ربما يتجاوزنا الاجماع الفلسطيني والعربي عندما نقف الى جانب الاقلية الداعية الى تأجيل اعلان الدولة الفلسطينية فور انتهاء المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي يوم الرابع من مايو المقبل, رغم ان هذا التجاوز ينسجم للاسف مع تهديدات نتانياهو بأقصى درجات العنف عبر الضم النهائي للاراضي الفلسطينية التي لاتزال تحت الاحتلال الاسرائيلي واجتياح الاراضي الخاضعة حاليا للسلطة الفلسطينية كذلك, وتحذيرات الرئيس كلينتون ثم مجلس الشيوخ الامريكي واخيرا القرار الصادر من مجلس النواب بأغلبية 380 صوتا ضد 24 صوتا من مغبة اعلان ياسر عرفات قرار قيام الدولة الفلسطينية خارج اطار المفاوضات مع اسرائيل من دون موافقتها سلفا, باعتباره خرقا لاتفاقية اوسلو مما يستوجب حرمان السلطة الفلسطينية من المساعدات الامريكية, وكذا نصائح الاتحاد الاوروبي بضرورة تأجيل القرار لتفويت فرصة فوز الليكود بزعامة نتانياهو في الانتخابات الاسرائيلية المقرر اجراؤها يوم 17 مايو المقبل. والشاهد ان ياسر عرفات اخفق في استثمار ورقة الدولة الفلسطينية تكتيكيا عندما علن عزمه على اعلانها في الموعد الذي حددته اتفاقية اوسلو بينما كان المطلوب ان يتحفظ على هذا القرار الى حين انتهاء الفترة الانتقالية للحكم الذاتي, وعندئذ من حق السلطة الفلسطينية وقد اوفت بالتزامها في عملية السلام مع اسرائيل بإعلان قرارها الاستراتيجي في موعده, وبشكل احادي وقانوني لايستدعي التفاوض بشأنه لا مع اسرائيل او استئذان غيرها, مقدمة لتقاطر اعترافات الدول العربية والصديقة بالدولة الوليدة كأمر واقع لارجعة فيه, على غرار اعلان اسرائيل دولة مستقلة عام 1948. لكن على ما تبدو عليه الشواهد ان ياسر عرفات وجد نفسه مضطرا الى هذا الخيار في غير توقيته الصحيح كبارقة أمل متكافىء لنضال الشعب الفلسطيني ومعاناته للاحتلال الصهيوني والشتات على مدى خمسين عاما متصلة, كرد فعل لنكوص نتانياهو عن تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) وتماديه في زرع المستوطنات وضم الاراضي الفلسطينية وهدم بيوتهم وتخريب ممتلكاتهم وتهويد القدس. ومن هنا استغل نتانياهو تلويح عرفات بإعلان الدولة الفلسطينية من جهة واستمرائه التراجع عن تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن من جهة, وغزله المفضوح لتوجهات اليمين الديني المتشدد في اسرائيل من جهة ثالثة, فكانت دعوته الى الهروبية جولة استثنائية للانتخابات النيابية, وراح يلهب اجواء المزايدات السياسية بين الاحزاب المنافسة حول مخاطر اعلان الدولة الفلسطينية ويتهم المؤيدين لقيامها في حزب العمل وحزب الوسط بالتفريط في الأمن القومي, وتداعياتها السلبية ازاء انجاز الوعد التوراتي وحتمياته الكامنة في قيام دولة اسرائيل الكبرى. والحقيقة ان الدولة الفلسطينية لم تكن بحاجة الى اعلان جديد بقيامها, وذلك ان اعتراف 140 دولة بكيان شرعي للفلسطينيين قد تحقق منذ عشر سنوات, رغم ان مقومات هذه الدولة (الرمز) لم تكن قد تحققت بعد, اما الآن فقد اصبح لها رئيس شرعي معترف به دوليا, حتى امريكا واسرائيل تتعامل معه كممثل لكيان مستقل, وهذا الكيان المستقل قائم على أرض, وله علم وهوية وبطاقات جنسية وجوازات سفر, ولديها مؤسسات تنفيذية وتشريعية وأجهزة امنية ومطار وميناء وتمثيل ديبلوماسي وعضوية في الجامعة العربية وعدد من المنظمات والهيئات الدولية وهي في حدها الادنى تشكل وفقا للقانون الدولي مقومات الدولة كاملة السيادة مما يؤهلها للتقدم بطلب عضوية الامم المتحدة. على ان اعلان ياسر عرفات عزمه اتخاذ قراره المرتقب يوم الرابع من مايو المقبل لايبدو في الافق المنظور ما يؤكده والاحتمال الغالب ان يضطر الى تأجيله على امل ان يحصل خلال لقائه ومباحثاته الوشيكة مع الرئيس كلينتون على وعد بضمان امريكي لقيام الدولة الفلسطينية في وقت لاحق, وربما اقتصر هذا الوعد على الضغط على اسرائيل للوفاء بالتزاماتها في اتفاقيات السلام, وكلها احتمالات مشكوك في جديتها اتساقا مع تبني الادارة والمجالس النيابية الامريكية للمواقف والخيارات, اضافة الى رسائل الاحتجاج التي بعث بها نتانياهو الى دول الاتحاد الاوروبي ازاء مقترحاتها الرامية لمنح ضمانات للسلطة الفلسطينية مقابل تأجيل اعلان الدولة, وتحذير كافة السفراء المعتمدين لدى اسرائيل من لقاء القيادات الفلسطينية في بيت الشرق بالقدس, وكذلك رفض نتانياهو موقف الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر القدس أرضا فلسطينية محتلة, ومصيرها مؤجل الى مرحلة المفاوضات النهائية. أيضا يمكن التنبؤ برضوخ ياسر عرفات للضغوط الرامية الى تأجيل إعلان الدولة الفلسطينية في موعدها, بالنظر الى تمديد الفترة الإنتقالية للمجلس التشريعي الفلسطيني عبر تجديد فترة رئاسة أحمد قريع له, بينما كان من المتعين إجراء الانتخابات الثانية للمجلس التشريعي بمجرد إعلان الدولة الفلسطينية. حتى الرهان على نجاح حزب العمل أو حزب الوسط في الانتخابات الاسرائيلية لن يحل المشكلة على حد تقدير المراقبين, فكلاهما لا يستطيع تشكيل الحكومة الجديدة بدون الإئتلاف مع الأحزاب الدينية والمتطرفة, حتى يضمن أغلبية مريحة في الكنيست, واذا حدث ذلك فمن المتوقع ان يكون المقابل تحاشي قوة المعارضة بزعامة الليكود, عبر المماطلة في الإنسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة, وبقاء المستوطنات غير المشروعة, واستمرار وتيرة الهجره اليهودية, ومنازعة السلطة الفلسطينية حول استحقاقاتها من المياه, ومحاصرتها أمنيا وخنقها اقتصاديا وتمزيق أوصالها اربا, بمعنى تحاشى قيام دولة فلسطينية حقيقية وحرمانها بالقطع من القدس عاصمة لها بإتفاق جميع الاحزاب الاسرائيلية. حتى شيمون بيريز رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق الذي أعلن تأييدة قيام الدولة الفلسطينية مؤخرا أمام المجلس اليهودي للعلاقات العامة في واشنطن, ورأى أن هذا الخيار صمام الأمان من إندلاع حرب سادسة مع العرب, وإمتصاص نقمة الفلسطينيين الذي يشعرون بالمرارة والكراهية للاحتلال الاسرائيلي, وتباهى بأن اجمالي الناتج المحلي لإسرائيل يعادل جملة الناتج الاقليمي للدول العربية, إلا انه حذر من طرف خفي وبشكل غير مباشر من خطورة الزيادة السكانية المتضاعفة للفلسطينيين في غزة, ولعله كان يشخص ببصره الى مشروع إيجال آلون الذي يستهدف تحويل الاردن الى وطن بديل للفلسطينيين, وهو ما تحسب له ياسر عرفات سلفا عندما طرح فكرة الكونفدرالية بين الاردن والدولة الفلسطينية المرتقبة, ورفضه بعض رموز المعارضة الاردنية في حينه, وهو نفس السبب الذي دعا الملك حسين من قبل الى قطع روابط الاردن مع الضفة الغربية. مطلوب من ياسر عرفات الان أن يوجه اهتمامه وجهوده صوب بناء الدولة الفلسطينية واستكمال مقدماتها, بإعتبارها قائمة بالفعل من حيث توافر الحد الادنى للمحتوى والمضمون, اما الاعلان عن قيامها من حيث الشكل فهو قادم حتما رغم كل الصعاب والتحديات ان صدق عزم الانظمة العربية وتوحدت ارادتها على تتويج نضالات الشعب الفلسطيني نهاية للنفق المظلم على مدى نصف قرن!