انتفاضة شعبية ضد جميل معوض! بقلم- الدكتور طلعت شاهين

الأزمات نفسها تتكرر, والحلول والنتائج نفسها لا تتغير, تبدأ الأزمات بقرارات حكومية خاطئة, لأنها صادرة عن عقلية دكتاتورية ودون دراسة دقيقة عن الثمن الاجتماعي الذي يمكن أن تدفعه الشعوب التي تجد نفسها محاصرة تحت ضغوط الحكومات التي يدعي قاعدة ديمقراطية تفتقدها , وبين ضغوط المؤسسات الدولية, التي أصبحت تمثل سرطانا لا يمكن التخلص منه عند الحديث عن أي تخطيط لأي نوع من أنواع الاقتصاد المعاصر, وخسائره على أقل تقدير تزيد على ماكانت تبحث عنه تلك الحكومة من دخل لسد الخروق التي أحدثتها في ميزانيات الدولة, ولا تتراجع عن قراراتها إلا بعد أن تكون قد أضافت مزيدا من المصاعب الى الشعب والى نفسها. هذا هو ما حدث الأسبوع الماضي في الإكوادور التي يتولى رئاستها اللبناني الأصل الدكتور جميل معوض, الذي لا يبدو أنه على صلة بالتاريخ العربي المعاصر, وإلا لكان استفاد من تجارب عديدة من هذا التاريخ في مقدمتها (الانتفاضة الشعبية في مصر عام 1977) , والتي أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات وقتها اسم (انتفاضة الحرامية) , عندما عجز عن مواجهتها وهرب الى أسوان بحثا عن ملاذ له بعيدا عن الغضب الشعبي, ولم يجد طريقا أمام هذه الانتفاضة الشعبية سوى التراجع في أسوأ موقف في حياته السياسية, ظل يتذكره بمرارة حتى نهاية حياته المأساوية يوم احتفاله بنصر أكتوبر. يبدو أن هذه المأساة المتكررة سمة من سمات حكومات العالم المتخلف دون تمييز بين من تعلن تشدقها بالديمقراطية كما في الإكوادور والأرجنتين والبيرو, أو بين تلك الدول التي يبقى فيها الحاكم مدى الحياة من خلال استفتاءات (ديمقراطية) نتيجتها الدائمة الأرقام المتشابهة (9.99) , التي تشبه تماما تخفيضات تجار الأحذية الذين يتحايلون على الكساد بتخفيض رمزي يكسر حاجز الرقم الصحيح(!). قبل أن يهنأ ثاني رئيس من أصل لبناني لدولة الإكوادور الدكتور جميل معوض, كان سبقه الرئيس (المجنون) عبدالله أبو كرم الذي بقي في الحكم أربعين يوما فقط, تلقى ضربة من الطبيعة في شكل إعصار (ميتش) , الذي دمر أكثر من نصف ثروة البلاد الزراعية, وأزال من على الأرض كل البنية التحتية تقريباً. وفي محاولات لرأب الصدع الذي أصاب مشاريعه الاقتصادية واجه ضربة أخرى من المؤسسات المصرفية, التي وجدت في انخفاض أسعار النفط نقصا في دخل البلاد من نفطها القليل, ولكنه كان كافيا لتغطية بعض الاحتياجات, فقرر الرئيس معوض ان يواجه الطبيعة والمؤسسات المالية الدولية بعصر ماتبقى في بطون شعبه من قليل الطعام الذي يملكه بقرارات عشوائية لا تستفيد من تجارب دول مجاورة كفنزويلا والبيرو او الارجنتين او البرازيل, ولاحتى تستفيد من دول بعيدة قليلا لكنها تنتمي الى حزام التخلف كما حدث في زمن الرئيس السادات. جميل معوض استاذ الاقتصاد, الذي من المفترض انه يعرف ماهو التفكير العلمي وما هو التفكير العشوائي والفارق بينهما, قرر ان يزيد من دخل حكومته 500 مليون دولار التي تحتاجها الميزانية وبجرة قلم قرر رفع اسعار النفط ومشتقاته بنسبة 165 في المائة, مما يعني رفع اسعار جميع المواد الاستهلاكية بنسب قريبة من هذه النسبة, نظرا الى أن النفط هو عصب الحياة اليومية