المؤتمر العام الموسع لتطوير المناهج الذي عقد بتاريخ 9/3/1999 جاء في اطار خطة وزارة التربية والتعليم لوضع رؤية للتعليم في الدولة حتى عام 2020. ولاشك ان اقامة مثل هذه المؤتمرات التربوية لا تخلو من الفوائد اقلها اتاحة الفرصة للتربويين للاجتماع والالتقاء للتعارف ومناقشة مستقبل التعليم في الدولة . كما ان مبادرة الوزارة بفتح باب الحوار تعد في حد ذاتها خطوة متقدمة تصب في مصلحة التطوير, فالغرض من المؤتمر كان لمناقشة اوراق لتقويم المناهج بالاضافة الى عرض موجز لرؤية التعليم عام 2020 وما يهمنا هنا هو موضوع الرؤية وتحديدا الآلية التي وضعت على اساسها هذه الرؤية. تعرف الرؤية في الفكر الاداري بانها عبارة عن صورة ذهنية مستقبلية, وفي حال وزارة التربية والتعليم فان المقصود بالرؤية هو صورة مستقبلية لشكل التعليم في دولة الامارات العربية المتحدة حتى عام 2020. ملاحظتي على رؤية الوزارة التي وردت في ورقة (رؤية للتعليم 2020 عرض موجز) التي عرضها مستشار معالي الوزير في أولى جلسات المؤتمر والمتضمنة 26 هدفا استراتيجيا ان هذه الاهداف عنيت اغلبها (بمدخلات) العملية التعليمية كالموارد البشرية والمباني المدرسية وتجهيزاتها وغيرها بما في ذلك المشاريع التربوية المقترحة في نهاية الورقة اما الاهداف المتعلقة مباشرة بالطالب (المخرجات) فإنها قليلة ومبهمة ومن الصعب بمكان الاستفادة منها في تشكيل رؤية نهائية لشكل خريج المدرسة الثانوية, إذا رؤية الوزارة للتعليم حتى عام 2020 واضحة فيما يتعلق بالوسائل وغامضة فيما يتعلق بالهدف الحقيقي للتعليم الا وهو الطالب, ونحن لا ننكر, من حيث المبدأ, اهمية اغلب هذه المشروعات التربوية المقترحة لكن من الصعوبة بمكان قياس حاجة المخرج النهائي (الطالب) لهذه المشروعات, ونحن لم نرسم الصورة المستقبلية له والسبب يكمن في ان الاستراتيجية لم تجب على السؤال المهم (ما هي مواصفات وشكل المنتج النهائي (الطالب)؟) وعدم الاجابة على هذا السؤال بوضوح سيجعل الوزارة تنفذ مشاريع تربوية كبيرة وطموحة لتحقيق هدف غير واضح والمدرسة تنتج طالبا لن نعلم مواصفاته الا عند التخرج وعلينا ان ننتظر 12 سنة من التجريب لنقيس جودة اول منتج. وفي حالة الفشل لا سمح الله سينتج عن ذلك مجموعة من التبعات السلبية منها هدر الاموال على مشاريع غير ذات جدوى, ثم انهاك الطالب والمعلم, واحباط المنفذين للمشاريع, واخيرا اهتزاز ثقة المواطن في خطط الوزارة, هذا الوضع يمكن تشبيهه بذاك المتحمس الذي انشأ مصنعا ووفر مواده الاولية قبل ان يحدد نوع منتجه وعندما بدأ الانتاج وجد ان منتجه ليس هو المطلوب مما اضطره الى اجراء تعديلات اخرى في مصنعه لينتج ما هو مطلوب. اسوق هذا المثال لان أخشى ما اخشاه ان تذهب جهود التطوير سدا في مشاريع تطويرية غير ذات جدوى حقيقية لا يكون اثرها ناجعا في تحسين المنتج النهائي ونحن في امس الحاجة لان نسبق الزمن ونوفر اكبر قدر ممكن من الجهد والمال. فلسفة التخطيط الاستراتيجي الحديث تتطلب ببساطة ان يبدأ التخطيط من النهاية وذلك بتشكيل رؤية تفصيلية للهدف النهائي وبعدها نبحث عن الوسائل المطلوبة للوصول الى هذا الهدف. في حالة وزارة التربية والتعليم يفترض ان تبدأ الخطة الاستراتيجية برسم صورة مستقبلية لما نطمح اليه ان يكون شكل المخرج النهائي (خريج المدرسة الثانوية) فنحدد مجموعة من المهارات الاكاديمية والاجتماعية والسمات الشخصية والثقافية.. الخ التي نرجو ان تتمثل في هذا الخريج. وعادة ما تكون هذه السمات والمواصفات مرتبطة بشكل مباشر باحتياجات مجتمع الطالب الحالية والمتوقعة مستقبلا ويراعى عند تكوين الرؤية المستقبلية للطالب امكانيات الوزارة الآنية والمستقبلية حتى لا تكون الرؤية مبالغ فيها او تكون دون مستوى الطموح وعلى ضوء المخرج النهائي تحدد مدخلات العملية التربوية فتحدد اولا المناهج التعليمية وما تحوي من تقويم واساليب تدريس وانشطة وعلى ضوء المناهج يتم تدريب المعلم وتأهيله واختيار المبنى المدرسي المناسب.. الخ. ولخصوصية المراحل السنية المختلفة اقترح تقسيم الاستراتيجية حسب المراحل رياض الاطفال والابتدائية التأسيسية, الابتدائية العليا, الاعدادية, الثانوية, وتوضع لكل مرحلة رؤية خاصة للطالب في نهاية كل مرحلة تكون هذه الرؤية مشتقة من الرؤية النهاية لخريج الثانوية العامة ويفضل البدء في الاصلاح من المراحل الادنى لان الطالب عندما يكبر تبدأ سماته وطبائعه الشخصية بالرسوخ شيئا فشيئا وبالتالي تصعب عملية تشكيله بالنمط المرجو. كما ان الاصلاح المرحلي اقل كلفة واسهل عند التقويم والتعديل اذا تطلب الامر ذلك, ووجود الرؤية النهائية الواضحة لها فوائد كثيرة. منها على سبيل المثال ان المختصين يمكنهم وبسهولة التحديد اذا كان ما يقدم للطالب في المدرسة اكبر من حاجته او اقل من ذلك لان امامهم الرؤية الواضحة للقياس عليها. كما ان المعلم صاحب الرؤية يتحمس لعمله اكثر كون الهدف واضحا امامه, كما ان وجود رؤية واضحة للمخرج النهائي سيبتر كثير من مدخلات العملية التربوية الزائدة عن الحاجة. مثل الحشو في المناهج وعدد بقاء الطالب في المدرسة وعدد سنوات تأهيل المعلم وعدد الحصص من كل مادة.. الخ. اذا عقد المؤتمر العام الموسع لتطوير المناهج جاء مبكرا مما قلل من فائدته وكان من الأجدر ان يسبق مؤتمر المناهج مؤتمر آخر لرسم الرؤية المستقبلية لمخرجات التعليم في الدولة. ذلك لان المناهج تعتبر مجرد وسيلة من وسائل تحقيق الرؤية لا اكثر وليس من المنطق ان يجتمع التربويون على الوسيلة ولا يجتمعون على الهدف. فالمناهج والمباني والمعلمون وغيرها على أهميتها تبقى وسائل أساسية لايصال الطالب الى الهدف المرجو, لكن أدوارها ستكون غير فعالة ما لم تتضح الرؤية لمؤلف المناهج ومهندس المبنى المدرسي والمعلم في الفصل. هذه السطور مجرد رؤية في رؤية وزارة التربية التي فتحت الباب مشكورة للمختصين لأن يدلوا بآرائهم في مستقبل التعليم. مدير منطقة أبوظبي التعليمية السابق بريد الكتروني: eissa-uae@hotmail.com