سبحان الله كيف تحولت البلاغة العربية في هذا العصر من نعمة إلى نقمة ومن ميزة ميز بها الله العرب إلى قناع تمويه ومغالطة . فالبلغاء كانوا سندا للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء وكانت البلاغة سلاحنا وخندق دفاعنا لحماية حقوقنا وصيانة أرضنا وعرضنا. فكيف جعلناها اليوم مهربا (أمينا) من تحمل المسؤولية وتعويضا مفضوحا عن الاصداع بكلمة الحق والجهر بما يختلج في الضمائر. وأحسب اننا اليوم ــ عربيا ــ نصيب البلاغة العربية في مقتل حين نسخرها لتخدير شعوبنا و(طمأنة) خصومنا وضياع مصالحنا. هذا ما فكرت فيه آسفا وأنا أستمع للمرة العشرين إلى تصريح ثابت للأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبدالجميد, لعلكم جميعا سمعتموه أو شاهدتموه على شاشات التلفزيونات العربية وهو: (هدفنا تخفيف المعاناة عن الشعب العراقي) . والمتمعن الحصيف في هذه العبارة الدبلوماسية (البليغة) يفهم بالطبع بأن غاية جامعة الدول العربية هي بالحرف تخفيف المعاناة لا رفع المعاناة أو وضع حد للمعاناة أو انهاء المعاناة قطعيا. ويستنتج المتمعن الحصيف كذلك بأن جامعة الدول العربية لا ترى في (معاناة الشعب العراقي) ما يضيمها وما يعكر عليها صفوها وما يذل دولها بل الغاية المعلنة حرفيا وبلاغيا هي فقط (التخفيف من المعاناة) ! والبلاغة العربية تقول اننا لا يمكن أن نخفف من الشيء إلا متى أبقيناه موجودا.. ومعناه بالعربي ان المطلوب عربيا هو الابقاء على المعاناة مع السعي الطيب للتخفيف منها.. كمن يخفف من معاناة شيال يحمل كيسين من الحنطة فنخفف عنه معاناته بأن نحمل عنه كيسا ونترك على ظهره كيسا رغم اصابته بالحدب وعجزه في شيخوخته عن حمل ذلك الكيس الأوحد! انها آية من آىات البلاغة العربية. أما الآية الثانية فجاءتنا من وزير خارجية مصر في تصريح لهيئة الاذاعة البريطانية هذا الاسبوع, حين قال: (مهما كانت نوايا حكومة الليكود معادية للسلام وضد الشرعية الدولة فنحن العرب نعلن بأن خيارنا الاستراتيجي هو السلام) . وتعقيبا على هذه الدرة (البلاغية) نقول أو بالأصح نستخلص ما يلي: لتكن اسرائيل عدوانية تعمل للحرب وتسعى للصدام العسكري, ليكن خيارها الاستراتيجي هو الحرب المعلنة بتعطيل مسار اتفاق السلام الموقع في (الواي) والمزيد من بناء المستوطنات (في الحقيقة المستعمرات) والمزيد من احتلال قرى جنوب لبنان ومواصلة احتلال هضبة الجولان.. لنكن كذلك! فنحن العرب سيظل خيارنا الاستراتيجي هو السلام. ونتساءل هل كتب على العرب ألا تبقى لديهم إلا البلاغة, كتعويض رهيب وخاطئ عن القوة بوجوهها العسكرية والسياسية والنفطية والاستراتيجية والثقافية والبشرية؟ أم هل ان العرب بسبب انقطاع الجسور بين الحكومات والمشاركات الشعبية لم يقيموا التقييم الصحيح كافة قدراتهم ولم ينسقوا بين دولهم ولم يوظفوا تلك القدرات في خدمة شعوبهم ومصالحهم ومستقبلهم. وقد أصبح الوضع العربي المتردي مشارا إليه في أعمدة الصحف وحوارات القنوات التلفزيونية ببيانات جامعة الدول العربية المتراوحة بين الاستنكار والشجب والتنديد دون الاقتراب لا من الفعل فقط, بل من الانذار والوعيد. وأصبح ملاذنا الأوحد تلك المحسنات البديعية زائدا فنون التوشيحات والتوريات وأحيانا السجع لنخرج على العالم المندهش المعقد بآليات نضالية جديدة لم يألفها أجدادنا المجاهدون الصالحون, وهي آليات الدفاع البلاغي. وإذا أردتم أن تقتنعوا تماما مثلي بلا جدوى هذه الآليات البلاغية فخذوا مثال الوحدة الأوروبية التي تحققت في ظرف أربعة عقود ورحلت إلى العملة النقدية المشتركة/ اليورو, دون أن نسمع أغنية لمطرب واحد حول الوحدة الأوروبية.. أما الوحدة العربية فقد ظللنا أربعين عاما نغني لها ونشنف الأسماع ونطرب لها.. دون أن تتحول إلى واقع. فاعتبروا يا أولي الألباب.