تستحق الضربات الاخيرة لحلف شمال الاطلسي ضد يوغسلافيا ( صربيا والجبل الاسود) رصداً ومتابعة وتحليلاً ليس لمعرفة حجم تلك الهجمات وآثارها على القدرة العسكرية ليوغسلافيا فحسب, بل وللتعرف على الابعاد التي يمكن ان تحدثها مواجهة محتملة بين المعسكر الغربي المتمثل في قوات الحلف وبين بقايا يوغسلافيا الاتحادية وحلفائها التاريخيين من حولها. وبالدرجة ذاتها من الاهمية, يأتي التعرف على الدلالات التي تفيدها الاشارات الصادرة عن الاطراف المشاركة في تلك الحملة, او تلك التي كان لها رد فعل, ايجابي او سلبي, تجاه ضرباتها, خاصة وانه قد مضى على وقت استحقاقها اكثر من عام. لكنها لم تتحقق كما هو معروف الا في اواخر الاسبوع الماضي حيث كان التلويح بشن تلك الحملة طوال الفترة السابقة مجرد تهديد ووعيد لا غير. ولكن ما ان وقعت الواقعة, واطلق الحلف طائراته الحربية وصواريخه لضرب الاهداف العسكرية في يوغسلافيا, لاجبار الصرب على التراجع عن الاستمرار في نهج الابادة المتبع في كوسوفو, حتى استدعى ذلك حشداً هائلاً من ردود الافعال الاقليمية والدولية المتباينة تجاه ذلك التدخل (الفعلي) لقوات الحلف. وقبل التعرض لردود الافعال تلك, ارى أهمية في تجلية الحقائق بشأن المواقع التي استهدفتها تلك الحملة. حيث ان تمرير المقولة الصربية, او تصديقها, بأن القصف الاطلسي ألحق اضراراً كبيرة بالمنشآت والمرافق غير العسكرية, وادى الى قتل المدنيين وجرحهم, سوف يؤدي بلا شك الى احداث ذلك الغموض بشأن الاهداف الحقيقية للعمليات الاخيرة, والتي تمثلت كما لخصها ويسلي كلارك القائد العسكري لقوات الاطلسي في حديثه لشبكة سي. ان.ان الامريكية في مهاجمة القوات المسلحة اليوغسلافية واضعاف قدراتها وعدم تمكينها من مواصلة اعمالها الوحشية ضد البان كوسوفو. وفي سبيل تحقيق ذلك, جاءت الغارات الاطلسية في اطار العملية التي اطلق عليها اسم (القوة المتحالفة) , حيث غطت موجات القصف الجوي والصاروخي في الليلة الاولى مناطق واسعة على امتداد الجمهورية اليوغسلافية, واستهدفت تلك الموجات بشكل رئيسي مواقع هامة, منها مطار حربي ومصنع طائرات في العاصمة بلجراد. كما شملت حسبما ذكرته جريدة الشرق الاوسط في 26/3/1999 مواقع في شمال البلاد في مدينة نوفي ساد عاصمة اقليم فويفو دينا, واهدافاً اخرى في مدينة نيش بجنوب شرق صربيا, ومواقع في محيط بريشتينا عاصمة اقليم كوسوفو, واهدافاً متعددة في كوسوفو والجبل الاسود. واكد وزير الدفاع الالماني شاربينج ان ما يزيد على 80% من الاهداف المحددة اصيبت خلال الغارات الجوية ليل الاربعاء الخميس (الاسبوع الماضي) وجاءت التقارير اليوغسلافية لتؤكد ان القصف الاطلسي طال اكثر من 50 هدفاً عسكرياً. والمثير ان يوغسلافيا اقرت ان ما تواجهه حالياً يعد اشد ازمة تهددها منذ الحرب العالمية الثانية لذا اعلنت بلجراد حالة (الحرب والطوارىء) في سائر انحاء يوغسلافيا واصدرت قرار التعبئة العامة الذي يشمل الى جانب تجنيد الاحتياط والمتطوعين وضع جميع امكانيات البلاد تحت تصرف الجيش اليوغسلافي. وفي ظل تلك الاجواء المشحونة بالتوتر والقلق وعدم الاستقرار حدثت مفاجآت اخرى في الساحة الداخلية اليوغسلافية هي نتيجة طبيعية للسياسات المتشددة التي انتهجها سلوبودان ميلوسيفيتش, والتي اوصلت الاوضاع هناك الى هذا المستوى من التردي والسوء والتي يتوقع لها ان تزيد سوءاً وبؤساً وذلك في ظل العقوبات المفروضة والعزلة