لا تجد اسرائيل اي سبب يدفعها للتقدم في عملية السلام, فهي مرتاحة جدا للاوضاع المحيطة بها في المنطقة, ولا تجد اي سبب ضاغط يجعلها تعيد التفكير بسياساتها تجاه عملية السلام, وتكفيها حجة متواضعة مثل الانتخابات الاسرائيلية لوقف العملية, ولو لم تكن هناك انتخابات, فهناك حجج اخرى وكثيرة لوقف العملية, وكلها تبدو مقنعة طالما ان الطرف الاخر ــ العرب ــ في عملية السلام لا يملكون وسائل الضغط على اسرائيل, ولا على الراعي الوحيد لعملية السلام ــ الولايات المتحدة ــ بذلك تكون عملية السلام نتاج تفاعلات اسرائيلية داخلية صرفة, وتظهر بوصفها مفاوضات اسرائيلية ــ اسرائيلية, وحلول وسط بين اطراف داخلية اسرائيلية, ويغيب فعليا الطرف الاخر في المفاوضات. ولا يملك العرب امام هذه السياسة الاسرائيلية سوى انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, مفضلين حزب العمل على تكتل الليكود, على قاعدة انه صاحب مواقف اكثر مرونة من الاخير للتقدم في عملية السلام, او يراهنون على تحرك الراعي الامريكي الذي لن يتحرك طالما لاشيء يدفعه لذلك. لايظهر العرب بوصفهم غير قادرين على التحرك لمواجهة التعنت والصلف الاسرائيلي فحسب, بل بات من الواضح ان العرب عاجزون عن التحرك للتصدي لاي من التحديات والمخاطر الواسعة والمتشعبة التي تحيط بهم, والتي لا يجدي نفعا معها سياسة الانتظار, فالتحديات والمخاطر لايمكن ان تتراجع او ان تحل نفسها بنفسها بعامل الزمن والانتظار السلبي, الذي اصبح من الواضح انه حالة شلل تصيب المنطقة العربية منذ اواخر السبعينات وتفاقمت بوتائر متسارعة الى يومنا هذا, ولا يشكل نموذج التعامل مع اسرائيل سوى عينة لحالة الشلل التي اصابت العرب, واصبحوا عبارة عن حالة سلبية تنتظر الفرج من اي مكان, بعيدا عن ارادتها وعن امكانيات واقعية للتحرك السياسي باتجاهات متعددة, حتى انهم يظهرون وكأنهم لا ينتمون الى نهاية القرن العشرين وينتظرون القرن الواحد والعشرين. لقد باتت الخلافات العربية ــ العربية تصنف بوصفها خلافات عداء من الدرجة الاولى, وتتصاغر امامها الخلافات العدائية مع اطراف غير عربية, فقد انقلبت مفاهيم عديدة كانت سائدة حتى وقت قريب, فلم يكن من الممكن ان ينظر طرف عربي الى طرف عربي اخر بوصفه عدوا, مهما بلغ حجم الخلافات بين الطرفين, لكن هذا التصنيف اصبح ينتمي الى زمن بائد. لا شيء افضل من العمل على تحقيق اهداف مثالية ونموذجية في ظل اوضاع التشتت والتفكك, وحالة التشتت والتفكك العربية, حالة نموذجية من اجل ان يمرر الاخرون سياساتهم ويفرضون شروطهم, بذلك ترى الولايات المتحدة نفسها مرتاحة في رعاية عملية السلام, وكل الاشياء التي لا يمكن تمريرها على الطرف الاسرائيلي, اصبح من الممكن تمريرها عربيا, واذا قدمت اسرائيل تنازلا صغيرا, فإن على العرب حسب المنطق الامريكي ان يدفعوا اضعافا حتى يطمئنوا اسرائيل الخائفة, وتقوم هي نفسها بهذه الطمأنة من خلال المال والسلاح, وتنسجم هذه السياسة مع السياسة الاسرائيلية التي تطالب بكل شيء مقابل عملية السلام, ويقول منطقها ان العرب الذين خسروا الصراع عليهم ان يدفعوا ثمن السلام كاملا, لان المهزوم هو الذي يدفع الثمن, ولا شيء يجبر اسرائيل على تقديم التنازلات طالما ان الوضع العربي على هذا الحال من الضعف والتفكك, لذلك تقوم السياسة الاسرائيلية على ابقاء عملية السلام اجرائيا وموتها فعليا. ان حالة التفكك والانتظار العربية لما يجرى من تفاعلات على الساحة السياسية الاسرائيلية, تخدم السياسة الاسرائيلية, والتي تعمل على استغلال كل الوقت الممكن لفرض وقائع جديدة على الارض, وعلى مدى السنوات الماضية من عمر المفاوضات استطاعت اسرائيل تعزيز وقائع استيطانية على الارض الفلسطينية في ظل حكومات العمل والليكود, واجراءات تهويد القدس وتفريغها من السكان جارية على قدم وساق. فالاهداف الاسرائيلية تتحقق بعامل الوقت, بينما يزداد التفكك وضعف العرب, مما يعزز القناعة عند اسرائيل بجدوى عدم تقديم التنازلات, واجراء المفاوضات في كل مرة من النقطة التي وصلت اليها السياسة الاسرائيلية في فرض الوقائع على الارض الفلسطينية وبالتالي على العرب ان يقروا بها. * كاتبة فلسطينية