فشلت نماذج وتجليات كثيرة لفكرة التقاء شعوب الدول متعددة القوميات وفق سوية ديمقراطية, لحل تعارضاتها ذات الاصول والمصادر المختلفة, على أساس ديني او لغوي أو اثني.. هذا ما حدث مثلا في شبه القارة الهندية , التي اضحت الهند وباكستان, وان امعنا النظر, ادركنا ان الانفجارات الاهلية المتوالية في دول افريقية كثيرة, تعود الى التضارب بين الحدود السياسية والحدود القومية او ما تعتبره التقاليد الافريقية تباينات باعثة على الاختلاف ومعظمها قبلي. وبمعنى قريب, يمكن تفهم الحروب الأهلية الضروس في يوغوسلافيا السابقة من المنطق نفسه, حيث تبدو ارادة الارتداد الى الجذور الذاتية, والانفصال او الانفراد بالسيطرة والتميز بالنسبة للصرب والكروات, في مواجهة اقوام يعتبرونهم مختلفين عنهم وان تعايشوا معهم لاجيال ممتدة, اقوى واوقع اثرا من النزوع الى الدولة الديمقراطية متعددة او ثنائية القومية. ومع ذلك, فان دعاة الدولة ثنائية القومية في الحالة الفلسطينية الاسرائيلية لا يعتدون الا بالنماذج الناجحة, وضمن هذه النظرية الاحادية الانتقائية, يتوقف هؤلاء مطولا عند تجربتي سويسرا وبلجيكا, انهم يشيرون باعجاب ظاهر الى كيف تمكنت فكرة الدولة الواحدة متعددة القوميات من التأليف السياسي بين اربعة اقوام في سويسرا, يتحدثون بأربعة ألسن (الفرنسية والايطالية والالمانية والرومانية القديمة) ويدينون بمذهبين (البروتستانية والكاثوليكية) , وذلك في نظام فيدرالي يقوم على المقاطعات التي تحكم ذاتها ويضمن لها الدستور العام الاتحادي حق الانتساب او الانسحاب من هذا النظام. كذلك يعبر هؤلاء عن اعجاب نظير بالتجربة البلجيكية, التي فرض فيها الواقعان الاثني واللغوي, تقسيم المملكة الى جماعتي الفلامنك والوالون, في كنف نظام دستوري واحد في بروكسل, وهناك تلميحات ظاهرة ومضمرة الى الحل الديمقراطي الذي اعتمد في جنوب افريقيا, والذي نبذ في اطاره نظام الفصل العنصري البغيض. يتصور دعاة الثنائىة القومية في فلسطين, ان هذه النماذج التي اثر اقوامها الحل الديمقراطي الذي يختفي في ظلاله طغيان قوم على اخرين, يمكن استلهامها لحل المعضلة الفلسطينية الاسرائيلية في فلسطين الواحدة, والشرط الاساسي لمثل هذه المحاكاة, هو طرح الابعاد الصهيونية من رحاب الشطر اليهودي او الاسرائيلي في الدولة المنشودة, وللوهلة الاولى, يبدو هذا التحليل معقولا, وبخاصة حين ينادي بالشرط المذكور فالصهيونية والدولة ثنائية القومية لا يلتقيان اطلاقا, كونها ايديولوجية انفصالية مغرقة في الصلف العنصري وعقد التفوق, علاوة على احتكامها لاساطير تاريخية لا يقبلها المنطق الانساني ولم تؤكدها الشواهد على نحو قطعي. بيد ان تعليق فرصة تطبيق الحل ثنائي القومية على شرط اختفاء الصهيونية رغم صعوبته, المؤكدة او حتى استحالته ليس المأخذ الوحيد بخصوص هذا الطرح.. ثمة معطيات اخرى نفترض عمق دلالاتها بالنسبة لهذه الفرصة عند التطبيق, وهي معطيات نستقيها من النماذج المذكورة التي يرجو دعاة الفكرة او يتطلعون الى محاكاتها. فمن ناحية, يلاحظ ان الامثلة الناجحة للدول متعددة القومية, وبخاصة المثلين السويسري والبلجيكي, تعمل محفوفة ومبطنة باطار حضاري كبير جامع, هو الحضارة الغربية المسيحية بكل ما تنطوي عليه من قيم مشتركة, وقد لا يكون من المبالغة الشديدة النظر الى التباينات اللغوية والمذهبية القائمة هناك على انها متفرعة عن اصول لغوية واحدة (اللاتينية) ودينية واحدة (المسيحية), وليس بلا مغزى ان يحلق الفشل في اجواء النماذج التي بدا فيها التباين الحضاري واضحا, حتى وان كان موقعها الجغرافي القارة القديمة نفسها (البوسنة وكوسوفو..) ومن