ماذا عن مستقبل العلاقات العامة في الوطن العربي؟ هل يمكن لمهنة اسيىء التعامل معها عبر نصف قرن ان تجد لها مكانا في عالم المستقبل؟ واذا كان لها ان تتبوأ مكان الصدارة فهل يمكن ان يأتي ذلك من فراغ ؟ اذا كانت العلاقات العامة بدون ماض مشرف في عالمنا العربي فان مستقبل هذه المهنة فيه من الايجابيات الكثير, بل اتوقع ان تصبح مهنة المستقبل ويبدو ان هذه المكانة الجديدة سوف تتحقق نتيجة لضغوط دولية عمدية وتلقائية اكثر منها ضغوط أو تطورات محلية, فالواقع العالمي بمستجداته على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي والذي يعبر عنه مفهوم العولمة يمثل عامل الضغط الرئيسي الذي سوف يجعل بتطوير هذه المهنة وتحويلها من عالم العشوائية والتلقائية الى دنيا العلم والاحتراف. فالشركات متعددة الجنسية والمنظمات الدولية والتوجه الديمقراطي لمجتمعات العالم تمثل عوامل تصب في مجرى رئسي هو أهمية اقامة علاقات حسن جوار وخلق درجات من التكيف بين انظمة قد يعتريها التوتر والقلق نتيجة المواجهات الثقافية والفكرية البديلة عن الصراعات العسكرية التقليدية. فكما ان قضايا مثل المجتمع المدني وحقوق الانسان والتخصيصية والتوجه الديمقراطي حتى ولو من قبيل الشكل كان العامل الرئيسي في تحقيقها هو الضغوط والتحولات العالمية فان العلاقات العامة في الوطن العربي ليست بمنأى عن هذا التفاعل. على هذا النحو فان المؤثرات الخارجية سوف تمنح العلاقات العامة المكانة اللائقة بها في عالم المنظمات وعلى مستوى المجتمعات. من خلال: * ممارسات الشركات الاجنبية في الوطن العربي بحكم التدفقات الأجنبية لرؤوس الأموال والسلع والخدمات والافكار المصاحبة لاتفاقية الجات. * الاستفادة من التطورات المعاصرة لثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وعلى الاخص شبكات المعلومات الدولية (الانترنت) والبث المباشر وتحول عالم الاتصالات من الاسلوب التقليدي الى المنهج الالكتروني القائم على الدمج بين الاشكال المختلفة لتقنيات المعلومات. * المنافسة العالمية القائمة على دراسات السوق واحترام رأي الجماهير في المساهمة في صياغة سياسة ورسالة المنظمات في عالم اليوم. * تصاعد الدعوات المتكررة لجمعيات ومنظمات حقوق الانسان ومواثيق الشرف التي تحبذ طرق اتصال مزدوج ومتوازن بين المنتج والمستهلك. * الخلل الرهيب في تدفق المعلومات والافكار والثقافات بين الشمال والجنوب وعلى الاخص من الولايات المتحدة الى العالم الذي كان يسمى بالعالم الثالث, ففي الوقت الذي تزايد فيه الخلل على المستوى الكمي والنوعي تسود حالة الصمت الرهيب بين مجتمعاتنا نتيجة الانهيار الكامن لحركة عدم الانحياز التي كانت تتبنى الدعوة العادلة للدفاع عن الهوية الثقافية. ففي احدى الدراسات الحديثة (1995) التي اجريت لتحليل مضمون اهم الصحف الصادرة في 40 دولة في العالم جاء ان الخلل في توازن المعلومات تزايد في التسعينات مقارنة بالسبعينات والثمانينات. في ظل هذا التوجه يفترض ان تمارس مجتمعات العالم الثالث جهودا مضنية باستخدام العلاقات العامة لتحصين شعوبها في الداخل والدفاع عن ذاتها في الخارج من خلال بعثاتها