حين قام (هواري بومدين) بانقلابه في 19 يونيو 1965, واطلق عليه اسم التصحيح الثوري, لم يكن أحد من الجزائريين يعتقد أن هذا الرجل الذي كون جيشا نظاميا واستحوذ عليه سيصحح ـ بالفعل ـ مسيرة حياة الدولة الجزائرية الحديثة, ويصبح نموذجا يحتذى به باعتباره زعيما مؤثرا, ويشكل في نهاية المطاف ـ بعد وفاته ـ عقدة لكل الذين يأتون بعده . وخلال فترة حكمه التي دامت ثلاث عشرة سنة. كان بومدين يتقرب كل يوم للمجتمع الجزائري باساليبه وطرقه الخاصة, ولم يكن يعلم ـ بالتأكيد ـ أنه سيعمق مأساة الجزائريين من خلال حبهم للعدل الذي طالما حدثهم عنه وسعى لتحقيقه, صحيح ان هناك طبقات اجتماعية تضررت اثناء حكمه, سواء تلك التي كانت أقرب الى الاقطاع لكونها نتاج المرحلة الاستعمارية, او تلك الاخرى التي بدأت في الظهور بعد رحيل الاستعمار والتي هي اقرب الى البرجوازية الصغيرة, بل هناك من يرى ان قيام الثورة الزراعية ـ رغم تأميم الاراضي أو التبرع بها ـ ساعدت تلك الطبقة على اللجوء الى اساليب ملتوية للاستحواذ على المال, لكن هذه الطبقة نفسها وغيرها من الطبقات الاخرى ذات المنبت أو الرؤى أو الطموح البرجوازي, وجدت نفسها في فترة الانفتاح النسبي ـ بعد رحيل بومدين ـ وسيادة العلاقات القرابية والمصلحية في عهد الرئىس الشاذلي بن جديد وما بعدها تعيش حالة اضطراب في المجتمع ومعزولة عنه, وفي مرحلة لاحقة تجاوزتها الأحداث, لأن الذي يحكم العلاقات آنذاك لم يعد قواعد السوق, وانما درجة العلاقات مع أجهزة الإدارة والحكومة. وبغض النظر عن الاتهامات المختلفة لفترة حكم بومدين, والتي منها غياب الديمقراطية, وحكم الحزب الواحد, وسيادة الدولة بكل قواها على حساب الفرد, والاهتمام بسمعة الجزائر الخارجية على حساب قضاياها الداخلية الى غير ذلك من الاتهامات, أو حتى التقييم الخاطىء الذي يحتاج الى التحليل واعادة التذكير بالمعطيات, فإن التأثير الواضح لشخصية بومدين يظهر الآن اكثر من فترة حكمه, فمنذ بداية الازمة يستغل كشعار من السلطة كمحاولة للاتصاف بالنزاهة, ومن الاحزاب بحثا عن الجماهيرية, ومن الشعب بحثا عن الأمان, والواقع ان الحنين لبومدين هو حنين لقوة الدولة الجزائرية مهما كان الاختلاف حول ضعف سياساتها ونقائصها. وباستثناء الرئىس (الشاذلي بن جديد) الذي حاول أن يشق طريقا خاصا به بعيدا عن تأثير بومدين, خصوصا بعد بقائه في الحكم فترة مماثلة له, وحاول أن يبعد تأثيره عن عقلية المواطنين, فإن الذين جاءوا بعده من بوضياف الى زروال, الى الذين رشحوا انفسهم للانتخابات المقبلة تأثروا بشكل أو بآخر بمرحلة بومدين وفكره, مع أنهم في الغالب يتصرفون عكسها تماما, فالرئيس المغتال محمد بوضياف مثلا حل حزبه حين شاهد تأثر الشعب في جنازة بومدين, وقبل عودته بأيام للجزائر رئىسا للمجلس الأعلى للدولة صرح لي في لقاء معه: (أن فكر بومدين مايزال معشعشا في أذهان الناس) , وحين اصبح في السلطة, وزار عدة مصانع قال لبعض القريبين منه: (لقد ظلمت بومدين, ولم أكن أعرف أنه قام بهذه الانجازات كلها, واني اكتشفه الآن فقط) لكنه وسعيا لإرضاء اطراف سياسية قام بتغيير اسم ملعب في وهران الذي كان يحمل (اسم 19 يونيو) وسماه على أحد ابطال الثورة الجزائرية, وهو في الحالة الأولى يعترف بدوره, والثانية يحاول حل العقدة التي تواجه كل الجزائريين, ويسعى للتمرد على الرجل الذي حكم الجزائريين رغباً ورهبا. نفس الحال بالنسبة للرئيس زروال, الذي استقبل زوجته, وأبلغها أنه يعتبر زوجها منشىء الدولة الجزائرية الحديثة, وحاول ـ جادا ـ السير على خطاه, لكنه لم يوفق لأن الظروف تغيرت, ووجد نفسه يسير وحيدا, والآن نلاحظ عودة واضحة لكل الذين كانوا اصحاب شأن في عهده, منهم رئىس الحكومة الحالي (اسماعيل حمداني) ووزير خارجيته الاسبق (عبدالعزيز بوتفليقه) والدكتور (طالب الابراهيمي) وزير الاعلام ثم التربية في عهده ونائب رئيس البروتوكولات اثناء فترة حكمه (مولود حمروش) لكن هؤلاء جميعهم يختلفون في رؤية توجه السياسة الجزائرية, فعبد العزيز بوتفليقه مثلا الذي يدور الحديث حول احتمال فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة ذو توجه ليبرالي وطالب الابراهيمي اقرب الى الاسلاميين منه الى التيار الوطني, وحمروش رجل اصلاحات وانفتاح, ومعنى هذا انهم لا يحملون نفس الاطروحات والتصورات التي وضعها بومدين ومع ذلك كله فهم رموز تعبر عن مرحلة حكمه, فهل سيفلح احدهم او كلهم؟ لا اعتقد ان هناك احدا من الذين سبق ذكرهم سيتمكن من حل الازمة الجزائرية الحالية بشكل منفرد, وان كان اجتماع ثلاثتهم ربما يؤدي الى نتيجة طبقا لميزان القوى التي تخلو عنها اختيارا او اجبارا واذا نجح أحدهم سيجد نفسه يواجه واقعا اسمه (عقدة بومدين) التي يصعب حلها, ذلك لان الشعب يحلم بالعودة الى تلك الفترة, بحثا عن زعيم قوي يسد الفراغ الحالي, والشعب الجزائري في هذه الحال, كثيرا ما ضرب هذا المثال بخصوص الوضع في الجزائر ـ اشبه بامرأة شريفة تزوجت رجلا كريما فحلا, وقضى عليه الموت فكل رجل يطلبها للنكاح تقارن بينه وبين زوجها الاول والكفة دائما ترجح للزوج الاول الهالك ولذلك تظل تبحث عن زوج بمواصفات محددة او تبقى ارملة ما بقيت على قيد الحياة. الجزائر الآن هي على نفس نمط المثال السابق, تبحث عن زعيم فيه مواصفات بومدين ما يعني قياس كل الشخصيات السياسية الحالية على مواصفاته, ولا شك ان الجزائريين تعبوا كثيرا في رحلة البحث هذه, وكلفتهم انفسهم وابناءهم واموالهم, وتصادف ان تلك المرحلة ذاتها جاءت في فترة غياب العدل وعدم القدرة على التحكم, لذا فإن السياسيين يستغلون الان اسمه, وسيجدون انفسهم بعد وصولهم الى السلطة مطالبين بأن يكونوا صورة طبق الاصل عنه, لكنهم لن يستطيعوا, أولا: لأن اغلبهم ليس في مستوى نزاهة بومدين, وثانيا: ان لكل منهم صفاته الخاصة, وثالثا: ان الظروف الداخلية والخارجية لا تسمح بالتقمص او التقليد او السير على نفس الطريق مما يعني في نهاية المطاف مواصلة تصدير الهزيمة, واذا كان الشعب الجزائري يقبل على مضض ـ واستهجان احيانا ـ محاولات التقليد اذا حاول بعضهم ذلك, فإنه في العمق يدرك حقيقة اولئك السياسيين الذي لم يدافعوا عن المنجزات التي تركها مع انهم كانوا الاقرب اليه. من ناحية اخرى فإن أي سياسي جزائري, اذا اصبح رئيسا سيجد نفسه يواجه ما يمكن ان نطلق عليه بالبومدينية الجديدة, وهي التي تتجلى على المستوى الثقافي والاجتماعي, وتزيد مساحتها وتتسع كل يوم, وان كانت على المستوى السياسي في تضاؤل, فالجيل الجديد الذي يحمل افكار بومدين ويحاول اعادة صياغتها مراعيا المعطيات والظروف الجديدة مثل الجبهة البومدينية التي يقودها المحامي (محمد سعدي) , هذا الجيل يقيس احساس الجماهير ونبضها ويعرف لهفتها الى صوره وشعاراته, والكتب والمجلات التي تكتب عنه, وهي تمثل تأشيرة مرور لأي شخص او فكرة او مشروع لتصل لقلب الجماهير, غير انها ـ اي الجبهة البومدينية ممثلة للجيل الجديد ـ لم تحقق اية نجاحات سياسية على مستوى ممارسة السلطة, وان كانت قد حققت اكبر نجاح حين جعلت لبومدين حضورا دائما فكرا ونظاما وعلاقات. واضح ان الشعب الجزائري مع بومدين فكرا وثقافة وضد توظيفه سياسيا, وعن السياسيين الجزائريين الذين يستندون على عكاز بومدين ان يدركوا هذه الحقيقة, ويحاولوا تجاوز عقدة بومدين او حلها, وذلك بتحويل افكاره الى مشاريع, والتخلي عن استغلال اسمه سياسيا, ويبدو ان السيدة الفاضلة والكاتبة (أنيسة) زوجة بومدين قد ادركت هذه الحقيقة منذ وفاته فلم تنخرط في اي عمل سياسي ولكنها واصلت طريقه مثبتة اياه من خلال الكتابات الصحفية في مجال الاقتصاد, ومن خلال ابداعها الشعري, ومن خلال الحفاظ على تراثه الخطابي ومواقفه الوطنية والدولية, وهو العمل نفسه الذي تقوم به الجبهة البومدينية الآن, اما اولئك السياسيين الذين يظهرون الان على حساب بومدين مدحا او ذما, فإنهم لم يتخلصوا من عقدته وسيجعلون اخطاءهم تصل كل بيت جزائري اذا وصلوا الى السلطة, وسيظل الشعب يقارن ويبحث, وتطول الفترة الصعبة التي تعيشها الجزائر فترة تمثل البحث بلهف وحنين عن زعيم جديد يقارب بومدين او يشبه او حتى يتجاوزه ويرفضه ان استطاع لذلك سبيلا. * كاتب وصحفي جزائري مقيم في القاهرة