ناحية ثانية, فان الاقوام الاصل للشعوب المنضوية تحت هذه النماذج الناجحة, اظهرت تسامحها قديما مع خياراتها. فلا الفرنسيون ولا الالمان او الايطاليون او الهولنديون, يحرضون ضد الاتحاد السويسري أو البلجيكي. لقد تحركت هاتان التجربتان على ارضية من التسامح الداخلي والرضاء الخارجي, ومن ناحية ثالثة من غير الصحيح ان القوميات الام لشعوب الدول التعددية الناجحة, كانت بعيدة عن تأييد تجارب هذه الدولة وتزكيتها لتحقيق مصالح بعينها, فسويسرا كانت ومازالت مركزا لحركة المال والخدمات في القارة الاوروبية كلها, بل وعلى نطاق عالمي, وبروكسل في بلجيكا هي بؤرة حركة التوحيد الاوروبي, منذ وقت بعيد وعاصمة الاتحاد الاوروبي في الوقت الراهن, وليس من الحكمة ان تسبب القوميات الكبرى الام ازعاجا لهاتين التجربتين, فيما تعمل هذه القوميات نفسها على اجتراح سبل الوحدة فيما بينها على الصعيد القاري. ولعله من الملفت حقا, ان تتلصص بين الحين والاخر بواعث القلق والاضطراب من داخل بعض اكثر نماذج الدول التعددية الاوروبية قدما وثبوتا, لقد صدر دستور الاتحاد السويسري عام ,1848 مساويا بين استخدام اللغات الاربع في المصالح الحكومية, ومؤسسا لقواعد صلبة للتفاهم بين عناصر الاتحاد.. وعلى الرغم من ذلك, كثيرا ما ظهرت اتجاهات للاعتداد بالقوميات الذاتية في مواجهة بقية الشركاء الاتحاديين, واثناء الحرب العالمية الاولى وصلت العلاقات الى نقطة خطيرة, عندما وقفت سويسرا الروماندية اي المتكلمة بالفرنسية الى جانب بلجيكا المعتدى عليها, بينما ساندت سويسرا الالمانية قوات الرايخ الالماني. اكثر من ذلك, ان سويسرا الادب والثقافة, تتضمن ادابا اربعة, نما كل منها بشكل فردي, وليس بينها وبين بعضها الا القليل من الاتصال والتأثير المتبادل, بل انها ـ على ما تذكر المؤسسة السويسرية للاعلام ـ لا تعرف بعضها البعض جيدا, الامر الذي اوصل المعنيين هناك الى نتيجة مؤلمة هي انه (لم يكن لسويسرا ادب ولن يكون) . وضمن الاضاءات حول طبيعة التفاعلات الداخلية, ظهر في وقت قريب, ان لسويسرا الفرنسية كانت دوما اكثر انفتاحا وارتباطا بواجباتها الدولية من سويسرا الالمانية, اذ اجمعت المنطقة الاولى على دخول سويسرا عصبة الامم قديما, وزيدت عام 1992 الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ان امكن, وذلك على خلاف مواقف بقية الشركاء في البلاد, وبصفة عامة ثبت ان القوى المشاركة في الاتحاد السويسري تعاني أزمة هوية, واحيانا من الارتباطات المتباينة, هذا على الرغم من مرور قرن ونصف على بداية التجربة. اين الحالة الفلسطينية الاسرائيلية من هذه المعطيات؟ الفلسطينيون ينتمون لأرومة حضارية قومية لا يجمعها مع المستوطنين الصهاينة, حتى لو اصبحوا يهودا بلا صهيونية, جامع, وهؤلاء الاخيرون ليسوا قومية من الاصل حتى نبدر, ولو مؤقتا ونظريا, فكرة الدولة ثنائية القومية, وربما جاز السؤال على كل حال: مع اية قومية ينتمي اليها المستوطنون اليهود يفترض ان يجري التفاهم على هذه الدولة, اليهود الروس؟ ام اليهود المغاربة؟ ام الفلاشا؟ ام بقية المنمنمات القومية في هذا المستودع الاستيطاني؟ كأن محاولة استزراع الدولة الثنائية القومية في فلسطين لن تمر بحذافيرها بمجرد القياس الظاهري مع تجارب اخرى لها ملامحها ومكوناتها ومسارها المختلف, ثمة الام مبرحة يمكن ان تنجم عن هكذا محاولة, ولكن اكثر من نصف مستوطني اسرائيل يعودون لاصول حضارية مشرقية, عربية بخاصة, فهل تحمل هذه الظاهرة على الاستبشار بمنطق يسمح لهذه المحاولة؟ انها قضية تستأهل التفكير من منطلقات اخرى. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة