. وحتى الآن. وبدون الدخول في تفاصيل, فإن ما حدث يتحمل الجميع مسؤوليته, وما سيحدث يفرض على الجميع ان يتلافوا أخطاء الماضي, حتى يكون التصحيح هو الطريق الذي ينهي الأزمة ويفتح أبواب الحل المغلقة. التيارات القومية واليسارية والليبرالية تتحمل جزءا من المسؤولية, فقد اطمأنت لسيطرتها الطويلة على العمل النقابي والسياسي, ولم تبذل الجهد المطلوب منها, ولم تقدر حجم القوى المنافسة تقديرا حقيقيا, وغرقت في الخلافات الصغيرة بين فصائلها المختلفة, وعندما أفاقت وجدت نفسها تعاني الهزيمة غير المبررة. ويتحمل أصحاب الاتجاه الاسلامي بدورهم جزءا من المسؤولية, فقد أصابهم الزهو بما حققوه من تواجد ثم سيطرة في العديد من النقابات المهنية, فحاولوا نفي الآخرين واختلط عندهم العمل الحزبي بالعمل النقابي, ولم يحاولوا ان يمدوا جسور الحوار مع التيارات الأخرى أو يشاركوها المسؤولية في هذه النقابات التي لا تقبل ــ بحكم تكوينها ــ ان ينفرد فريق بالمسؤولية. وكانت النتيجة حالة من الاحتقان في العمل النقابي, ومحاكم وقضايا وصراعات أدت في النهاية الى تمهيد الطريق لتعطيل العمل النقابي, وفرض الحراسة على بعض النقابات. ويبقى الجزء الأكبر من المسؤولية على أيدي أنصار الحزب الوطني الحاكم, هؤلاء الذين فشل معظمهم في تحمل مسؤولية العمل النقابي, وعاشوا السنوات يتصورون ان الدعم الحكومي يكفي لانجاحهم, وان نشر السلبية بين أعضاء النقابات في صالحهم لأنها تتيح لهم الاحتفاظ بمواقعهم بأقل جهد وبأدنى نصيب من المشاركة في الانتخابات. كل الاطراف شاركت في الأزمة, وكل الاطراف مطالبة بأن تشارك في حلها, ولن يكون ذلك الا بأن يتعلم الجميع من التجربة القاسية, وان يدرك الجميع عددا من الحقائق التي تحكم العمل في النقابات المهنية وتفرض قدرا من المسؤولية في تناول شؤونها. وأولى هذه الحقائق هي الظروف الصعبة التي تعيش فيها الغالبية العظمى من أعضاء هذه النقابات, ان عددا قليلا من المحامين أو المهندسين أصبحوا مليونيرات, ولكن عشرات الآلاف منهم يواجهون آثار السياسات الاقتصادية التي ضربت الطبقة الوسطى في الصميم. وهؤلاء يريدون من النقابة دورا ايجابيا في تحسين أحوالهم والدفاع عن حقوقهم وسط ظروف ضاغطة على الجميع, ومعدلات بطالة مرتفعة, وسنوات من الركود الاقتصادي كانت لازمة لتنفيذ (روشتة) الاصلاح الاقتصادي التي تم اعتمادها في الفترة الماضية. لقد شهد ربع القرن الأخير ضخ أعداد هائلة من خريجي الجامعات بعد التوسع في انشاء الجامعات الاقليمية وزيادة نسبة الشباب في سن الدراسة. ولقد خرج هؤلاء ليجدوا سوق عمل مختلفة, وأزمة اقتصادية طاحنة في السبعينات, ثم انفتاح (سبهللي) كانت له نتائجه الفادحة, ثم محاولات لـ (الاصلاح الاقتصادي) دفعت الغالبية العظمى تكلفتها, وواجهت الطبقة الوسطى (وهم في قلبها) كل عوامل الهزيمة المادية والمعنوية, وللأسف الشديد فإن النقابات المهنية لم تتعامل بالوعي والجدية اللازمتين مع كل هذه المتغيرات. الحقيقة الأخرى التي ينبغي الوقوف عندها, هي هذه القاعدة التي تحكم العمل العام منذ سنوات طويلة, والتي تؤكد انه حين يضعف دور الاحزاب السياسية وتفقد دورها الهام في المجتمع, ينتقل جزء من هذا الدور الى النقابات المهنية فيقوى الجانب