الدولية المتزايدة. اما الاجراء الاهم الذي جرى في الساحة الداخلية هناك, فهو تمرد سلطات جمهورية الجبل الاسود, بقيادة الرئيس اليميني ميلو دبكو كانوفيتش, على سلطات بلجراد, حيث اعلنت رفضها استخدام الجيش اليوغسلافي اراضيها في المواجهات المرتقبة كما رفضت استخدام ذلك الجيش للمرافق الحكومية في الجبل الاسود. والملفت كذلك, ان التوجه الذي تبنته السلطات في جمهورية الجبل الاسود لم يكن توجهاً رسمياً فقط, بل صاحب ذلك تجاوب شعبي تمثل ــ حسبما ذكرته تقارير من داخل الجمهورية نفسها ــ في رفض شباب الجبل الاسود تلبية الدعوة التي وجهتها قيادة الجيش اليوغسلافي لقوات الاحتياط وللجنود الاغرار لاداء الخدمة الالزامية في هذا الوقت. لعل ما تقدم كان اهم تداعيات الازمة الحالية (داخلياً) في يوغسلافيا وهي بلا شك انعكاسات لسياسة التطرف التي بدأت بتفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق, وصعود نجم ميلوسيفيتش. بقي ان نشير الى التعامل الخارجي وموقفه من الحالة الصربية حيث كان هناك عنصرا التوقع والمفاجأة, ولنبدأ اولاً بالمتوقع. الموقف الروسي ليس جديداً لم تكن اخبار الاسبوع الماضي, وقبل بدء الهجمات الاطلسية, بشأن الكشف عن الطائرة الروسية العملاقة, والتي ضبطت في احدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, وكانت بصدد تهريب اسلحة الى بلجراد مفاجأة على الاطلاق فالجميع يعرف ان روسيا تمد الصرب بالمعونات العسكرية, وتسهل عملية انتقال المتطوعين للقتال بجانب الصرب بل ان هناك تقارير مؤكدة تشير الى تورط اجهزة رسمية روسية وضلوعها في تلك العمليات. كل ذلك جرى ــ بالطبع ــ في خرق واضح للعقوبات الدولية المفروضة على يوغسلافيا (صربيا والجبل الاسود) منذ حرب البوسنة والهرسك. التعاطف الروسي ودعمه المادي والعسكري للصرب لم يتوقف في اية مرحلة سابقة وارتباط الروس بالصرب لم يتزعزع في اية لحظة سابقة. فهو ارتباط راسخ له جذوره التاريخية واسبابه العقيدية وقد نشرت الشرق الاوسط في عددها الصادر في 25/3/1999 تحقيقاً اخبارياً بعنوان (الاخوة) الارثوذكسية والسلافية وراء الدعم الروسي للصرب, بدأ بـ(مسلمة) روسية تؤكد ان هناك اجماعاً لدى الرأي العام الروسي هذه الايام بأن من الواجب مساعدة (الاخوة) الصرب في محنتهم الحالية المتأتية من المواجهة مع الولايات المتحدة وباقي دول حلف شمال الاطلسي. ويمضي التقرير الى القول بأن الحديث عن الاخوة بين الشعوب السلافية بعيد الجذور في التاريخ, والحقيقة انه يعود الى ايام سقوط القسطنطينية حين شعرت الشعوب التي تدين بالمذهب المسيحي الارثوذكسي في البلقان بأنها اضحت عرضة للاضطهاد العثماني. كما انه طوال القرون الماضية احتدمت المواجهة مع الاتراك العثمانيين حتى طردهم من شمال القوقاز, وعندئذ وضعت روسيا امامها مهمة دعم الاخوة السلافيين الارثوذوكس في البلقان, وهكذا في القرن التاسع عشر تحقق هدف تحرير بلغاريا (الروملي) من السيطرة العثمانية وتوجهت قوات لدعم الصرب المطالبين بالاستقلال ايضاً واستمر التحالف (الاستراتيجي) الوثيق بين الروس والصرب منذ ذلك الوقت وحتى دخول الروس الحرب العالمية الاولى ضد الامبراطورية النمساوية ــ المجرية بجانب الصرب لاعتبارات (الاخوة) الارثوذوكسية تارة او (الاخوة) السلافية (تارة اخرى) اي ان العاملين الديني والعرقي لعبا دورهما في دعم روسيا للصرب. * مدير جامعة زايد بالانابة ء