المعاصرة, فهو مصدر الطاقة التي يستخدمها النقل لتوصيل تلك السلع الى المستهلك النهائي, الذي يشكل فقراء البلاد معظم تكوينه الاساسي. خلال توقيعه على قراراته العشوائىة لم ينتبه رئيس الاكوادور, او يضع اي من مستشاريه امامه تحيرا من خطورة معاداة جميع الطبقات في قرار واحد فقد اخطأ وقرر ايضا اثارة التجار ومن يملكون بعض المال من الطبقتين المتوسطة والعليا فقرر بجرة قلم ايضا, تجميد نصف الارصدة (الدولارية) التي يزيد حجمها على 500 دولار فقط ولمدة سنة للاستفادة منها في تغطية عجز ميزانية الحكومة من العملات الاجنبية وايضا زيادة الضريبة على التحويلات الاجنبية عن العملات بنسبة 1% وهذا ينعكس بشكل مباشر على المستهلك النهائي لان معظم التحويلات المالية من وإلى الخارج تتم لدفع ثمن منتجات مستوردة من الخارج لتغطية عجز الانتاج المحلي من مواد معينة, تعتبر في معظمها من السلع الاستهلاكية الاساسية, وكأن الشعب بقرة حلوب تلجأ اليها الحكومة عندما تعجز عن تنفيذ برامجها. النتيجة المحتومة التي يعرفها من له علاقة بألف باء السياسة والاقتصاد كانت معلومة مسبقا, ومع ذلك يبدو ان الرئيس جميل معوض فوجىء بهذه النتيجة التي كانت في شكل انتفاضة شعبية عارمة شاركت فيها جميع طبقات الشعب بعضها مثل الطبقة الفقيرة العريضة دفاعا عن لقمة الخبز التي اصبحت بعد هذه القرارات صعبة المنال, وبعضها الاخر مثل طبقة التجار واصحاب رؤوس الاموال دفاعا عن مكاسب اخرى اصبحت اقرب الى التبخر. اما الطبقة السياسية فقد استغلت الموقف لتسجيل نقاط لصالحها في معركة الخاسرالوحيد فيها هو الشعب الذي يعتبر ضحية كل الحكومات وكل الانظمة بتعدد ايديولوجياتها وتوجهاتها لان وضع الاكوادور الاقتصادي منهار تماما, خاصة بعد ازمات اعصار (ميتش) والانهيار الذي اصاب دولا مجاورة كالبرازيل والتشيلي والارجنتين نتيجة لانهيار اسواق جنوب شرق اسيا. كانت الانتفاضة الشعبية عارمة ولم يفلح لا البوليس ولا الجيش في مواجهتها وامتدت لتشمل جميع طبقات الشعب, وجميع الوطن ولاول مرة تشارك التجمعات الهندية الاصلية في احتجاج ضد اي حكومة في البلاد, مع ان الهنود الحمر اعتادوا الاهمال والتهميش من جميع الحكومات العسكرية والمدنية التي تعاقبت على هذه البلاد وغيرها من دول امريكا اللاتينية منذ وصول كولومبس اليهم قبل خمسة قرون وحتى وصل الرئيس جميل معوض الى الحكم قبل اشهر قليلة, لكن يبدو انهم هذه المرة وجدوا انفسهم في موقف الدفاع عن اللقمة التي تضمن لهم البقاء وتساعدهم على مزيد من المقاومة. وكالعادة حاول الرئيس جميل معوض استخدام البوليس والجيش لاسكات تلك الانتفاضة ولكن بعد ان سقط العديد من الضحايا وتم تدمير الباصات العامة وخطوط السكك الحديدية واحراق المكاتب الحكومية توصل الرئيس الاكوادوري الى النتيجة التي توصل اليها الرئيس السادات عام 1977 وقرر ابتلاع قراراته. ازمة الرئيس جميل معوض لم تنته بتراجعه, وتراجعه لن يكون نهاية ازمة ميزانية حكومته فهو في حاجة الى المال, ومانح القروض يطالب بإجراءات ضد الشعب ولزيادة الضرائب لابد من تقديم تنازلات للاحزاب المعارضة التي ترى في هذا الوضع فرصة ذهبية لاسقاط الحكومة, انها معادلة صعبة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات