مرة اخرى تعجز لغة الحوار عن ايجاد تسوية سلمية لقضية سيطرت منذ شهور على اهتمامات المجتمع الدولي, وبالاساس الغربي, لتفتح الباب امام استعمال القوة, وذلك من طرف الحلف الاطلسي الذي باشر سلسلة من الغارات الجوية, تستهدف دفع الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش الى توقيف عملياته العقابية والوحشية ضد ألبان الكوسوفو والاذعان لمخطط التسوية الذي تم اقراره في اجتماع رامبوييه بفرنسا, والذي يقضي باعطاء استقلال محدود للكوسوفو ذات الاغلبية المسلمة, ونشر قوات تابعة للحلف لضمان تطبيق بنود الاتفاق. واذا كان الكل متفقا على أنه لا مناص من التعامل بحسم وصرامة مع الحكومة الصربية بسبب أعمالها المنتهكة لابسط حقوق الانسان ضد البان كوسوفو المسلمين, الذين اعلنوا عن دولتهم المستقلة بشكل احادي الجانب, وباشروا منذ شهور مقاومة مسلحة لحماية هذا الكيان, فان هذه العملية لا يمكن الا ان تطرح بعض التساؤلات, لا سيما فيما يتعلق بشرعيتها, اي باستنادها الى القانون الدولي, وثانيا, فيما يخص فعاليتها في تحقيق الاهداف المرسومة لها. على خلاف ما حدث بالنسبة للعدوان الانجلو امريكي على العراق, حيث عارضته الكثير من الدول الغربية نفسها, وفي مقدمتها فرنسا, فانه يلاحظ ان الغارات الجوية ضد يوغسلافيا قد استقطبت مساندة كاملة من الدول الغربية, بل اكثر من ذلك, فقد شاركت دول اوروبية لاول مرة في مثل هذه العمليات, كما هو الامر بالنسبة للطيران الالماني الذي يساهم لاول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في تنفيذ المخططات العسكرية للحلف, مما ينبئ عن دور عسكري الماني اكثر فعالية مستقبلا, او بالنسبة لفرنسا التي ظلت منذ وصول الجنرال ديجول تعارض المنظمات والتوجهات العسكرية للحلف. على صعيد اخر فقد لوحظ من جديد تهميش الامم المتحدة فيما يتعلق تدبير الازمات الدولية, لقد بدا واضحا ان الوعود التي اطلقها الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش, خلال ازمة الخليج, والمتعلقة ببناء نظام عالمي جديد, قوامه العدل وحقوق الانسان, ومنح الامم المتحدة دورا فاعلا وحيويا في ضبطه, قد تلاشت, وفي المقابل فاننا نرى حلول اطراف اخرى محلها, ويتعلق الامر بدول غربية, على رأسها الولايات المتحدة, التي تتحرك اما بشكل مستقل, كما هو الامر في الخليج, او عن طريق الحلف الاطلسي كما هو الامر حاليا. والسؤال الاساسي هو معرفة الشرعية التي يستند اليها الحلف للقيام بهذه العمليات. من الناحية القانونية المحضة, ليس هناك سند مشروع لهذا الفعل ففي هذه الحالة, فان الحلف الاطلسي لا يتوفر على أي وكالة تسمح له بالعمل لصالح الامم المتحدة, كما حدث مثلا في قضية البوسنة, ومن ثم يبقى مجلس الامن هو وحده المؤهل للقيام بمثل هذه الاعمال الهادفة الى ضمان حفظ السلم والامن الدوليين, ويمكن له آنذاك الاستفادة من خدمات وامكانيات الحلف الاطلسي كأحد ضوابط للنظام الدولي. لكن من الناحية الواقعية, وفي غياب شرعية قانونية, هل يمكن للمجتمع الدولي ان يبقى مكتوف الايدي في الوقت الذي تستبيح فيه بعض الانظمة القيام بافعال مناهضة للقانون الدولي؟ إن هذا الاعتراض لايخلو من وجاهة. وهو في العمق يكشف عن المفارقة التي يعيش في ظلها النظام الدولي. فبالرغم من التحولات الجوهرية التي شهدها العالم بفعل انهيار نظام القطبية الثنائية. فإنه ظل محكوما بآليات تعود الى الحرب العالمية الثانية. فالكل يتفق على أن ميثاق الامم المتحدة بات متجاوزاً, الا أن كافة المحاولات التي تمت لحد الساعة لتعديله قد باءت بالفشل. وفي ظل هذا الواقع, الذي يتميز بهيمنة واضحة للغرب, وبالاساس الولايات المتحدة, فاننا نجد في كل حالات التدخل العسكرية التي تقوم بها هذه الاخيرة, معارضة من طرف روسيا والصين. ودائما يتطلع المتتبعون الى معرفة ردود الفعل الروسية ازاء ما تصفه بالعدوان الامريكي. وفي هذه الحالة العدوان على العراق. ومن ثم, فقد حاولت روسيا ان تعبر بشكل اكثر وضوحا عن رفضها لهذا الامر الواقع من خلال تأجيل زيارة رئيس حكومتها للولايات المتحدة. وتأجيل المصادقة على معاهدة ستارت 2, وكذلك تجميد وضعيتها داخل الحلف الاطلسي. وقد يصل الامر الى حد مساعدة بلجراد عسكريا, لكن يبدو مستبعدا أن تصل الى حد اللجوء الى الخيار العسكري في الرد على هذا الخطأ السياسي للادارة الامريكية, كما وصفه يلتسين, لكن اغلب الملاحظين يعتبرون ان روسيا ستكون المتضرر الاكبر من هذه الازمة. وقد يعود ذلك بالاساس الا ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تتردى فيها لا يمكن ان تجد حلاً الا من خلال المساعدات التي تقدمها الدول الغربية عن طريق صندوق النقد الدولي. وعلاوة على ذلك, فان تأخير المصادقة على معاهدة ستارت 2 القاضية بتقليص الترسانة النووية, قد يزيد من تحميل روسيا اعباء ونفقات اضافية لصيانة هذه الاسلحة. ومن ثم, بدو واضحا ان مصاعب الاقتصاد الروسي, وانعكاساته الاجتماعية ستتعمق في حالة اصرار روسيا على مزيد من المعارضة للغرب لا ريب في ان روسيا تدرك بحسرة كبيرة ان الغرب لم يعد يعير اعتراضاتها أهمية كبيرة, ولكنها في نفس الوقت تشعر أن مساندتها المطلقة للصرب قد يظهرها, وكأنها مساندة فقط لانظمة لايعتبرها الغرب ديمقراطية, بل اقرب الى الديكتاتورية. على مستوى آخر, فإن ما يقلق الدول الغربية, وكذلك المتتبعين لهذه الازمة, هو معرفة صيروة هذه الضربات, وعما اذا كانت قادرة على تحقيق الهدف الاساسي المتمثل في منع ميلوسيفيتش من تهديد السلم في المنطقة, وبالتالي القبول بمخطط التسوية الذي قبله ممثلو البان الكوسوفو. يحاول المخططون العسكريون طمأنة مواطنيهم من ان المخطط الموضوع, والذي يتضمن مجموعة من المراحل ستفضي لا محالة الى اضعاف القدرات العسكرية للصرب, والى عودة الخيار الدبلوماسي على اساس مخطط رامبوييه ومن ثم لن يطرح امام الحلف تحدي القيام بحري برية ضد القوات الصربية يمكن ان ترتب خسائر بشرية لا يمكن ان يبتلعها الرأي العام الغربي, لكن كل خطة حدودها. فالكثير من الخبراء يشككون في قدرة الضربات الجوية على تغيير موقف الرئيس الصربي الذي ازدادت شعبيته ومصادر مساندته الداخلية ومن ثم في حالة استمرار مقاومة الصرب, وتمكنهم من الحاق خسائر بقوات الحلف الاطلسي, الا يمكن ان يؤدي ذلك الى تغير في موقف الرأي العام الغربي نفسه الذي لا يجمع على مشاطرة حكومات بلاده نفس الحماس في اللجوء الى الضربات العسكرية وكذلك ادخال المنطقة في حالة من الانسياخ, من شأنها أن تجر المنطقة, وربما العالم برمته الى وضعية من اللاستقرار. لاسيما اذا صعدت روسيا من معارضتها, والتجأت الى بعض الاجراءات العسكرية. لاريب في أن دول الحلف تستشعر مخاطر هذه المغامرة, ومن ثم, وفي الوقت الذي تستمر في تأكيد ارادتها على استمرار العمليات العسكرية حتى يرجع الصرب عن موقفهم الرافض لخطة التسوية. فإنهم يسعون الى تشجيع كل المبادرات الرامية الى اعطاء الحلول الدبلوماسية نصيبها تجنبا لكل ما من شأنه ان يفقدها القدرة على التحكم في صيروة هذه الازمة. استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس, الرباط/ المغرب