السياسي في أدائها. ولو دبت الحياة في الاحزاب السياسية لاستوعبت جزءا أساسيا من الصراع في المجتمع, وخففت العبء ــ من هذه الناحية ــ على النقابات المهنية. والحقيقة الثالثة التي ينبغي الوقوف عندها هي ان الدور الوطني والقوي للنقابات المهنية في مصر سيظل فاعلا. ولقد فشلت كل محاولات حصار هذا الدور, وهي المحاولات التي بدأت في عهد السادات وعلى يد المدرسة (العثمانية) (نسبة الى المقاول عثمان احمد عثمان صهر السادات ورجله القوي) التي تصورت انها بمثل هذه المحاولات تستطيع السيطرة على النقابات بتقديم بعض الخدمات للأعضاء, فكانت النتيجة فشلا ذريعا لها واصرارا من النقابات المهنية المصرية على ان تبقى جزءا أساسيا من ضمير الأمة. وحتى حين تصرف البعض بانفعال وقاموا بتجميد عضوية النقابات المصرية في الاتحادات المهنية العربية, أو نقلوا مقرات هذه الاتحادات من القاهرة, لم يؤثر ذلك في النقابات المصرية, وبقيت وحدها وسط المعركة حين كان الجميع يهرول, ورفضت التطبيع مع العدو الصهيوني, وظلت على موقفها على مدى عشرين عاما شهدت العديد من محاولات الاختراق, وشهدت في النهاية اعترافا من الجميع بسلامة موقفها القومي الأصيل. *** وفي المشهد الآن محاولات جادة لاستعادة الأوضاع الطبيعية في نقابات هامة ومؤثرة ولها تاريخها الوطني والقومي, والحكومة تعلن انها لا تمانع, لكن الواقع يشهد محاولات لعرقلة اعادة الشرعية واجراء الانتخابات في هذه النقابات, وتكون النتيجة نقابة مغلقة الابواب في وجه أعضائها, وجمعية عمومية تنعقد في الشارع, وصورة تكشف مدى الجهد المطلوب لكي تترسخ القيم الديمقراطية في أنحاء المجتمع. ولقد كنت ــ ومازلت ــ أتصور ان يكون هذا العام حاسما في مسيرة الديمقراطية في مصر, وان يبدأ في ازالة الاختناقات التي تعرقل هذه المسيرة, فتجرى الانتخابات في النقابات المهنية, ويتم حل مجلس الشعب المطعون في صحة نصف أعضائه ليجيء ببرلمان جديد أكثر تمثيلا للتيارات السياسية المختلفة. وينتهي العام بانتخاب الرئيس مبارك لولاية جديدة. وبالطبع, فإن هذا التصور يصطدم بمصالح الكثير من المستفيدين من بقاء الأوضاع على ما هي عليه, الخائفون من رياح التغيير حتى لا تطولهم, ولكن هذا التصور كما نراه, يتفق مع مصالح الوطن العليا, وينطلق من عدة عوامل منها الحاجة الماسة الى انقاذ الحياة السياسية من حالة الشلل الذي تعيشه, ومنها النجاح الكبير الذي حققته الحرب ضد الارهاب والتي شاركت فيها الأزمة بكل طوائفها, ومنها تبلورت حالة من الوفاق الوطني حول العديد من السياسات خاصة ما يتعلق بالشؤون الخارجية والعربية, ومنها ايضا حجم الجهد المطلوب لعبور المرحلة المقبلة الصعبة ما بين متطلبات التنمية والمشروعات الكبيرة التي بدأ تنفيذها وما يرافقها من ضغوط اقتصادية, وبين تحديات واسعة في المنطقة التي تعاني التشرذم العربي والغطرسة الاسرائيلية والمخططات الامريكية لخريطة جديدة تناسب مصالحها فقط. في ظل كل ذلك لا يبدو ان تجميد الأوضاع هو الحل السعيد, وإنما السعي الجاد من الجميع لخلق الجبهة الوطنية هو الحل, وكل خطوة تقربنا من هذا الطريق تستحق ان نقف معها, ولعل تكاتف الجميع لازالة بؤر الاحتقان في النقابات المهنية أن تكون الخطوة الأولى في هذا الطريق.