الديكتاتورية حالة لاتنشأ من فراغ, وهي كذلك ليست الحالة الانسانية التي يمكن اعتبارها تفردا او سمة تميز أمة دون أمة او جنسا بشريا دون الآخر . فعلى امتداد التاريخ البشري الذي سجله الانسان لنفسه منذ ان سكن الكهوف حتى وصل الى ناطحات السحاب, وظاهرة الديكتاتور والديكتاتورية تقدم نفسها كحالة عامة متمردة في كل النسيج البشري على اختلاف أعراقه وثقافاته وجغرافيته. صحيح ان ظاهرة الديكتاتور تجد لها مناخا جيدا في البيئة الشرقية الرطبة والمعبأة ( بجرثومة) الاستعداد والظلم والقمع والمصادرة, الا ان ذلك لايعني ابدا ان الغرب (نظيف) تماما من هذه ( الاوبئة) الانسانية التي ما زالت حتى يومنا هذا مصرة على ان تزج بالبشرية في ( هاوية) النهاية وهي تقهقه بجنون هستيري لامعنى له. في الشرق وفي الغرب ينوء الناس بتركات ثقال من الامية والفقر والفساد والامراض وعصابات الرقيق الابيض والمخدرات والقمع السياسي ومصادرة الحريات و .. الخ. وتبرز لكل هذا السيل الكارثي رموز من الحكام والسياسيين يمارسون صناعة الفساد في كل لحظة, بينما يمارس اعلامهم واعلام الوكالات الصهيونية تقديمهم لنا على انهم اشخاص يقعون في دائرة اختلاف وجهات النظر لا اكثر ولا اقل . ما الفرق بين صدام حسين وشاه ايران وماوتسي تونج في الشرق وبين هتلر وشاوشيسكو وفرانكو وموسوليني وسلوبودان ميلوسيفيتش في الغرب, لافرق نهائيا, فكل منهم قد خلف بلدانا تعج بالفساد والتدهور والانحطاط كما سطر تاريخه بدماء الآلاف من ابناء شعبه الذين تجرأوا صارخين بطلب الحرية او بكلمة (لا). وليس صحيحا ان الولايات المتحدة تحارب الديكتاتوريات او ان اوروبا الغربية تبحث عن حريات الشعوب المضطهدة وخلاصها وتتمنى لها حاضرا او مستقبلا مشرقا في ظل حكومات ديمقراطية او ليبرالية, ذلك من دواعي تلميع الوجه الاستعماري التسلطي للعولمة وللغرب ولامريكا وهو كذلك من مستلزمات الدعاية لتمرير الصورة والبضاعة وكل المنتج الاوروبي الامريكي الى العقلية الشرقية والى العالم كله. ان حالة الديكتاتورية بكل افرازاتها المرعبة ( جهل, فقر, حروب, امراض, فساد, انحطاط ...) هي البيئة المثلى لترويج السلع الاوروبية وتكوين سوق معتمدة اعتمادا كليا على ما يأتي من الخارج, حيث ينظر اليه على انه الافضل والاجمل و ... الخ. ولو ان الغرب يريد الديمقراطية للجميع وليس لنفسه فقط لما تبنى نظاما كنظام صدام حسين وموله وتواطأ معه وسكت عن جميع حماقاته, ولما صبر كل هذا الزمن في مقابل حماقات ميلوسيفيتش الذي يزج بشعبه وبشعوب كل منطقة البلقان في هاوية الشقاء والتعاسة, وتظل الاشكالية قائمة : من يخلص هؤلاء المضطهدين من هذه الانظمة هل هي مهمتهم ام مهمة الآخرين؟ فاذا كانوا هم على غير استعداد والآخرون رابحون من وجود هذه الانظمة فما هو الحل ياترى؟