الثقافية والدبلوماسية. ان ما اود ان اخلص اليه هو ان مستقبل العلاقات العامة للاسف رهن بتطورات خارجية وليس استجابة لتحولات محلية عربية نحو الاخذ بالارتقاء في التعامل بين عالم المنظمات وجماهيرها. ويقيني ان قوة الدفع الخارجية سوف تولد علاقات عامة عرجاء لا اخلاق لها ويظل مستقبل العلاقات العامة رهنا باحكام التوازن بين الاستفادة من المستوى التقني العالمي الذي تفرضه العولمة من ناحية والتمسك باخلاقيات المهنة وفق مرجعية اسلامية من ناحية اخرى. مستقبل المهنة يكمن اذا في ان نتقدم الى الاسلام لنحتكم اليه في اساليب ممارسة المهنة ولا اقول نرجع الى الاسلام لانه لا يزال شامخا في عالم المستقبل كما كان في عالم الماضي لننقلها من عالم المكر والدهاء والزيف والخداع والادعاءات والدعاية السوداء لتحقيق مصالح مؤقتة تخدم فائدة طرف على حساب طرف آخر باستغلال اساليب التضليل والتشويه الاعلامي والقصص الاخبارية الملفقة والمنقوصة والتي تتعمد الاثارة والبعد عن الحقائق الى عالم الصدق والامانة والوضوح والصراحة والالتزام والاحترام المتبادل ومحاسبة النفس واعطاء الجماهير حقها في ان تعرف الحقيقة كاملة دون رتوش او مواربة او تزيين وهذا هو المنهج الاسلامي الذ يجعل العرب الاوائل يحققون السيادة على مستوى العالم في عهدهم. واذا كان الغرب يهيمن على حياتنا تكنولوجيا واقتصاديا لدرجة لا نستطيع معها الفكاك منه فانه, بحوزتنا ما يجعلنا نتفوق عليه اذا اعتمدنا اخلاقيات الاسلام واصوله في الاحتكام الى اساليب ممارسة هذه المهنة, ففي مقابل عولمتهم للتكنولوجيا يمكن ان نعولم الاخلاقيات. وفي هذا الصدد اود الاشارة الى ملاحظة جديرة بالذكر عبر عنها د. احمد صالح بجامعة الامارات معلقا على مساق المراسم والبروتوكول قال الاستاذ الفاضل الا ينبغي اعادة النظر في توصيف المساق للدرجة التي نضمن فيها تقديمه لطلابنا بمنطق واسلوب اسلامي, ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تبسمك في وجه اخيك صدقة. وهكذا بدلا من افتعال البسمة على الوجوه لمجرد التعبير عن مواقف معينة, أليس من الاجدى ان تكون النية صادقة في التعبير عن انفعالاتنا. واتساقا مع هذا المنطق اقول ان مستقبل العلاقات العامة بوجه عام في حاجة ماسة الى تأصيل اسلامي يوجه ويقود الممارسة في الوقت نفسه ويطوع تكنولوجيا العصر لخدمة اغراضه. الحاجة الى جمعية العلاقات العامة ان تأثير المتغيرات الدولية والمحلية على مستقبل العلاقات العامة يظل محدودا في غياب رابطة تجمع ممارسي ومستشاري العلاقات العامة لوضع مواثيق الشرف للارتقاء بمستوى المهنة من خلال التعليم المستمر للعاملين في الحقل, والبرامج التدريبية التي تشبع احتياجات محددة ولا يقل اهمية عن ذلك تنظيم المؤتمرات الدورية واصدار المجلات والمطبوعات واعداد البرامج الاذاعية وانشاء المواقع على الانترنت للتعبير عن موقع وموقف العلاقات العامة العربية من القضايا المحلية والعالمية, وهذه دعوة الى كل المسؤولين والعاملين في مهنة المستقبل لتوحيد جهودهم والمبادرة لانشاء جمعية العلاقات العامة في كل قطر عربي كنواة لتكوين جمعية العلاقات العامة العربية.